المواطّنة كسبب وقائي!

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في الملف . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 2981

المواطّنة كسبب وقائي!

نسخة للطباعة
المواطَنة الفعّالة لا تُختصر في "إشباع فم جائع"، أو "مُستهلِك" بالمصطلح الاقتصادي، بل تجعله يشعر بالانتماء للمكان/للوطن: يفعل الواجب، يُحافظ على الثروة، ويُعطَى الحقّ. المواطنة الفعّالة تُقاس بمدى نجاحها في تحويل الفرد في المجتمع من فريق "السّكّان"، إلى فريق "المواطنين"، وبمدى تنشيط دورهم الاجتماعي في تطوير الحقّ العام والحفاظ عليه.
 -1-
لتتضّح الصورة العامة للمجتمع العربي، لابد من مزج ما سماه خبراء الديموغرافيا "تضخّم فئة الشباب"، بالحالة النفسية البسيطة والمعقّدة للفرد العربي. فهم يقدّرون أنّ فئة الشبان العرب الذين تتراوح أعمارهم بين (15 – 35) سنة، تضخّمت من (40) مليوناً عام (1980م)، إلى أكثر من (90) مليوناً في الوقت الحاضر، كما يشير الأكاديمي البريطاني "روجر أوين". حين نضيف الطبيعة النفسية لمعدّل الأعمار الأبرز في التركيبة السكانية، إلى فيض المعلومات الهائل ووسائل الاتصال الجديدة التّفاعلية، إلى عدوى ثورات الربيع العربي، نصبح أمام معادلة واقعة: (القيم المرغوبة +حماسة الشباب + يقينٌ مُستَبطنٌ بالغَبن + وسيلة اتصال واسعة الانتشار= واقع لا يُستطاع تحديد معالمه)، وهو المُشاهَد منذ انتهاء أي ثورة من ثورات الربيع العربي، فمع أنّ قيم الحرية والعدل والمساواة، كانت المقابل الصارخ للسّلطويّة والانفراد والظلم، إلاّ أنه لم تنجح أيّها من استبدال الوجوه القديمة كلّية، فهي قد تمتلك الحِسّ الإنساني، والقِيَم الأعلى، والأفكار الواعية، لكنها لا تمتلك الخبرة السياسية التنظيمية، وفي علم الإدارة: لا يمكن استبدال نظام إداري قائم، بنظام آخر، ولكن ينبغي إحلاله بالتدريج.
المَعلَم الأبرز خلال ثورات الربيع العربي، أنّ الجميع كان واعياً بأنّ التغيير واجب الحصول، ولكنّه لا يملك إلاّ الصورة العامة لهذا التغيير، أو أنّه كان يريد تغيير ما هو فيه بغضّ النظر إلى أين يتّجه وبمن يستعين. وهذا الأخير ما نراه بارزاً في الاختيارات التي تمّت  بعد الربيع العربي، فقد كانت اختيارات للأقلّ سوءاً، وليس للأنضج تجربةً – بغضّ النظر عن كثرة الصواب-. كان ملاحظاً أيضا بروز صراع للحلول محل المتسلّط القديم للاستمتاع بالانتقام أو إحلال الأفكار بالقوة، ويضيع الفرد والتغيير في هوامش اقتسام السلطة. الأبرز فعلاً كان الرفض الشابّ للتسلّط الأبوي – وهو ما يؤكّد ما توصل إليه "أوين"- بغضّ النظر عن النتيجة الحاصلة، وارتفاع أصوات المطالبة بالمشارَكة كبديلٍ للسلطة المُستحوِذة.

-2-
يتّفق العقلاء أنّ المحاكاة لا تُماهي الطبيعة بنسبة عالية الدقّة، وعليه، فإنّ الممارسات "الديموقراطية" الافتراضية، التي تُمارس في الانترنت، لا يمكن أن يتخرّج منها مَن يستطيع التعامل مع الواقع الإنساني مباشرة، بل يلزم لتحقيق هذه القيم وقت طويل من التجربة والصراع الاجتماعي، خصوصا في الوطن العربي، وأخصّ منه منطقة الخليج. وبالطبع فإن الحديث السابق سيختلف من مجتمع إلى آخر بحسب الوضع العام فيه.
الإعلام الجديد اليوم لم يعد مجرّد فضاء للتبادل المعلوماتي، بل تعدّى هذا إلى إجبار المُشاهد، بحكم مسّه المباشر لهموم الفرد، على المشاركة والنشر وتبادل الخبرات، وهذا حوّل الجيل الحالي إلى جيل "الصورة المشاهدة"، بمعنى أنّ أي تغيير "غير مُشاهَد" واقعيا، هو تغيير لم يحدث!
إشكالية المصطلحات هي مشكلة قديمة، فالمصطلح يُكوّن الوعي والممارسة. اليوم يختلف الأمر في كَون المصطلح يأخذ شكله من الممارسة ذاتها، وهنا يُشير "بيرنارد كريك" إلى: ".. إن كلمة الديموقراطية، هي أكثر الكلمات اضطراباً وغموضا، فهي مصطلح قد يعني شيئا بالنسبة لكل شخص، بحيث تكون هناك خطورة بأن تصبح الديموقراطية كلمة بدون معنى". الخوف فعلاً أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها إحساس الفرد بمدى ديموقراطية مجتمعه مبنيّ على "راحته" في هذا المجتمع المعيّن، بمعنى أن تتحوّل الديموقراطية من ممارسة فعليّة ثابتة، إلى "انطباع" شخصي متغيّر، وهو ما يصفه "ليبوفيتسكي" بمرحلة "انتهاء المواطن": (أي الإنسان كما تصيغه الدولة ودساتيرها)، و"بداية الفرد": (الذي يحدّد لنفسه الصيغة التي يتعامل بها مع المجال العام). ونفسيا، فإنّ ما يشير إليه "ليبوفيتسكي" يصبّ في الإخلال بوحدة المجتمع، في سبيل محاولة كل فرد من أفراد المجتمع تحقيق ذاتِه وحده.. ومن كان مشغولاً بنفسه لن يلتفت للصورة الأكبر: المجتمع/الوطن. 

