«بدونك» يا وطن

كتب بواسطة: عادل خميس الزهراني | في رأي . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 2841

«بدونك» يا وطن

نسخة للطباعة
هذا ليس فيلماً.. لا تتصوروه كذلك، وليس رسالة أرسلها لي مبتعث ما فقرأتها لأتبرأ منها فيما بعد، فقد جمعتني الأقدار مع أبي أحمد هنا في بريطانيا في مركز من المراكز الإسلامية، اقترب مني وحياني وبدأ بعدها في حكايته .. تلوح له الأربعين كفتاة غضة هذه الأيام، وجل الثلاثين والتسع التي سبقتها قضاها هناك .. هناك في الكويت، حيث عرف نفسه وطفولته، وأحبها مثلما لم يحب شيئاً آخر رغم أنه منذ نعومة أوجاعه كان يرى عيون النقص تطارده وتطارد كل أهل "الفريج".. لأنهم (بدون) يا جماعة الخير .. (بدون).. هذا كل ما في الأمر.
"حين حلت أزمة الخليج، كنتُ شاباً أصارع واقعي، لكنني ما أن سمعت بالخبر حتى بكيتُ، شعرتُ أن الدبابات كانت تدهسني وتدهس تاريخ أسرتي، إنه وطني يا أخي، أنت تفهم معنى (وطني) أليس كذلك" كان يحكي متحشرجاً "وعندما حصل التحرير، كان الكويتُ جزءاً مني يعود إلي، كان وطني الذي لا يريد أن يعترف بي يعود ليكمل تقاسيم وجهي.. بكيت مرة أخرى"..
عاش أبو أحمد وليست له أية أوراق ثبوتية، ببساطة لم يكن موجوداً بلغة هذا العصر الغريب.. فأنفاسه وسمرته وقامته الشامخة ولهجته الخليجية القحة كلها لا تكفي لإثباته كائناً حياً. ورغم كل شيء ظل يكافح ليثبت عكس ذلك مطارداً لقمة العيش حيثما كانت بعيداً عن أعين المراقبة، ثم تزوج من (بدونية) مثله فالإسلام شدد على ضرورة تكافؤ النسب، وكلما بُشر بولد غص بفرحته، وحين اكتملوا ثلاثة وليس لدى أحدهم حتى شهادة ميلاد بدأ أبو أحمد يفكر في وطن آخر يقبله وأسرته ويصدر لهم أوراقاً رسمية لعلهم يستطيع أن يسيروا في الطرقات يوماً مثل بشر ..
وهنا بدأت رحلة أخرى من الأسى.. فهذه الشريحة لا تستطيع السفر لأنها لا تحمل جوازات سفر.. أعلم أن هذه حقيقة معروفة لكني أحببت أن أجرب طعمها على لساني وألسنتكم، ولا تخجلوا إن نزت دمعة من عيونكم وأنتم تعيدون معرفة ما كنتم تعرفون أصلاً.. ومن هنا لم يكن لأبي أحمد إلا الطرق المظلمة والأوراق المزورة ومهربي الحدود، تلك الحدود التي صنعها إنسان هذا العصر لتصيغ سجنه.. عفواً أقصد وطنه. كانت وجهته أستراليا، لكنه يحتاج أن يصل إلى تركيا أولاً ليستطيع الوصول لشخص يسهل له صعود رحلة جوية تلقي به في حضن القارة البعيدة، بدأ يتحرك في الليل.. ودع زوجته وأولاده ووعدهم أن يعود إليهم يوماً ما.. حياً أو ميتاً، ثم مضى.. دفع ألوفاً لشراء جوازات مزورة، وكلما نظر في صورة الجواز التي يفترض أن تشبهه رأى وجهاً لا يمت لأحزانه بصلة، كان يستمع للسائقين الذين يفترض أن يهربوهم بين الحدود وهم يتساومون عليه كما يتساومون على البهائم، وكم من المرات التي قُذف به وبرفقائه ممن شابهت ظروفهم ظروفه على قارعة الطرق خوفاً من دورية مصادفة، وكان معنى هذا ساعات من الهرب في الصحاري قد تمتد لأيام حتى يعثروا على سائق آخر.
