«البدون» بدون الهوية

كتب بواسطة: محمد وائل | في الملف . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 3074

«البدون»  بدون الهوية

نسخة للطباعة
لململم أشلاءه المبعثرة بين صفحات الجرائد، ومقالات الرأي، وخطب الساسة، وتقارير المنظمات الحقوقية، وجلس ينفض غبار الزمن من فوق هذه الصخرة التي يمتد عمرها لما قبل وجود البشر على الأرض..أغمض عينيه للحظات مسترجعا ذكريات طفولته.. بدأ يفتش عن اسمه واسم أبيه وجده والذي لم يجد عنتا في أن يجده على حاله محفورا على متنها لم يتغير.. في لحظة  كانت أقوى من الزمن نفسه، وأغرب من كل مفارقات التاريخ .. تذكر حينما  كان يتبارى هو وأبناء حيّه في حفر أسمائهم على هذه الصخرة وأحيانا على جذوع الأشجار المعمرة.. الآن وبعد عشرات السنين يجلس أمامها يسأل عن انتمائه الذي طالما شككت فيه "أوساط رسمية" رافضة منحه بضعة أوراق تعترف بحقه في تراب وطنه والسير عليه بحرية، واكتفت بأن تتركه معلقا بين وعود الساسة، وتعنت السلطات.. ليظل على حاله سنوات طويلة "بدون" .. حاملا همّ هذا الرفض ومعاناة  البحث عن هوية.

محنة هوية
على أرض الخليج العربي يعيش "البدون" عديمو الجنسية..والغالبية العظمى منهم يتيهون في دولة الكويت التي تضم نحو 120 ألفا من هؤلاء "البدون"، غير أن جذور المشكلة ترجع إلى بداية تشكل الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، مع نشأة قوانين التجنيس. وبرزت المشكلة لأسباب عديدة، اختلط فيها المذهبي مع القومي مع الأمني، في ظل معاناة حقيقية متعلقة بالحق في التوظيف بمؤسسات الدولة، والحق في الحصول على الوثائق الثبوتية كعقود الميلاد والزواج والطلاق والوفاة، والبطاقات المدنية، والحق في التنقل بحرية داخل البلاد، والحق في السفر، والحق في التعليم لأبنائهم والحق في الرعاية الصحية.
في الكويت تبلغ نسبة "البدون" نحو 93 ألف شخص، أما الإمارات فنحو 20 ألف شخص، فيما تبلغ نسبتهم في قطر  من 1200 إلى 1300 شخصا، وفي السعودية يقد عددهم نحو 70 ألفاً ، بينما يبلغ مجموع البدون في دول الخليج حوالي 184 ألفا، بحسب إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2009.