-3-
الأولويّة الأكثر إلحاحاً على أصحاب القرار اليوم هي الاتّجاه إلى تطبيق الحلول، وعدم تضييع الفُرَص بالاستغراق في التحليل، فالنتائج معلومة بالمُشاهَدة والقياس. في رأيي أنّه لابد من تفعيل دور فريق اجتماعي-نفسي، أو استحداثه، بحيث يكون هو المسؤول الأول عن حفظ الأمان الاجتماعي من الانهيار. دورهم يكون في تحقيق أسباب تنشيط المواطنة، بحكم خمول الموجودة. دورهم تفعيل النّوايا الطيّبة، وتوجيه الحماس نحو فعل إيجابي فعّال بنائيا، في سبيل تحقيق وحدة اجتماعية تُفضي إلى سلوك طريق التنمية الإنسانية، قبل الاستغراق في التنمية العمرانية.
المواطَنة الفعّالة لا تُختصر في "إشباع فم جائع"، أو "مُستهلِك" بالمصطلح الاقتصادي، بل تجعله يشعر بالانتماء للمكان/للوطن: يفعل الواجب، يُحافظ على الثروة، ويُعطَى الحقّ. المواطنة الفعّالة تُقاس بمدى نجاحها في تحويل الفرد في المجتمع من فريق "السّكّان"، إلى فريق "المواطنين"، وبمدى تنشيط دورهم الاجتماعي في تطوير الحقّ العام والحفاظ عليه.
المواطنة الفعّالة هي التي يقلّ فيها شعور مجموعة من أفراد المجتمع بأنّها أقليّة مُستضعفة، إلى مُشاهدَة بأنها أقليّة محترمة الوجود، لها ما للأغلبية وعليها ما عليها، بغضّ النظر عن نوع الأقلية: جنسية، طائفية، مذهبية، طبقية. المواطنة الفعّالة هي التي ينبُذ فيها الأغلبية دعوات وأفعال العصبية.
لا تتحقّق المواطنة الفعّالة من دون إظهار وإشاعة لبنود القوانين التي يَرجع إليها الجميع ليحفظوا الدفاع عن حقوقهم، وفي هذا حفاظٌ على "روح القانون" التي هي من مقاصده الأساسية. فبدون معرفته من جميع أفراد المجتمع وحكر المعلومة على طبقة معيّنة، بالإضافة إلى كون بعض الأحكام متفاوتة وظالمة أحياناً، يجعل هذا يصبّ في فقد القانون لهيبته، ويصبّ في تأجيج كراهية الشباب - المُشاهَدة أصلا - لممارسي التسلّط الأبوي في المجتمع، كما سبق. وهذا يذكّرني بمشروع "تقنين الأحكام" المُعطّل تنفيذه منذ فترة طويلة، من غير سبب مُقنع. لابدّ من الاتجاه فعلا إلى إظهار الجهد المبذول في هذه الخطوة موازاةً بأخريات، فلا وقت لتدريج الخطوات ومَرحَلة المشاريع.
المواطنة ليست منفصلة أو مرتبطة بمشروع معين يصوّت له ناخب ويسلمه لمسؤول .. المواطنة تربية، حياة، ومشاركة. المواطنة لابد من أن تشمل جميع أفراد المجتمع: جنسَيه، طوائفه، مذاهبه، وطبقاته. لو كان لي أن أقارن، فسأقول أنّ الوطنية بحقّ كانت في مجتمع المدينة المنورة في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم-، فقد كان المجتمع أكثر رسوخا وهدوءا، وأكثر وضوحا وترابطا، منّا اليوم. أشار الدكتور "محمد عمارة" في محاضرة له عن العَلمانية أنّ شِعار (الأرض لله، والوطن للجميع)، هو شِعارٌ إسلامي، لا علماني: "ليكون الدين لله"، "والأرض وضعها للأنام" .. ومفهومٌ بالضرورة والقياس، أنّه ليتحقّق هذا فلابدّ من قانون واضح يُرجَع إليه، واحترام كرامة وجود جميع الأفراد في أيّ مجتمع، وهو ما فعله النبي – صلى الله عليه وسلم- حين وضع "الوثيقة الدستورية" في مجتمع المدينة، فعاش أفراده بأمان نفسي، على اختلاف أديانهم، في إطار محدّد ومعلوم المعالِم يُرجَع إليه.
المواطنة الفعّالة ليست "يوما" يُرقَص فيه، ولا شعارات تُطبَع على صور، ولا نوايا طيّبة. المواطنة الفعّالة: هي علاقة، يُكفى فيها الفرد همّ احتياجاته الإنسانية الأساسية، فيُكفى "الوطن" همّ أمانه واستقراره