عندما تخيب آمال إيران

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الجهات الاربع . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 2373

عندما تخيب آمال إيران

نسخة للطباعة
على الرغم من الحفاوة، التي قوبل بها الرئيس المصري محمد مرسي من قبل قادة الجمهورية الإيرانية في قمة دول عدم الانحياز بنهاية شهر أغسطس الماضي، كأول رئيس مصري تطأ قدماه أراضيها منذ ما يزيد على ثلاثين عاما، وكأول رئيس إسلامي يعتلي كرسي الرئاسة المصرية، فصار بحق، "أهم ضيوف القمة" كما وصفته جارديان البريطانية.. إلا أن هذه الحفاوة سرعان ما خفتت مع أول كلمة نطق بها "مرسي" عن النظام السوري الذي يعد الحليف الأقوى لإيران، وتنديده بالسياسات التي يقوم بها بشار الأسد ضد شعبه.. حيث لم يمنع الرئيس الإسلامي المهذب نفسه من إفساد العرس الإيراني، على حدِّ تعبير الصحف الغربية بعد أن هاجم حليفهم طاغية دمشق.
وبهذا، صح عنوان مجلة "فورن بوليسي" بأنَّ مرسي لم يكن عند "العشم الإيراني" فيه؛ فهو، بحسب تعبير كريستيان ساينس مونيتر، دَعَّم القوى الفاعلة للإطاحة بالأسد.
وعلى الفور، كما قالت جارديان، ألقت مصر عبر خطاب رئيسها الإسلامي بثقلها وراء حلفائها السُّنة "، وبهذا انتفى التشابه الظاهري بين الإسلاميين، وظهر الخلاف المذهبي بين الطائفتين الكبيرتين.
ومنذ كلماته الأولى في خطابه كشف مرسي عن توجهاته المذهبية بذكره الصحابة مُرتبين وفقًا للمذاهب السُّنِّية "اعتبره البعض رسالة للشيعة"، وتأييده للمعارضة السورية ضد الأسد.
وبذلك وقفت إيران موقف "المدافع"، بعد أنْ خططت كسر عزلتها الدولية بحشد حركة عدم الانحياز ضد العقوبات الدولية المفروضة عليها.
وإزاء هذا الموقف اعتبرت اندبندنت أنَّ الإيرانيين- "أصحاب البازار" والعقلية التجارية- سيرضخون لمبادرة مرسي، ويجلسون مع خصومهم الأتراك والسعوديين لحل الأزمة السورية، وهو ما يعطي مصر زعامة حقيقية للمنطقة.
طموحات
مصر الإقليمية
بسطت إيران السجادة الحمراء للرئيس محمد مرسي، الذي باغتها وهي الداعم الإقليمي الأهم لحكم بشار الأسد، بتنديده الواضح بنظامه "القمعي والظالم... الفاقد للشرعية"، ومساندته الأخلاقية لمعارضيه.
هذا الخطاب "الجريء" كشف طموحات مصر في "الزعامة الإقليمية" في "شرق أوسط قَسَّمته الطائفية"؛ حيث ألقت بثقلها التاريخي والسياسي وراء تكتل الدول السُّنِّية مثل السعودية وتركيا، على حد قول جارديان، وأضافت جارديان: أنَّ ما زاد من انزعاج سوريا وحليفها الإيراني مساواة مرسي في دعمه بين الشعبين السوري والفلسطيني، وما له من دلالة في دول المنطقة التي ترى إسرائيل العدو الأول.
وبحسب جارديان، فقد كانت إيران ترغب في حشد دعم حركة عدم الانحياز ضد العقوبات الدولية؛ لتكسر عزلتها إلا أنَّ موضوع سوريا كان "إشكاليًّا"، ساعد مرسي على تفجيره بخطابه في افتتاح القمة.
وعلى الرغم من الخلفية الإسلامية للرئيس مرسي إلا أنَّه لم يَعِد طهران بإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة على مستوى السفراء، وهو ما زاد من خسائر طهران.
ونقلت الصحيفة عن الباحث الرئيس في شئون الشرق الأوسط بمركز الدفاع والأمن "الولايات المتحدة" ديفيد هارت ويل- قوله: "مازلنا نتابع سياسته- الرئيس مرسي- الخارجية؛ فنحن لا نعلم عنها شيئا".