تدبر أبو أحمد نفسه حتى وصل إلى تركيا، وحين اتصل بالمصدر أخبره أن أستراليا أغلقت أبوابها دونه، ولا مناص له من تجربة أوروبا، فمكث في تركيا عدة شهور في شقة مع عدد من المخالفين لأنطمة الهجرة حتى وجد عصابة من الأفارقة قد تهربه لليونان، وانطلق معهم، يقول: "كنا سبعة أشخاص.. أكراد وأفارقة وإيرانيين محشورين في سيارة صغيرة وكان علينا أن نتخفى أسفل المقاعد حتى لا تنتبه لنا السلطات، سار بنا السائق من طرق وعرة وبسرعة جنونية أصابتنا بالهلع، ونتيجة لذلك خرجت السيارة عن المسار في أحد المنعطفات وجدنا أنفسنا متناثرين على جوانب الطريق.. صاح بنا السائق كي نهرب قبل أن تصل أيدي السلطات إلينا.. وفعلا بدأنا بالركض تجاه غابة من الغابات من غير دليل وبعد أكثر من عشر ساعات من السير في البرد القارس أحاطتنا دورية جوازات وقادتنا إلى السجن.. وبعد أيام كنا أمام قاض في محكمة الهجرة، وبعد أن اطلع على حالاتنا أصدر حكماً يقضي بأن نعاد إلى اسطنبول لنتدبر أمرنا من هناك للخروج من البلد". وأي بلد يمكن أن يتجه إليه أبو أحمد، لذلك حاول الكرة مرة أخرى ونجح في دخول اليونان، ومن هناك كان عليه أن يبحث عمن يزور له جوازاً يعبر به البحر، وبعد شهرين أو تزيد وجد نفسه على ظهر باخرة ألقت به قرب شاطئ من شواطئ إيطاليا في جنح الليل، وبعدما اتصل بصديق له أخبره أن إيطاليا ليست مكاناً آمنا وعليه أن يخرج منها بأسرع وقت، فهرب إلى ألمانيا، ثم بلجيكا. كان ينام في الطرقات وفي محطات القطار وفي الحدائق، محاولاً أن يوفر كل ما لديه للحصول على جواز مزور أو تذكرة قطار. في بلجيكا كانت الظروف قاسية جداً، والثلوج تزيد غربته مرارة .. فلاحت له بريطانيا خياراً يمكن أن يلجأ إليه، لكن أمامه عقبة الوصول إليها، ولا شيء يمكن أن يساعده. وبعد عدة أسابيع من المحاولة استطاع الحصول على جواز بلغاري قيل له إن صاحبه يشبهه.. وابتاع تذكرة طيران إلى لندن، وفي المطار قبل أن يصعد إلى الطائرة اكتشف أحد الموظفين ألا صلة تربطه بتلك الصورة البلغارية، فتحفظوا عليه بضعة أيام ثم أطلقوه بعد أن أخذوا بصماته وما استطاعوا الحصول عليه من معلومات. "خرجتُ فإذا كل شيء أسود، رغم كل البياض الذي غطى بروكسل حينها، ولم أدر ما العمل.. مكثت عدة أيام أجوب المقاهي والأسواق هائماً لا أدري ما العمل، حتى صادفت شخصاً عرض علي المساعدة، فهو يعرف عصابة تستطيع تهريبه إلى المملكة المتحدة عبر البحر، وبعد عدة أيام وجدتني تحت جنح الظلام أدلف إلى حاوية بضائع حديدية مع عدد من الأسر الآسيوية والإفريقية، وأغلق علينا داخلها، وبعد قرابة سبع ساعات، تم تهريبنا عبر ميناء نوريتش إلى داخل بريطانيا.. ومن هناك اتصلت بأحد معارفي الذي تدبر لي مكاناً أبيت فيه، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة، كنت واقفاً أمام محكمة الهجرة في لندن.. باختياري هذه المرة، كنت أحمل في يدي بضعة أوراق لطلب اللجوء، وفي قلبي سنيناً من التعب".
هذا ليس فيلماً سينمائياً .. وليس رواية من روايات حليم بركات .. انتظروا نهاية القصة .. فبعد خمسة أيام من وقوفه أمام باب المحكمة في لندن، كان أبو أحمد في حديقة الهايد بارك ينظر إلى أول جواز سفر غير مزيف في حياته، يحمل صورة وجهه الأسمر واسمه الحقيقي، بالإضافة إلى شيك بمبلغ من المال، وورقة صغيرة كتب عليها عنوان البيت الذي وفرته له الحكومة البريطانية. قضى أبو أحمد عمره كله مجهول الهوية في وطن رفض الاعتراف به، وحين اكتفى بؤساً خرج في رحلة استمرت لأكثر من عام حتى وصل إلى بريطانيا التي اعترفت به في خمسة أيام.. اليوم وبعد قرابة عام، يفكر أبو أحمد في زوجته وأبنائه الثلاثة، أؤلئك الذين قذفت بهم أقدارهم إلى سوريا في اليوم ذاته الذي تحركت فيه جنازير الدبابات