1433 هـ .. برزخ ما بين "ربيع الثورات" وخريفها

كتب بواسطة: مصطفى عياط | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :98 | عدد المشاهدات : 5673

1433 هـ .. برزخ ما بين  "ربيع الثورات" وخريفها

نسخة للطباعة

مع أنَّ عرب آسيا، باستثناء سوريا، كانت أوضاعها في 1433هـ أكثر هدوءًا من أوضاع أشقائهم "عرب إفريقيا"- إلَّا أنَّ الأمر لم يَخْلُ من تحديات صعبة.
فـ"البحرين"، ورغم تجاوزها موجة الاحتجاجات الضخمة، إلَّا أنَّها تواجه صدامات متكررة تهدد لحمتها الوطنية، كما أنَّ "الكويت" تعيش مخاضًا صعبًا، ويخشى من أنْ يكون سقف طموحات المعارضة قد جاوز الخط الأحمر لأهل الحكم، ما ينذر بصدام عنيف، أمَّا "اليمن" فمازال غارقًا في "وَحْل" مشكلاته، ما بين: جنوبٍ يريد أنْ ينفصل، وتمردٍ حوثي لا تخمد ناره، و"قاعدةٍ" تقتل بالجملة، ناهيك عن مشكلات الفقر والبطالة والفساد.
هذا، بينما عادت حمَّامات الدماء لتتفجر من جديد في "العراق"، فيما تستشرف "السعودية" و"سلطنة عمان" و"الإمارات" "نذر خطر" توقن أنَّه قادم لكنَّها تجهل كنهه وتوقيته، ووسط كل ذلك تأتي "سوريا"، التي لم يعد السؤال المطروح بشأنها: هل يسقط نظام الأسد أم لا؟ وإنَّما: هل ستبقى سوريا كدولة أم ستتحول إلى صومال جديد؟!.
ومن اللافت أنَّ مَنْ ينظرون للوضع في سوريا باعتباره "ثورة شعبية" ضد "نظام قمعي مستبد" قد بدأت أعدادهم في التناقص؛ فالوضع أصبح بالغ التعقيد، فبالاضافة للعنصر السياسي، هناك أيضًا عنصر طائفي لا يمكن إنكاره، وهو لا يقتصر على السُّنَّة والعلويين، بل يمتد ليشمل باقي الطوائف السورية من شيعة ومسيحيين ودروز، يضاف لذلك عنصر عرقي، حيث ينأى الأكراد بمعظمهم- حتى الآن- عن الصراع الدائر، خاصة بعدما منحهم النظام ما يشبه الحكم الذاتي في مناطقهم، كذلك هناك البعد الإقليمي والدولي، فمن يدعمون المعارضة يقفون في معسكر مناوئ لمن يدعمون النظام، وكل طرف يدير حربًا بالوكالة، وقودها دماء السوريين!.
حروب بالوكالة
وقد شهد عام 1433هـ تحول الاحتجاجات في سوريا من الطابع الشعبي السلمي إلى المواجهة المسلحة الصريحة، ومع الأيام الأخيرة بات واضحًا أنَّ المعارضة عزَّزت من قدراتها العسكرية بشكل نوعي، بعدما امتلكت صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف، لكنْ في المقابل أصبحت دول الجوار أكثر حذرًا في دعمها للمسلحين؛ خشية من امتداد الحريق السوري لأراضيها، كما تراجعت وتيرة الانشقاقات في الجيش السوري الحكومي.
ويعتقد البعض أنَّه عندما تصل الكِفَّة ما بين الطرفين لمرحلة التوازن، ويدرك كل طرف أنَّه بات عاجزًا عن الحسم العسكري- فإنَّ نوافذ الحل سوف تفتح، لكنْ في المقابل هناك من يرى أنَّ النزاع تجاوز نقطة الحل، وأنَّه بات "معركة صفرية"؛ حيث لا نهاية لها إلَّا بخروج أحد الطرفين من المعادلة نهائيًّا.
وفي الجوار السوري، حيث العراق، فإنَّ وتيرة التفجيرات وأعمال العنف عادت لتتصاعد من جديد في مؤشر على استعادة تنظيم القاعدة لبعض عافيته، لكنَّ التهديد الأخطر يتمثل في حالة الانسداد السياسي، لدرجة أنَّ الوزارات الأمنية مازالت شاغرة منذ تشكيل الحكومة في سبتمبر 2010م لعدم اتفاق الكتل السياسية على مرشحيها، ثم جاءت محاكمة طارق الهاشمي- النائب السُّنِّي للرئيس العراقي، وصدور حكم بإعدامه بتهمة دعم المسلحين- لتؤكِّد أنَّ الإقصاء الطائفي مازال خطرًا يهدد استقرار البلاد.
