ثلاثيّة التقدّم

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2096

ثلاثيّة التقدّم

نسخة للطباعة
تشكل بداية الانطلاق لمعالجة المشكلات مصدراً كبيراً للحيرة والاضطراب لدى الباحثين والقادة وكل المصلحين، وما يُقال في هذا الصدد كثير؛ لأن كل واحد من هؤلاء ينظر من زاوية قد تختلف عن الزوايا التي ينظر منها غيره، كما أن رؤيتهم لإمكانات الإصلاح وأولوياته أيضاً متباينة، وإن للاختلاف في كل ما ذكرناه سلبياته الواضحة، لكنه من وجه آخر مفيد؛ إذ يتيح لكل شعب من الشعوب أن يختار ما يلائم أوضاعه وظروفه.
في اعتقادي أن حركة الإصلاح في العالم الإسلامي تحتاج إلى أن تستهدف على نحو مركَّز الحصولَ على اختراق كبير في ثلاثة أمور أساسية هي: 
1ـ الأسرة: 
من الواضح أن لدينا ملايين الأسر التي تعاني من ضعف التفاهم والانسجام  بين الأبوين؛ بسبب الدفق الثقافي الأجنبي الذي نتعرض له اليوم؛ فقد أخذت النظرة إلى الحياة الأسرية في التبدل، وحلَّت الأثرة في موضع الإيثار، وتراجعَ اهتمام الزوجات بالأزواج، وترتب على ذلك ارتفاع في نسب الطلاق وفي نسب الخيانات الزوجية.. كما أن هناك أعداداً هائلة من الأسر المرتبكة في تربية أبنائها، ولاسيما المراهقين منهم، مع أن الأسرة هي التي تصوغ شخصية الطفل، وهي التي تؤسس لعقليّته وعواطفه و اتجاهاته، ولهذا فإننا في حاجة إلى أعداد كبيرة من المؤسسات والبرامج التي تساعد الأسرة على القيام بمهامها الجليلة، ولن يحدث ذلك ما لم ننظر إلى التقدم بأوضاع الأسرة المسلمة على أنه أولوية ملحَّة.
2 ـ التعليم 
     لا تستطيع أمة أن تحرز اليوم تقدّماً حضارياً لافتاً ما لم تحرز تقدّماً ظاهراً على صعيد التعليم في كل مراحله، وقد بات من الواضح أن التعليم الجيد هو التعليم الذي يتسم بالجدية والعملية، وهو مكلف جداً من الناحية المادية، لكن التعليم الرديء أعظم كلفة منه،  و إنما على المدى البعيد. إصلاح التعليم لا يحتاج إلى ضخّ المزيد من المال فقط، ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى الرؤية النافذة و إلى التحرّر من المركزية و(البيروقراطية)، كما يحتاج إلى مساهمة الأهالي على نحو فعّال. التعليم السيِّئ  يُفسد الخلق، ويمدّ شريحة الباطلين عن العمل بالمزيد المزيد من الشباب اليائس والمحبط وغير المؤهّل.
3 ـ مكافحة الفساد: هناك إجماع عالمي من لدن الجميع على أهمية مكافحة الفساد، و قد بذلت دول كثيرة جهوداً حثيثة في ذلك، لكن النجاحات محدودة، وفي اعتقادي أن المطلوب الأساسي ليس إنشاء المزيد من الأجهزة لمطاردة الفاسدين وإنما العمل على توفير وضعية قانونية وحقوقية وإعلامية يكون الفساد المالي والإداري معها صعباً، وهذا يتطلب درجة أعلى من الشفافية، كما يتطلب قضاء أكثر حسماً واستقلالاً ونزاهة، ويتطلب أن يُتاح للكل مراقبة الجميع، وهذه الأمور بالضبط هي التي جعلت الفساد المالي في صدر الإسلام محدوداً، وهي نفسها التي تجعل الدول الإسكندنافية اليوم، من أقل الدول في المعاناة من الفساد. انتشار الفساد يعني إهدار قيمة الكفاءة الشخصية، ويعني انقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة صغيرة يُفسدها الغنى وطبقة كبيرة يُفسدها الفقر، كما يعني ضعف الشعور بالانتماء الوطني، إلى جانب شعور عدد كبير من الناس بمرارة الظلم.