صناعة النموذج الرفيع

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في رأي . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 2474

  صناعة  النموذج الرفيع

نسخة للطباعة
حين تشرع عقولنا في التفكير في الطموحات والمشروعات ....فإنها تلمح الصعوبات والعقبات وما هو من قبيل المستحيل قبل أن تبصر ما هو محفز وميسَّر، وما هو من قبيل السهل والممكن، ولست أدري هل هذا جزء من التراث الجيني للبشرية أو هو بسبب انحراف في المركَّب الثقافي العالمي أو المحلي، ومهما يكن الشأن فإن الذي يصرف العقول عن هذا المنحى هو ما تراه العيون من نماذج رفيعة في كل جوانب الحياة .حين تقول لشخصٍ ما : إن في إمكان المرء أن يمشي ثلاثين ساعة على نحو متصل، فإنه سيقول لك : هذا مستحيل، فإذا قلت له : فلان فعل ذلك، وهناك من أثبت ذلك، قال : هذا خارق أو شاذ، أو يقول : هذا دعاية ... فإذا قلت له إن جهات رياضية ذكرت أن عشرين ألف شخص فعلوا ذلك في عدد من الدول، فإن صاحبنا سيتراجع عن مقولته، ويقول: ربما...  التخلف الحضاري يرسخ ذهنية الاستحالة من خلال ما يراه الناس من الفشل والبؤس والإحباط الذي يحيط بالحياة العامة، ومن هنا فإن المطلوب من كل المتحمسين للنهضة والتقدم الحضاري أن ينشروا ثقافة النماذج الرفيعة والجودة الشاملة في أرجاء المجتمع .إنني أقول: إن كل واحد منا يستطيع  ـ لو أراد ـ  أن يقدم نموذجاً رفيعاً على مستوى حياته الخاصة أو على مستوى عمله ومهنته، وذلك من خلال التركيز على فضيلة من الفضائل أو مهارة من المهارات.. لا شك أن من الصعب جداً أن يكون المرء قدوة في كل شيء أو في عدد كبير من السمات، لكن من الميسور أن يكون أسوة، وأن يقدم مهارة في شيء واحد : هذا قدوة في الحفاظ على الوقت، وهذا في إتقان عمله، وثالث في سرعة الإنجاز، ورابع في برِّ والديه وخامس في التبكير إلى المسجد، وسادس في الحلم وسعة الصدر وهكذا...
كلما كثرت القدوات في مجتمع صارت عملية النهوض والتحول الحضاري أسهل والعكس صحيح. ما ذكرناه يتم على الصعيد الفردي والخاص، أما على الصعيد العام والجماعي فإن الرهان في نظري ينبغي أن ينعقد على "التعليم" في جميع مراحله، ولا سيما المرحلة الأولى حيث يتم تشكل الملامح الأولية للعقل والروح والسلوك. إن كل الأمم الناهضة اليوم اتخذت من التعليم الممتاز مدخلاً للتقدم والارتقاء، وفي اعتقادي أن التعليم لا يكون جيداً إذا لم يكن جاداً، حيث إن المدرسة هي الأفضل تنظيماً والأفضل وعياً والأقدر على صناعة النماذج الرفيعة، لكن الموضوع ليس بالسهولة التي تتخيلها حيث إن المدرسة حتى تتمكن من ذلك يجب أن تجعل من نفسها نموذجاً رفيعاً من خلال توفير بيئة قادرة على توليد الرغبة القوية في طلب العلم وقادرة على جعل الطلاب يثقون بأنفسهم وبالمستقبل، وأتمنى أن تتكاتف المدارس الأهلية والحكومية على توفير عدد من المدارس النموذجية في كل مدينة من المدن حتى تكون منارة ونبراساً للباحثين عن نهضة التعليم ونهضة الأمة