ماذا بعد زيناوي؟

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في متابعات . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 2330

ماذا بعد زيناوي؟

نسخة للطباعة
مجموعة الأزمات الدولية *

كانت وفاة رئيس الوزراء الإثيوبي "ميليس زيناوي"، التي أعلنت في 20 أغسطس الماضي، مفاجأة بالنسبة لكثيرين من القوى الفاعلة، ليس  فقط على مستوى بلده الإفريقية، أو قارته السمراء التي باتت الأنظار تتوجه صوبها، بل على مستوى العالم أجمع، وخاصة أن الرجل أدار دفة الأحداث في إثيوبيا لمدة 21 عامًا..
هذه المفاجأة، التي أعلن عنها التليفزيون الحكومي الإثيوبي، بعد غياب " ميليس" العلني لعدة أشهر, سوف تتسبب قطعا في تداعياتٍ عميقة على المستوى الوطنى والإقليمي؛ فالمعروف أنَّ ميليس هو مؤسس حكم الحزب الواحد لصالح حزب "جبهة تحرير شعب تيجري" وأعوانه التايجاريين, بالتعاون مع النخب الإثنيَّة الأخرى التي شاركت في الائتلاف الحاكم "الجبهة الشعبية الديمقراطية الثورية الإثيوبية"، وقد تعهدت الجبهة بتحقيق الحرية، والديمقراطية، وتسوية المشكلات العرقية, لكنها طبقت حكمًا شديد المركزية، وأحكمت قبضتها على الاقتصاد, واستمرت في قمع الحريات السياسيَّة والاجتماعيَّة والعرفيَّة والدينيَّة..
 وفي السنوات الأخيرة اعتمد ميليس أكثر فأكثر على القمع لإخماد المعارضة المتزايدة, وسوف يتعين على من يخلفه قيادة نظام ضعيف يكافح من أجل مواجهة الاضطراب المتزايد ما لم يؤسس فيدراليةً عرقيةً حقيقية, ويبدأ إصلاحًا أساسيًا للحكم, وينبغي للمجتمع الدولي أنْ يسعى إلى التأثير على التحول لأنَّ له مصلحة كبرى في استقرار البلاد.
وكان ميليس- على الرغم من حكمه الاستبدادي, وسِجلِّ انتهاكاته لحقوق الإنسان- عنصرًا مهمًّا في المجتمع الدولي كحليف مخلص للغرب في جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة, وشريكا مهما في التنمية للقوى الغربية والناشئة؛ ونتيجةً لذلك أصبحت إثيوبيا أكبر متلقٍّ للمساعدات في إفريقيا, على الرغم من عدم قدرتها على تحقيق الاستقرار المحلي أو الإقليمي, أو لم تكن كافية.
وعلى نحوٍ كبير, يرجع تزايد اضطرابات النظام السياسي والمجتمع في إثيوبيا إلى تصاعد ممارسات القمع التي تقترفها جبهة تحرير شعب تيجيري, بينما أخفقت في تنفيذ سياسة الفيدراليّة العرقية التى طرحتها منذ أكثر من عشرين عامًا؛ لاستيعاب الهويات العرقية المتنوعة في البلاد.
ونتج عن ذلك مركزيّة سياسيّة أكبر, مع ما يصاحب ذلك من تعميق المظالم الإثنية، ولم يترك إغلاق المجال أمام المشاركة السياسيّة؛ أي قناة مشروعة للناس من أجل نقل تلك المظالم, وانتهكت الحكومة حرية التعبير في المجتمع، وقيدت من حريات الصحافيين والمنظمات غير الحكوميّة, والحريات الدينيّة, وأدى تراكم تأثير هذه الممارسات إلى تنامي السخط الشعبي, وكذلك التطرف على أسس دينيّة وعرقيّة, واستطاع ميليس ببراعة عبور عدد من الأزمات الداخليّة، وأحكم السيطرة على فصائل الجبهة، ومع ذلك فسوف تنكشف مع غيابه.
