الثّورة السّوريّة معركة ثقافيّة

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في رأي . بتاريخ : Nov 26 2012 | العدد :96 | عدد المشاهدات : 2027

الثّورة السّوريّة  معركة ثقافيّة

نسخة للطباعة
كلّ يوم يمرّ يؤكّد على أنّالثّورة السّوريّة لم تقم من أجل تغيير نظام سياسيّ أو طبقة حاكمة،وإنّما قامت لأنّ للبلد هويّة وقيمًا عميقة مناقضة للقيم التي حكم على أساسها النّظام قرابة نصف قرن من الزّمان،وقد ظهر ذلك من الخطوات الأولى للثّورة حين قام بعض أطفال (درعا) بكتابة بعض العبارات التي تطالب النّظام بالرّحيل.
إنّه عمل احتجاجيّ غير عنيف من أطفال لم يدخلوا بعدُ تحت طائلة المسؤوليّة القانونيّة، وعبَّرالنّظام في ردّ فعله عن القيم التي يستمر في الحكم على أساسها، حين قام رجال مخابراته بتعذيب أولئك الأطفال وقلْع أظافرهم،وحين جاء أهلوهم للمطالبة بإخراجهم ردّعليهم مدير مخابرات حوران (ابن خالة بشار) بكلام يمسّ الكرامة والشّرف والعرض..
إنّ من الواضح جدًّا أنّ الذي دفع النّاس إلى الثّورة وتحمّل أعبائها الكارثيّة على مدار ثمانية عشر شهرًا لم يكن التّقليد لثورات الرّبيع العربيّ أو من أجل الرّفاهيّة وتحسين الأوضاع. إنّ الدّافع الأساسيّ هو دافع يتّصل بالعمق النفسيّ والفكريّ للنّاس،وأستطيع أن أقول وأنا مطمئن: إنّ الثّورة  قامت؛ لأنّ هناك نظامًا لا يعترف بأنّ في البلد شعبًا، له حقوقه وكرامته ورأيه ورؤيته،وقامت أيضًا؛ لأنّ هناك شعبًا لا يثق بالنّظام الذي يحكمه،وفقدُ الثقة بالنّظام لم يأت من فراغ، وإنّما من الكذب الوقح والسّافر الذي يمارسه إعلام النّظام وقادته عبر تلك السّنين الطّويلة.
الثّورة السّوريّة تخوض معركة ثقافيّة، ليس القتال واستخدام السّلاح سوى أدوات يستخدمها النّاس في استرجاع القيم والمبادئ التي انتهكها النّظام.                                                                                                  
نحن نعرف أنّالثّورة ظلّت سلميّة تنادي بالوحدة الوطنيّة نحوًا من ستّة أشهر،ولم يكن حمل السّلاح في البداية إلاّ من أجل حماية المتظاهرين من القتل وحماية الحرائر من الاغتصاب، ولكن بما أنّ الفاصل بين الدّفاع والهجوم هو فاصل وهميّ،فقد صارت الأمور إلى ما صارت إليه. الثورة السّوريّة قامت من أجل الخلاص من الاستبداد والفساد والرّشوة والتّسلط واحتقارالنّاس من قِبَل طبقة سياسيّة جاهلة ومنحطّة،ومن أجل ترسيخ قيم العدل والحريّة والشّورى والسّلام الاجتماعيّ، ومن أجل إحلال سوريا في المنزلة الحضاريّة التي تليق بها،وهذه القيم جملة وتفصيلاً هي قيم إسلاميّة عالميّة.إنّها تتّصل بعقيدة الأمّة، وتتّصل بروح العصر،وقد كان الثّوّار يدركون منذ البداية أنّ تكاليف عسكرة الثّورة باهظة،وأنّ الاحتجاج السّلميّ هو الطّريق الأسلم والأقصر إلى بلوغ  غاياتها،وهذه الرّؤية إسلاميّة بامتياز، فقد تمكّن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من تحرير جزيرة العرب من الشّرك وعبادة الأصنام من خلال القليل جدًا من المعارك والخسائر؛فبعض الدّراسات يفيد أنّ عدد القتلى من الصّحابة -رضوان الله عليهم- لم يتجاوز ثلاثمائة شخص،وأنّ قتلى الطّرف الآخر لم يصلوا إلى ألف وثلاثمائة! النّظام المجرم يقتل اليوم هذا العدد في بضعة أيّام،ويدّعي أنّه يحمي المواطنين من العصابات المسلّحة!!