مرسي باغت الإيرانيين
في خطوةٍ فاجأت مضيفيه الإيرانيين والحضور في قمة عدم الانحياز- أعلن الرئيس محمد مرسي عن دعمه "للتدخل العسكري في الأزمة السورية"، على حد تعبير صحيفة اندبندنت البريطانية، في إشارة لتأييده للمعارضة السورية التي تحولت إلى جيش حر مع تواصل القمع الدموي من نظام البعث.
وبحسب الصحيفة، عمَّقت كلمة الرئيس مرسي الخلافَ بين إيران الشيعية وحلفائها السوريين من ناحية، ومصر وفريقها السُّنِّي من ناحية أخرى.
وتنظر دول الخليج مثل السعودية وقطر- التي سعت لعقودٍ إلى تقويض سلطة "الملالي" في طهران- إلى كلمة مرسي باعتبارها رصاصة لإيران التي ستفقد حليفًا رئيسًا حال سقوط الأسد.
واعتبرت اندبندنت أنَّ كلمة مرسي في طهران على تناقض مع خطاب سابق له في يوليو الماضي؛ بأنَّ التدخل العسكري في سوريا لن يكون حلًّا.
وهو ما أرجعه مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، ضياء رشوان، في تصريحه للصحيفة- إلى الإطاحة بالمشير حسين طنطاوي؛ حيث إنَّ الحديث عن رفض التدخل العسكري كان قائمًا في وجود المشير على رأس المؤسسة العسكرية.
واعتبرت الصحيفة أنَّ الخلاف الإيراني المصري يدخل في إطار الصراع المذهبي السُّنِّي الشيعي.
عَشَمٌ لم يكن
في محله
على الرغم من أنَّ الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، قد علق آمالًا كبيرة على زيارة الرئيس محمد مرسي لطهران لحضور قمة عدم الانحياز في عودة العلاقات الدبلوماسية، وكسب حليف جديد بالشرق الأوسط؛ لتظهر للعالم تغلبها على عزلتها الدولية، وتكسب بعض الشرعية الثورية الديمقراطية بتسليم القاهرة رئاسة القمة إلى طهران- بيد أنَّ أداء مرسي خلال القمة لم يكن يسترضي تلك الآمال الإيرانية، حسبما ذكرت مجلة فورين بولسى الأمريكية.
وذكرت المجلة أنَّ أداء مرسي خيَّب آمال الإيرانيين الذين ظنوا أنَّ زيارة مرسي قد تسمح بدخول مصر لمعسكر إيران، وتكشف عن سياسة إصلاحية خارجية جديدة لمصر.
مشيرةً إلى أنَّه كان هناك قلق من أنْ تمنح زيارةُ مرسي طهرانَ هذه الهدية الديمقراطية، على الرغم من أعمال العنف التي مارستها طهران ضد حركة الخضراء المعارضة من قتلٍ واعتقالٍ في مظاهرات 2009م، الداعمة للإصلاح على غرار مظاهرات 25 يناير 2011م، والتي أدت إلى صعود مرسي لرئاسة مصر.
وأشارت المجلة إلى أنَّ الإعلام الإيراني- بالكاد- ذكر تصريحات وانتقادات مرسي للنظام السوري ودعمه للمعارضة السورية؛ الأمر الذي أثار غضب وفد سوريا المشارك بالقمة، وغادروا الاجتماع اعتراضًا على تصريحاته.
وأوضحت المجلة أنَّه منذ إعلان مرسي عن مجيئه لإيران كان هذا الأمر الشغل الشاغل للإعلام الإيراني الذي ابتعد خلال القمة عن تعظيم أهمية زيارة مرسي، بل إنَّ الإعلام الإيراني حاول بث صورةٍ وردية عن العلاقات بين مصر وإيران؛ كتجسيد ضمني للمصالحة لتكون هزيمة لإسرائيل ونصرًا لإيران.
وقالت المجلة: إنَّ مصر لم تكن مهتمة بصداقتها مع إيران لأنَّ عودة العلاقات المصرية مع إيران سيكون ثمنها انهيار العلاقات المصرية الخليجية، ولاسيما مع السعودية.
"مفيدة جدًّا..
وقوية جدًّا"
وصفت وزارة الخارجية الأمريكية تصريحات الرئيس محمد مرسي بشأن ضرورة دعم الشعب السوري، في كلمته أمام قمة عدم الانحياز في طهران- بـ"المفيدة جدًّا، والواضحة جدًّا، والقوية جدًّا".
ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، باتريك فينتريل، في مؤتمر صحفي للوزارة- أنَّ مصر تضع ثقلها بالكامل "لدعم سوريا حرةً ومستقلة، وانتقال إلى نظام ديمقراطي يحترم إرادة الشعب السوري من أجل تحقيق الحرية والمساواة".
