المسفر: «الخليج» لا يملك مشروعاً ضد إيران والغرب يدفعنا لمواجهة غامضة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في حوار . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 2120

المسفر: «الخليج» لا يملك مشروعاً  ضد إيران والغرب يدفعنا لمواجهة غامضة

نسخة للطباعة

حاوره/ نايف كريري
اعتبر الدكتور محمد بن صالح المسفر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر، أن ضبابية التعامل مع القضية الإيرانية هي المشكلة الأكبر التي تواجهنا الآن، لدرجة  أننا لا نعرف -على وجه التحديد- هل إيران عدوّ حقيقي، أم عدوّ محتمل، مشيرا إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي، لا تعدو كونها رهينة لقوى عالمية تستخدمها تارة في الحرب على العراق وأخرى لمواجهة إيران دون أن يكون لها مشروعها الخاص والمحدد لمواجهة تخوفاتها من قيام إمبراطورية فارسية عميقة تمتد من حدود الهند شرقا إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً.
وأشار -خلال حواره لـ"الإسلام اليوم"ـ إلى أنّ مشكلة الدول العربية أنها تملك قوة عسكرية لكنها لا تملك إرادة سياسية لاستخدامها، لافتا إلى أن ارتباط الغرب الاستراتيجي بإيران أكبر من ارتباطها بالعرب، بدليل أنها وقفت دون دخول العرب مجال التسليح النووي في حين سمحت لإيران بذلك.
وشدّد المسفر على ضرورة إعادة إنتاج مشروع القومية العربية كمشروع عربي موحد للخروج من الأزمة الراهنة، معتبرا أن العرب لديهم كافة مقومات نجاح هذا المشروع لامتلاكهم عقيدة دينية، وعقيدة قومية، وقوة استراتيجية كبيرة تسيطر على منافذ العالم.
د. المسفر رأى أن الربيع العربي لم يتوقف وإنما قادم ليطيح بالكثير من الأنظمة الأخرى ما لم تسارع من الاقتراب إلى شعوبها وتوفير الحقوق الأساسية لها.
قضايا عديدة تناولها الحوار نستعرضها خلال هذه السطور:
 نبدأ من إيران ووضعها المقلق في المنطقة .. كيف تقرأ الصراع العربي الإيراني الآن، خاصة مع ضبابية المشهد الذي فرضته الثورات العربية ؟
أولاً.. يجب التأكيد على أن هناك سوءاً في التعامل مع القضية الإيرانية، بمعنى أنه لا يوجد حتى الساعة مشروع موحد أو محدد حول التعامل مع إيران، لدرجة أننا لا نعرف حتى الآن -على وجه التحديد- هل إيران عدوّ حقيقي، أم عدوّ محتمل، أم دولة شقيقة؟ .. وللأسف، فإننا حتى هذه اللحظة، نفتقر بشكل كبير للدراسات الإستراتيجية المتخصصة حول الشأن الإيراني، إضافة إلى قلة دارسي اللغة الفارسية، مما يحول دون الغوص في الثقافة الإيرانية بشكل يمكننا من معرفة ما يدور في هذا البلد بشكل مباشر يكشف غموض هذه المنطقة بالنسبة لنا؛ بل إنّ ما نتلقاه من معلومات عنها إما من خلال لغة أخرى كالإنجليزية، أو من خلال ما يكتبه الإيرانيون أنفسهم بلغة أخرى، أوعن طريق ما يكتبه أعداء إيران؛ وبالتالي فنحن نتقمص عداوة إيران من عداوة الآخرين لها.
 إذا كان هناك مشروع إيراني حقيقي بالمنطقة فلماذا نفتقر لمشروع مناهض له على الرغم من إدراكنا لخطورته؟
إيران لديها مشروع قومي من عهد الشاه، يتمثل في بناء إمبراطورية فارسية عميقة من حدود الهند شرقا إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً. والإسكندر المقدوني –قبل الميلاد - كان يقول: "لا يمكننا الاطمئنان على الأمن والاستقرار في شرق البحر الأبيض المتوسط، والخليج ليس بيدنا". وكما نعرف فإن الإمبراطورية الفارسية كانت قد وصلت إلى مشارف البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإن إيران تعمل على إعادة بناء إمبراطوريتها، على الرغم من الحصار الاقتصادي والظروف الدولية.