ومن المتوقع أنْ تكون الفترة الانتقاليّة مهمة جبهة تحرير شعب تيجيري, حتى لو تخفت وراء الدستور, وتحت مظلة الجبهة الشعبيّة الثورية الديمقراطيّة، وضغطت لترقية نائب رئيس الوزراء "هيل ماريام ديسالجن" إلى منصب القائم بأعمال رئيس الدولة, ونظرًا للغموض الذي يكتنف إليه العمل داخل الحكومة والجيش فمن المستحيل، ومن الذي سيئول إليه المنصب في نهاية الأمر؟
غير أنَّ النتيجة المحتمة سوف تتمثل في:
حكومة أكثر ضعفًا، وزيادة نفوذ أجهزة تهديد الاستقرار الداخلي, وسوف تظلّ المعارضة السياسية-  التي أجبر ميليس قطاعًا كبيرًا منها على مغادرة البلاد- مفتتة وأضعف من أنْ تؤدي دورًا كبيرًا, ما لم تصل إلى السلطة عبر عملية بواسطة دوليّة, وسوف تضطر نخبة التايجيريين الضعيفة- أمام الانقسامات العرقية والدينية في البلاد- إلى الاعتماد على المزيد من القمع إذا أرادت الاحتفاظ بالسلطة والسيطرة على النخب الإثنية الأخرى, ومن المتوقع أنْ تمثل الانقسامات العرقية والدينية والاضطرابات الاجتماعية تهديداتٍ حقيقية لاستقرار الدولة وتماسكها على المدى الطويل.
ولا شك أنَّ الآثار الإقليمية ستكون هائلة فمن الممكن أنْ يهدد تزايد عدم الاستقرار الداخلي سلامة التدخلات العسكريّة الإثيوبيّة في الصومال والسودان, ويفاقم التوترات مع إريتريا, كما سيلقى شكوكًا كبيرة على الدور الذي تقوم به إثيوبيا في مكافحة الإرهاب بوصفها الحليف الرئيس للغرب في المنطقة, وإذا تصاعد التطرف الديني أو العرقي فمن الممكن أنْ يمتد عبر الحدود؛ ليتواصل مع الجماعات الإسلاميّة المتطرفة المسلَّحة الأخرى.
ومِنْ ثَمَّ فعلى الجماعة الدوليّة- خاصة حلفاء إثيوبيا الرئيسين الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي- العملُ على أداء دور بارز في ترتيب المرحلة الانتقاليَّة وتشكيلها عبر ربط المساعدة السياسيّة والعسكريّة والتنمية بالانفتاح السياسي ووضع حد للتدابير القمعيّة.
تشجيع القيادة في مرحلة ما بعد ميليس على طرح خارطة طريق واضحة تشتمل على آليات شفافة داخل جبهة تحرير شعب تيجيري والجبهة الشعبيَّة الثوريَّة الديمقراطيَّة لاقتسام السلطة التي كان يحظى بها داخل الحزب والجبهة والبرلمان, من أجل قيادة مرحلة انتقال سلميّة شاملة, تفضي إلى انتخابات حرَّة ونزيهة خلال فترة زمنيّة محددة, والمساعدة على انعاش قدرة المعارضة السياسيّة على تمثيل دوائرها الانتخابيّة في كل من داخل إثيوبيا وبلاد الشتات





_____________________________
 "مجموعة الأزمات الدولية (إنترناشونال كرايسس جروب) هي منظمة دولية غير ربحية وغير حكومية تتمثل مهمتها في منع حدوث وتسوية النزاعات الدموية حول العالم، من خلال تحليلات ميدانية ومن خلال إسداء المشورة على أعلى المستويات، وتعتبر المجموعة اليوم المصدر العالمي الأول، المستقل والحيادي للتحليلات والمشورات التي تقدمها للحكومات، والهيئات الدولية مثل: الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، للحيولة دون ظهور النزاعات الدموية وتسويتها."