وأذّن في الناس

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :97 | عدد المشاهدات : 2327

وأذّن في الناس

نسخة للطباعة
-1-
في الحديث: "وأمّا وقوفك بعرفة فلو أن عليك مثل رمل عالِج.."، وفي رواية: "وأمّا رميُكَ للجِمار فيغفر الله لك بكل جمرة كبيرة..". بهاتين تكون كفاية الكلام، التحفيز، والأماني، فمن يريد أكثر وأسمى وأعظم من كرم الكريم –تعالى-؟!

-2-
في أيام الحج لا ينبغي إلا التواكل على رحمة الله سبحانه، ينزّلها على من شاء من المجتمعين، بغضّ النظر عن تفاصيل نواياهم، "هم القوم لا يشقى فيهم جليسهم". لا يعلم أحدٌ ما يحكم به الله ويريده: "من ذا الذي يتألّه عليّ"؟!

-3-
في أيام الحج ينبغي الالتفات، فقط، إلى أنّ التوحيد الذي حمل الناس على تلبية النّداء، هو السبب الأظهر والأدعى لتكفير ذنوبهم، واستحقاقهم للرحمات. التوحيد الخالص المُحفّز على العمل الشّاق أدعى أن يُجازيه الكريم بالمغفرة والرحمة!
-4-
أيام الحج ليست من أيام الذكريات والعادات، أيامه أيام جديدة، تعبّد جديد، حسنات جديدة، مغفرة ورحمات جديدة .. لا يمكن تحويل الحج إلى عادة سنوية يتناقلها الأبناء عن آبائهم، ليس لأن ذلك يقدح في اكتساب الحسنات، ولكنّه يقدح في لذّة الشعور باللحظات المتجدّدة. التعوّد يُخرج الحج من مقاصده، ومن أهمّها الإحساس بالاحتياج إلى الرحمة والمغفرة من الذنوب المًستحدّثة.

-5-
"يوم عرفة": يوم الرحمة. كغيمةٍ تفيض منها الرحمات. لا ينبغي لأحد الاستظلال من رحمة الله. يوم التّباهي، يُباهي الله في الجُموع الملأ الأعلى، الزهو بالعبيد علامة اليوم.

-6-
"يوم العاشر": يوم حُسنِ العِشرة. فرحةٌ وتجمّع. تآخٍ وتآلف. يُعاد فيه التقرّب، التآلف، وتّعظيم الشعائر. اليوم يتساوى فيه تعظيم الشعائر مع تعظيم الإنسانية.

-7-
"أيام التشريق": تُشرق الأرواح بنور التكبير والتلبية. الشيطان يُرمى كثيراً، والأُلفة البسيطة تملؤ المكان. تُرتّب الأولويات، ويظهر أهمّ ما في الدنيا: الإنسانية أولاً، المساواة أولاً، كل شيء سوى "الله"، حقير: الله أولاً.

-8-
أيام الحج ما بدأت إلا بأذانٍ واحد، والصلوات والابتهالات تُجمّع الناس. الرمزية هنا عن الوحدة في الإطار، والاختلاف في تفاصيل الصورة: كل الناس اجتمع على الصلاة، والفقه يُفرّق في التفصيلات!

-9-
الحج تطبيق عملي على الترابط الاجتماعي، فبغضّ النظر عن الاختلافات، على كافة النّطاقات، إلاّ أنّ الإطار واحد. الجميع ينساب في السياق الأكبر: الوِحدة. وإسقاطاً على ثورات "الربيع"، يعيش الحُجّاج الواقع الاصطلاحي المُحتاج إلى تغييره: استبدال مصطلح "السّلطة"، بمفهوم "الخدمة"، الذي يقوم على معرفة الاحتياجات، وتقديمها، وتطوير الموجود، ولو لم تُطلَب، ومحاسبة المُقصّر فوراً وعلناً.
أليس الدافع من الثورة الشبابية اليوم: إعادة تحديد معالم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على المفاهيم الجديدة؟!. أيام الحج ترينا هذا واقعا، وتعلّمنا ـ تطبيقيا- أنّه ممكن الحصول بطبيعة الأشياء. إنّها تُرينا أنّ هذا من مقاصد ومفاهيم الدين، وأنّه جامعٌ لهذه القيم، وأنّه مُخطئ من يُخرجه من روحه الواقعية.
-11-
الكثيرون مَرّوا على المناسك حجيجاً. متميّزون وقفوا على المعاني خلف الأعمال، وسجّلوا تجاربهم الرّوحانية في الحج. منهم: مصطفى محمود، مالك بن نبي، علي شريعتي، مالكوم إكس، محمد أسد، مراد هوفمان، ومحمد حسين هيكل.
اقتباس:
"الناس! .. يالها من كلمة جميلة تلك التي جاءت في القرآن، إنّها دائما بصيغة الجمع، إذ لا مفرد لها! .. إنّ كل ما يُصوّره الله سبحانه في هذا العالم من حركة وسكون وإحكام ونصر، كلها مكتوبة ومرتبطة بأقدار الناس.." – "شريعتي / الفريضة الخامسة".

-12-
انتهاء المناسك، بدايةُ التّعاليم. الحاجّ قبل الحج ليس كما هو بعده يقيناً. انتهى الحج، وبدأت الحياة بعده