هذا، فضلًا عن مشكلات أخرى لا تقل فداحة مثل: الخلافات المتفاقمة مع إقليم كردستان، وتفشي الفساد، وضعف الأجهزة الأمنية، والاختراق الحزبي والطائفي لمؤسسات الدولة، فيما يواجه نوري المالكي اتهامات معارضيه بأنَّه يسعى لإعادة إنتاج "التجربة الصدامية" من جديد.
أمَّا "الأردن" فإنَّه مازال يترنَّح تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، ويبدو أنَّ المعارضة عازمة على الوصول بمطالبها لسقف التحول إلى "الملكية الدستورية"؛ حيث الملك يملك ولا يحكم، ورغم أنَّ العرش الهاشمي يحاول الإيحاء بأنَّه ممسك بخيوط اللعبة إلَّا أنَّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد تقلل من قدرته على المناورة، رغم تلقيه لمساعدات سخية من الخارج.
ثم جاءت الأزمة السورية لتفاقم من المأزق الأردني؛ فمعظم داعمي عمان يقفون في المعسكر المناوئ للأسد، وهو ما اضطره لفعل نفس الشيء، لكنه في المقابل لا يريد الزج ببلاده في أتون تلك الحرب متعددة الأبعاد، خاصة أنَّ بعض الجهاديين الأردنيين- الذين تسللوا للقتال بجانب المعارضة السورية- عاد بعضهم ليحاول تنفيذ تفجيرات داخل الأردن، بحسب الرواية الرسمية، هذا فضلًا عن الأعباء المالية المترتبة على فرار أكثر من 120 ألف لاجئ سوري إلى الأراضي الأردنية.
توتر بحريني
وبالنسبة للبحرين فقد شهد العام الماضي تراجعًا في وتيرة الاحتجاجات، وبات واضحًا أنَّ الحكومة أحكمت قبضتها على الأوضاع في البلاد، وهو ما أجبر المعارضة على خفض سقف مطالبها، وجرت محاولات لإجراء حوار وطني، لكنها لم تكلل بالنجاح بعدما أمسك المتطرفون في كلا الجانبين بزمام الأمر، ثم عادت وتيرة الاحتجاجات لتتصاعد بشكل تدريجي حتى باتت حدثًا شبه أسبوعي، كما بدأت تأخذ منحنًى أكثر عنفًا، وهو ما جاء متزامنًا مع التصعيد الحادث في سوريا؛ حيث لا يمكن أنْ ينفي التأثير الخارجي على مجريات الأوضاع في البحرين.
لكنْ وفي كل الأحوال فإنَّ البلاد تحتاج إلى مبادرة شجاعة للحوار والمصالحة الوطنية، بحيث تلتقي المعارضة والنظام في منتصف الطريق، خصوصًا وأنَّ البحرين في حاجة ماسَّة لتمتين جبهتها الداخلية حتى تستطيع الصمود في وجه "انفجار طائفي" لا يستبعد الكثيرون اندلاعه في المنطقة.
ورغم أنَّ الصراع السياسي في الكويت مايزال يدور داخل الإطار الدستوري، حيث يدير كل طرف أوراقه ومطالبه بما لا يتجاوز القواعد التي يحددها دستور البلاد، كما أنَّ الأحكام الأخيرة للمحكمة الدستورية برهنت على قدرتها على إصدار أحكام تحظى باحترام كافة الأطراف- إلَّا أنَّ تكرار النزول إلى الشارع ينذر بأنَّ "قواعد اللعب" لم تعد تتسع لطموحات بعض أطرافها؛ فالمعارضة تعتقد أنَّ السلطات الحالية للأسرة الحاكمة يجب أنْ تتقلص، وتريد بشكل أساسي انتزاع رئاسة الحكومة والوزارات السيادية من قبضة آل الصباح.
ومن المفارقة أنَّ القوة الدافعة لتلك المطالب تأتي من بعض الأطراف داخل الأسرة الحاكمة نفسها، والتي تعتقد أنَّها تعرضت للتهميش، وقد تسببت تلك المناكفات في استهلاك 4 برلمانات و7 حكومات خلال أقل من 6 سنوات، وقد وصل الصراع إلى نقطة فارقة مع المرسوم الأميري بتعديل قانون الانتخابات، الأمر الذي دفع المعارضة لإعلان مقاطعتها للانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل، وسط مخاوف من وصول الأمر لحد "إعلان الأحكام العرفية" وتجميد الحياة السياسية إذا ما فشلت كافة الأطراف في تسوية خلافاتها بعيدًا عن اللجوء إلى الشارع؛ حيث لا تتحمل التركيبة القبلية والطائفية للبلاد مزيدًا من المصادمات بين الأمن والمتظاهرين.