 وماذا عن الدول العربية؟
مشكلة الدول العربية أنها تملك قوة عسكرية لكنها لا تملك إرادة سياسية لاستخدامها، إضافة إلى أن ارتباط الغرب الاستراتيجي بإيران، أكثر من ارتباطه بالعرب، لسبب واحد هو أن إيران قوة قومية بفقه ديني مختلف، في مواجهة قومية عربية بمذاهب متعددة، ولذلك فإن الأوروبيين يحرصون على إيران بشكل كبير، والدليل على ذلك هو أنه حينما حاول العرب أن يدخلوا مجال التسليح النووي في عهد عبدالناصر، تم اصطياد علماء التسلح النووي من ألمانيا الشرقية والعرب والمصريين، لإعاقة هذا المشروع، وحينما حاول العراق في الستينيات، الدخول في العصر النووي لم يسمح له بالاستمرار وتم القضاء عليه قبل أن يرى النور، بينما التجربة الإيرانية سمح لها بالاستمرار وتمت بأيدي الفرنسيين ومن بعدهم الروس وأطراف أخرى، وظلت حتى الآن في ظل قيادة أحمدى نجاد الأكثر تطرفا في هذا المجال، مما يدفعنا التساؤل حول الخطوة التي ينبغي على قادتنا اتخاذها لتحقيق مشروع وطني يمكن من خلاله مواجهة هذه الإمبراطورية الطاغية.
 كيف ترى الحديث عن الاحتلال الشيعى وهل هو حقيقة ينبغي أن يؤمن بها العرب، أم أنه مجرد تفخيم وتضخيم إعلامي وسياسي ليس أكثر؟
إيران تسعى لأن تتوسع جغرافيا وسياسيا وفي كل الاتجاهات، بما في ذلك أوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، تدعمها عقيدة التمدد الشيعي ، إلا أن المشكلة لا تكمن في تصوّر أنَّ هناك حزاما شيعيا يطوقنا، وإنما هناك أمر أكثر خطورة يتمثل في  حزام "عجمي" حول العالم العربي، يمتد من إسرائيل، مرورا بتركيا وإيران وجنوب القرن الأفريقي، وهو الأمر الذي لفت إليه "بن جوريون"، سابقا،  مع العلم بأنه وحتى حرب 67 كان هناك مشروع عربي لمواجهة هذا الطوق عن طريق اختراقه عبر أفغانستان،  إلا أن العرب وللأسف أهملوا أفغانستان إلى أن أصبحت في الحزام العجمي المحكم بهيمنة الدول الغربية وحلف الناتو ليكتمل الطوق حولنا. أما عن كيفية كسر هذا الطوق فهو السؤال الذي يجب أن يجيب عليه الحكام العرب وعلى وجه التحديد حكام دول مجلس التعاون الخليجي.
 وماذا عن الدعم الغربي للدول العربية ضد إيران.. هل هو لمصالح غربية أم مشتركة، أم أنّ الأمر لا يعدو كونه تمثيلية لإخفاء علاقة ما تحت الطاولة مع إيران؟
للأسف.. دول مجلس التعاون الخليجي، لا تعدو كونها رهينة لكل القوى بحيث تستخدمها في أي وقت شاءت، فعندما تغضب الولايات المتحدة على أي طرفمن الأطراف، فإنها تستخدمنا لضربه، كما حدث عندما استعدت العراق وبالتالي تم احتلالها، ثم استخدمتنا في الاعتراف بحكومة الاحتلال الأمريكي، والآن هي تستخدمنا مرة أخرى في مواجهة إيران. وللأسف فإنّ العرب تداعوا جميعا ـ بالتعاون مع الغرب ـ لتدمير العراقوبعد أن تم المخطط، لم يجد العرب وخاصة دول المجلس الخليجي فرصة للتعامل السياسي الصحيح مع القضية العراقية بعد الاحتلال ، وفي حين كانت الإمدادات الإيرانية تصل لعملائها عبر 1000 كيلو متر من الحدود المفتوحة بين العراق وإيران، فإن المقاومة الوطنية العراقية أغلقت أمامها الحدود العربية حتى هذه الساعة و لم تجد المدد العربي.
 هل من الممكن أن يطمئن العرب للدور التركي في المنطقة؟
أنا أعتقد أن تركيا لها مصالح، وتريد أيضا أن تستخدمنا كرهينة لتقوية نفوذها  ووجودها وحوارها مع الاتحاد الأوروبي، أو ضد إيران من ناحية أخرى..وكما قلت فإنه لا يمكنني الاطمئنان لهذا الحزام العجمي أبداً وإنما فقط أراهن على وحدتنا، وقوتنا، وكياننا العربي والإسلامي، خاصة وأنّ بيدنا أسلحة ضخمة تمكننا من المنافسة والردع،  فمثلا كانت هناك صفقة أسلحة بنحو 60 مليار دولار لدولة خليجية، وأخرى  بـ40 مليارا، والسؤال هو كيف نستخدمها لردع عدو أو لشد أزر صديق.