وأضاف فينتريل، أنَّ كلمة الرئيس مرسي "كانت بالفعل قويةً وواضحة في طهران لبعض الناس الذين هم بحاجة إلى سماع ذلك هناك".
من ناحية أخرى، وحول ما إذا كان الرئيس مرسي سيقوم بزيارة إلى واشنطن بعد زيارته الخاصة بالجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، قال فانتريل: "أنا لا أعرف حتى الآن"، وأضاف: "عندما نقترب أكثر من انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة سيكون من دواعي سرورنا أنْ نلتقي مع العديد من القادة الذين سيزورون نيويورك".
هاآرتس: مصر لا تقف بجوار إيران
ذكرت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية أنَّ الرئيس محمد مرسي حين دافع عن الثورة السورية أشار بوضوح إلى جوار مَنْ تقف القاهرة؟، مصر لا تقف بجوار إيران.
وأبرزت الصحيفة الإسرائيلية حديث مرسي عن الثورة السورية في خطابه في افتتاح المؤتمر حين أكَّد أنَّ "التضامن مع الشعب السوري ضد نظامٍ فَقَد شرعيته يُعَدُّ واجبًا أخلاقيًّا بقدر ما هو ضرورة سياسية... وعلينا إعلان دعمنا الكامل لطلاب الحرية في سوريا".
وأشارت "هاآرتس" إلى رد الفعل الإيراني الغاضب من خطاب مرسي؛ حيث نقلت تصريحات مستشار البرلمان الإيراني لشئون الشرق الأوسط، حسين شيخ الإسلام، والذي وصف مرسي "بعدم النضج".
كما أشارت "هاآرتس" أيضًا إلى أنَّ وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية لم تنقل الأجزاء من الخطاب التي تحدث فيها عن الوضع في سوريا، كما لم تنقل أيضًا انسحاب الوفد السوري من قاعة المؤتمر أثناء خطاب مرسي.
وذكرت الصحيفة أنَّ إيران كانت تعول الكثير على زيارة مرسي لطهران؛ فهو أول رئيس مصري يزور إيران منذ أكثر من 30 عامًا.
وأضافت أنَّ طهران كانت تطمح في أكثر من مجرد استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع القاهرة، بل كانت تطمح أيضًا في استمالة حليفٍ لها يساعد في إبقاء النظام الأسدي في السلطة في سوريا.
وبحسب "هاآرتس"، فإنَّ مصر حددت خياراتها بشكل كبير، ومن المؤكد أنَّ الخيار كان بعيدًا عن إيران في المرحلة الحالية، ويجب على طهران أنْ تحاول مجددًا، وتنتظر فرصة أخرى للتقارب مع مصر.

مأزِق لإيران
أظهر خطابُ الرئيس "محمد مرسي" في قمة عدم الانحياز بطهران وجودَ تباين حادٍّ بين دعم إيران الراسخ للنظام السوري وبين تنامي شبكة القوى الإقليمية الدافعة لسقوط الرئيس السوري، بشار الأسد، حسبما أفادت صحيفة كرستيان ساينس مونيتور الأمريكية.
ونقلت الصحيفة عن مسئولين إيرانيين أنَّ قمة عدم الانحياز أظهرت أنَّه لا يمكن عزل الجمهورية الإسلامية دوليًّا من قبل الغرب، إلا أنَّها أشارت إلى أنَّ خطاب مرسي وضع إيران في مأزِق؛ حيث طالَبَ الرئيسَ الإيراني، محمود أحمدي نجاد، بانضمام بلاده إلى المجموعة المناهضة للأسد الآخذة في التنامي، أو أنْ تبقى في عزلة أكثر عن مصر والدول التي لها ثِقَل بالمنطقة مثل تركيا والسعودية، ولكن لم تُبْدِ إيران أي مؤشرات على وقف علاقاتها مع نظام الأسد.
وذكرت الصحيفة أيضًا ضربةً غير مباشرة أخرى لإيران من مرسي؛ حيث أثنى على موجة الربيع العربي، التي تسببت في تنصيبه رئيسًا للبلاد، والتي مازالت أمواجها تعصف في سوريا، في الوقت الذي ظهر فيه تعارض شديد لوجهة نظر إيران حيال ثورات الربيع العربي التي وصفتها بأنَّها انعكاسٌ حديث للثورة الإيرانية التي اندلعت في إيران منذ ثلاثة عقود وقضت على حكم الشاه