هدوء حذر
ومع أنَّ سلطنة عمان لم تشهد في عام 1433هـ أي احتجاجات كتلك التي حدثت في العام الذي سبقه- إلاّ أنَّ سقف المطالب الشعبية مازال مرتفعًا، لكنَّ معظمه يرتبط بمطالب اجتماعية واقتصادية، وقد تمكَّنت السَّلْطنة من تلبية معظم تلك المطالب مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، لكنَّ السؤال يبقى: إلى متى ستتمكن السلطات من تحقيق تلك المعادلة؟.
أمَّا دولة الإمارات فرغم أنَّها تجنبت، حتى الآن، أي احتجاجات شعبية، كما أنَّها بمنأى عن التعقيدات العرقية والطائفية في دول الجوار- إلا أنَّ السلطات تتحرك على ما يبدو بشكل استباقي؛ حيث أعلنت عن اعتقال خلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين بدعوى التآمر لقلب نظام الحكم، ويبدو أنَّ تلك الخطوة استهدفت بعث رسالة لمن يهمه الأمر داخل وخارج الإمارات مفادها: إنَّه لا مجال للتحرك خارج الإطار الحالي للعبة السياسية للبلاد.
أمَّا السعودية فلم تشهد خلال العام الماضي أي أحداث جوهرية سوى تعيين ولي عهد جديد للمملكة هو الأمير "سلمان بن عبد العزيز" خلفًا لولي العهد الراحل الأمير "نايف بن عبد العزيز"، كذلك فقد استمرت الاحتجاجات التي تشهدها منطقة القطيف في إطارها الضيق، مع أنَّها شهدت أحيانًا بعض التصعيد أدَّى لسقوط قتلى في صفوف الشرطة والمتظاهرين، إلَّا أنَّ الأمر- في الإجمال- لم يخرج عن المألوف.
ويبدو أنَّ هذا سيكون هو الحال في دول الخليج، ربَّما باستثناء البحرين إذا ما استمرت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية؛ حيث إنَّ ذلك يمكِّن الحكومات من تلبية متطلبات شعوبها الاقتصادية والاجتماعية بشكل جيد بما يؤدي لتراجع المطالب السياسية لأولوية أدنى