 هل يمكن أن نعيد إنتاج القومية العربية للخروج من الأزمة الراهنة، بالرغم مما يحيط بها من اعتراضات؟
أنا أقول أنه  لا إسلام بلا قومية عربية، ولا قومية عربية بلا إسلام، فالقرآن عربي، نزل باللغة العربية، والقبلة التي يتوجه العالم كله إليها على مدار اليوم للصلاة والدعاء عربية، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عربي، وجميع الأمم تعتز بقوميتها، وبالتالي فأنا أقول: إن العرب يستطيعون تكوين مشروع متكامل، لأنهم يمتلكون عقيدة دينية، وعقيدة قومية، وقوة استراتيجية كبيرة تسيطر على منافذ العالم؛ مضيق جبل طارق، باب المندب، قناة السويس، ولو كانت إيران تمتلك هذه المقومات لغزت العالم، ولهذا فأنا لا أجد مبرراً لهذا الصراع والجدل البيزنطي حول مفهوم "القومية العربية" و"الإسلام".. وأقول بكل صراحة إن قادتنا العرب لم يجعلوا لنا مشروعا أو هوية على الإطلاق وإنما جعلونا نهبا ورهائن لكل القوى.
 كيف ترى تأثير الربيع العربي وهل من الممكن أن يعيد صياغة المنطقة بشكل جديد؟
بالتأكيد الربيع العربي مبشر، ويكفي أنه استطاع أن يسقط  أعتى الأنظمة العربية، في مصر، وتونس، وليبيا،  وغيرها، إلا أنه ينبغي التأكيد هنا على أن الربيع العربي لم يتوقف وإنما هو قادم ليطيح بالكثير من الأنظمة الأخرى ما لم تسارع من الاقتراب إلى شعوبها وتوفير الحقوق الأساسية لها، ومن ذلك الحق في المشاركة السياسية، والحق في الرقابة على المال العام والسيادة، وهذا هو  بيت القصيد لأن حرية المواطن وإشراكه في جميع وسائل الحياة هو الضمان الوحيد لبقاء الأنظمة الحالية، وإلا فستتهاوى.
 بعد افتتاح مسجد محمد بن عبد الوهاب في قطر.. كيف تقرأ هذه التسمية، وهل ترى أن قطر ستصبح حاضنة لـ"الوهابية" ؟
أستطيع أن أقول، أن قطر الآن أصبحت بجدارة حاضن لما يمكن تسميتهم بـ"الوهابيون الجدد"، من خلال فكر عصري متقدم وليس فكراً متحجراً؛ هناك حركة دينية متنورة جديدة، ومحمد بن عبد الوهاب كان ثائرا على الخرافات والخزعبلات ولم يقف ضد التقدم بأي حال من الأحوال، وأرجو أن يكون هذا هو مفهوم  المدرسة الوهابية الجديدة التي تنطلق من قطر.
 ما هو سر اهتمامك باللغة العربية، وندائك دائما بتعريب العلوم في الجامعات والتعليم العام، بالرغم من كونك متخصص في العلوم السياسية؟
لا شك أنّ المحافظة على لغتنا العربية ضرورة وطنية، وضرورة دينية، وضرورة قومية بكل المعايير، وفي هذا الإطار لا يفوتني أن أقدم الشكرال جزيل والعميق لجامعة الرياض، أو جامعة الملك سعود، لاهتمامها بترجمة الكثير من الكتب الدراسية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، والتي قام بها مركز دراسات الوحدة العربية، وهو إلى جانب كونه مشروعا قوميا كبيراً فهو مشروع إسلامي أيضا، وأتمنى من العاهل السعودي أن يولي الترجمة ونقل التراث العلمي والفكري إلى اللغة العربية، اهتماما كبيرا، مثلما فعلوا في بيت الحكمة، كما لا يفوتني أن أشيد بالقرارالقطري الذي جعل اللغة العربية -بعد عشر سنوات من المد والجذب مع صناع القرار- لغة التعليم في الجامعة. ونتمنى أن تعمم هذه الفكرة على جميع المؤسسات العاملة في الدولة أو دول مجلس التعاون، وأن يكون توثيق جميع المؤسسات من بنوك أو مصارف أو مؤسسات مركزية إلى شركات التأمين أو بترول بالعربية وليس الإنجليزية، حتى لا تضيع هويتنا