الكويت .. رحلة الصعود للأزمة
عند ظهور قانون الجنسية في الكويت عام 1959، بدأ الناس يسعون للحصول على الجنسية الكويتية، إلا أن البعض ـ وقتها ـ لم  يستوعب فكرة الجنسية في البداية. وبعضهم أهمل الموضوع ولم يعطه الأهمية، والبعض الآخر جاء إلى الكويت متأخرا سواء بطرق قانونية أو بالتسلل، وحاول الحصول على استقرار دائم وكامل فيها. والبعض أخفوا هوياتهم عمدا مدعين انتماءهم إلى هذه الفئة في محاولة للاستفادة من امتيازات البدون. إضافة إلى ثغرات في قانون الإقامة استثنت أفراد العشائر من الحصول على سمات دخول وتراخيص الإقامة وجوازات السفر للدخول إلى الكويت، وسهولة إجراءات التطوع في الشرطة والقوات المسلحة، وكلها عوامل ساهمت في تنامي هذه الظاهرة.
وبدأت ظاهرة البدون تبرز أثر الهجرة إلى الداخل من مناطق البادية أو الدول المحيطة بالكويت. واستمرت المشكلة في التفاقم مع منتصف الستينيات عندما أغلق باب التجنيس. ومع نهاية 1965 سمحت الحكومة بإطلاق عبارة "بدون" أمام الجنسية في إجازات القيادة وشهادات الميلاد والبطاقة الصحية وبطاقات الوظائف الحكومية والجيش. وكان أصحاب هذه الفئة يحصلون على كثير من الامتيازات العامة ما عدا السكن الحكومي وقروض الدولة، إلى أن قرر مجلس الوزراء بعد مضي عقدين من الزمن عام 1985 إلغاء عبارة "بدون" واستبدالها بكلمة "غير كويتي". وطلبت من أصحاب هذه الصفة إبراز جنسياتهم الأصلية مع تعديل أوضاعهم ومنحهم إقامة صالحة لمدة 5 سنوات. وتفاقمت المشكلة مع الغزو العراقي للكويت. ومع نهاية عام 1993 استبدلت الكلمة بمصطلح "غير مقيمين قانونيا".
ويمكن تقسيم مشكلة البدون في الكويت بعدة مراحل،  الأولى: مرحلة صدور قانون الجنسية عام 1959 وحتى 1985، وهي المرحلة التي لم يشعر فيها بأي انتهاك لحقوقهم باستثناء الحصول على الجنسية. والثانية: منذ 1985 وحتى الغزو العراقي 1990 وهي مرحلة بداية التشدد..والمرحلة الثالثة وهي منذ تحرير الكويت 1991 وحتى الآن، وهي مرحلة زاد فيها التشدد والمعاناة بالنسبة إلى البدون، انتهاء بصدور قانون رقم 22 لسنة 2000 والذي وافق فيه مجلس الأمة على قانون يقضي بتجنيس ألفي شخص لتلك السنة.
وفي  مايو 2000 أقر مجلس الأمة الكويتي تعديلاً قانونياً يجعل ما يقل عن ثلث فئة "البدون" مؤهلين للتقدم بطلب لاكتساب الجنسية الكويتية حيث نص على أن أفراد فئة "البدون" الذين يريدون التقدم بطلب اكتساب الجنسية لابد أن يكونوا مسجلين في إحصاء عام 1965، ولابد أن يثبتوا أنهم.أقاموا في الكويت بصفة مستمرة منذ ذلك الحين .
إلا أن منظمة "هيومن رايتس ووتش" أشارت إلى أن عدد الذين نجحوا في اكتساب الجنسية مع استحقاقهم لها بالغ الضآلة، وأن الكثيرين ممن اكتسبوا الجنسية لا ينتمون إلى فئة "البدون".كما أن الشروط التي نص عليها قانون التجنيس عسيرة التحقيق في ظل عدم التطبيق الفعلي، مشيرة إلى  أن عدداً كبيراً قد تم حرمانهم من حق التعليم والتطبب والتنقل والتملك مما تسبب بزيادة معدلات الأمية بينهم.
ومنذ 2011 لجأ  كثير من الشباب  "البدون" للاعتصام والتظاهر مطالبين بأحقيتهم بالجنسية الكويتية والمطالبة بتحقيق العدل والمساواة لهم ومنحهم الحقوق الإنسانية كإصدار شهادة ميلاد وشهادة وفاة وحرية التنقل من خلال صرف جوازات السفر والسماح لهم بالعمل الحر الشريف.
غربة في وطن
يقول د.سامي ناصر خليفة الخالدي في دراسته عن البدون:إن وضع البدون مأساوي للغاية فهم محرومون من حق التعليم ولا يسمح لأبنائهم بالدراسة في المدارس الحكومية مما أدي إلى تفشي الأمية بين عشرات الآلاف من أبنائهم، كما أنهم محرومون من حق الملكية، فلا تسجل بأسمائهم العقارات ولا الشركات ولا السيارات ولا غيرها من الوسائل التي تتطلب وثائق إثبات الهوية. إضافة إلى أنهم محرومون من حق توثيق الزواج والطلاق الشرعيين، فلا توثق المحاكم عقود زواجهم، وإذا تزوج احدهم من دون توثيق في المحكمة يحاكم كمرتكب جريمة زنا، بالإضافة أيضا إلى أن طلاقه لا يوثق. وأشار إلى أنهم محرمون من حق العلاج، وعلى مريضهم دفع خمسة دنانير للمستوصف أو عشرة دنانير للمستشفى، والولادة تكلف هذه الفئة ثلاثمائة دينار، وها هم يعانون من حرمان مواليدهم حق الحصول علي شهادة ميلاد، والطامة الكبرى أن أمواتهم يعانون الحرمان أيضا، فلا يحق لهم الحصول علي شهادة وفاة.
 وأضاف الخالدي أنه بالرغم من اتهامات الحكومة الكويتية لهم بالعمالة لكنهم ساهموا بفاعلية في خدمة الكويت أثناء الغزو العراقي، حيث كان يمثل الآلاف منهم الجيش الكويتي المرابط علي الحدود لتحرير الأرض، فكان منهم المقاوم والأسير والشهيد، كل ما سبق لم يشفع لهم للإقامة في بلدهم الكويت، ولم تكف معاناتهم دليلاً لإثبات وطنيتهم وولائهم لهذا البلد الكريم.
الإمارات.. محاولات باهتة
المشكلة هنا لا تختلف كثيراً عن المشكلة التي يعانيها "البدون" في معظم دول الخليج من حيث أزمة الجنسية وتبعات هذه المشكلة على كافة المستويات. وينقسم البدون في الإمارات إلى عدة أقسام فبعضهم كان يملك جواز سفر ومنع من تجديده، ومنهم أبناء المواطنات المتزوجات من غير المواطنين، وأيضا من أقام في الدولة قبل قيام الاتحاد وليس لديه أوراق ثبوتية.
ومن الشروط القانونية التي تضعها الإمارات لتجنيس عديمي الجنسية، عدم تمتعهم بجنسية أخرى، مع الإقامة بالدولة قبل قيام الاتحاد، وعدم ارتكاب أية مخالفات إجرامية أو أخلاقية.
واقترحت الإمارات لإنهاء المشكلة ضرورة سعي تلك الفئة للحصول على جنسية أخرى، ومن ثم البدء في إجراءات التجنيس الإماراتية.
وكحل لهذه المشكلة، يممت الإمارات مع بعض دول الخليج  وجهها إلى أرخبيل جزر القمر لمنح البدون الجنسية، مقابل حفنة من الأموال. وبرر مسئولو دولة الإمارات هذا الإجراء بأنه "جزء من حل مشكلة البدون في الدولة، لا سيما أن قانون التجنيس في الإمارات يشترط على طالب الجنسية أن يكون من رعايا دولة أخرى. وبما أن البدون لا يملكون أوراقاً ثبوتية، لأنهم أساساً رعايا إماراتيون من دون اعتراف رسمي، فكان اقتراح جزر القمر حلاً جزئيّاً"
ورغم رفض البرلمان القمري، تؤكّد أنباء صحفيّة أن بعض البدون الإماراتيين حصلوا فعلاً على جنسية جزر القمر، وهم في طور تحويلها إلى جنسيّة إماراتيّة، غير أن هذه المحاولات تظل باهتة لمواجهة أزمة عديمي الجنسية على أراضيها، شأنها شأن معظم الدول التي تركت علاجها للزمن دون أن تواجهها بشكل حاسم وواقعي .
"بدون" السعودية.. مأساة غامضة
أما "البدون" في السعودية فهم كما وصفتهم الكاتبة السعودية إيمان القويفلي حالة غامضة،  فلا توجد معلومات واضحة أو معلنة عن أعداد البدون وأماكن انتشارهم، وتبعاً لعدم الاعتراف بوجودهم لا توجد ترتيبات نظامية تساعد على احتوائهم وحصولهم على ضرورات العيش، فعلى سبيل المثال، لا يوجد نظام واضح لقبول أبناء البدون في التعليم العام، وقبولهم يتم عبر ترتيب وتفاهم شخصي ومؤقت، ينسحب هذا على مسائل أخرى كالعلاج والسكن والتنقل والسفر عبر الحدود والزواج والعمل، وبالطبع مخصصات الضمان الاجتماعي، أي على جملة الحقوق التي تجعل الحياة ممكنة.
ويرصد إحسان طيب مدير عام الشؤون الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة السابق، بعض نتائج هذه الظاهرة بقوله: "إن خطورة وجودهم بهذه الأوضاع التي يعيشون فيها جعل منهم قنابل موقوتة. لو اطلعنا على إحصائيات أقسام الشرطة سنجد أن نحو 40 % من الجرائم لم يتوصلوا إلى فاعلها، وأن ما بين 50 إلى 60% من جرائم السرقة تسجل ضد مجهول. نحن نعيش الآن في مشكلة حقيقية، والأخطر أننا في المستقبل لن نستطيع أن نسيطر على الوضع أبداً".
كثير من المراقبين رأى أن مشكلة البدون في السعودية أشبه بالقنبلة الموقوتة التي من الممكن أن تنفجر في أي وقت، مطالبين بضرورة تدارك هذه الأزمة قبل أن تتفاقم، ومن ذلك ما اقترحه الكاتب السعودي د. عبد العزيز القاسم بأن يمنح الجنسية من وُلد في السعودية ومضى على وجوده أكثر من أربعين عاماً، أو ذلك الزوج الذي وُلد بالسعودية، وتزوج من امرأة سعودية ومضى على زواجهما أكثر من عشر سنوات، معتبراً أن هؤلاء انبّتوا عن أوطانهم الأصلية، وباتوا لا يعرفون وطناً سوى هذه البلاد