ديمقراطيَّة بورما.. الجرح مازال ينزف!

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :98 | عدد المشاهدات : 6243

ديمقراطيَّة بورما..  الجرح مازال ينزف!

نسخة للطباعة
ويتني اليوتش
ترجمة/ الإسلام اليوم

في الآونة الأخيرة تجدّدت الاشتباكات بين المسلمين والبوذيين في بورما والتي استمرَّت ما يقرب من أسبوع وخلفت أكثر من 80 قتيلا وإجبار عشرات الآلاف إلى الفرار واللجوء إلى المخيمات المكتظة بالمشردين, وهذا ما يعرض
ـ وفقا لقول المراقبين ـ عملية الديمقراطيّة الوليدة في البلاد للإجهاض.
صحيحٌ أن العراك بين راخين البوذيين والمسلمين الروهينجيا بدأ في يونيو الماضي، لكن عاد إلى تصدر المشهد وتجددت أعمال العنف في 21 أكتوبر، ولا سيما عقب إعادة انتخاب  الرئيس البورمي ثين سين رئيسًا لحزب الاتحاد الحاكم للتضامن والتنمية.
من جانبها، ذكرت الحكومة أن أحداث العنف الأخيرة تركت وراءها 84 قتيلا بالرصاص وإصابة نحو  29 آخرين، في حين أن جماعات حقوق الإنسان تقدر أن عدد القتلى قد يكون أعلى من ذلك بكثير، فضلا عن تشريد أكثر من 32 ألف شخص من مسلمي الروهينجا بسبب النزاع خلال الأسبوع الماضي.
أما سورين بيتسوان، رئيس رابطة أمم جنوب شرق آسيا، فقد مارس ضغوطًا قوية على حكومة بورما لتسوية الوضع بسرعة، محذرًا من أنه إذا لم يتم احتواء العنف وتهدئته، فإنه قد يدفع الروهينجيا إلى اللجوء إلى التطرف، وهذا لن يؤكد هشاشة الديمقراطيَّة في بورما فحسب، ولكنه كذلك قد يهدد الأمن الإقليمي ككل.
يقول بيتسوان "إذا لم يكن المجتمع الدولي، بما في ذلك (رابطة أمم جنوب شرق آسيا) قادرا على تخفيف هذا القتل والألم الذي يحدث في صفوف الروهينجيا، فإنهم بذلك يدفعون إلى التطرف دفعا، مما يهدد بانتشار عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها".
بالرغم أن مسلمي الروهينجيا يعيشون منذ عقود طويلة في بورما، فإنهم ما زال يُنظر إليهم  محليا إلى حد كبير على أنهم دخلاء على البلاد جاءوا بطريقة غير مشروعة من بنجلاديش المجاورة، لذلك فإن التمييز ضد الروهينجيا ليس متأصلا ثقافيا في البلاد فحسب، ولكنه يتخذ الطابع المؤسَّسي كذلك، وذلك وفقا للتقرير الصادر عن وكالة الأسوشيتد برس:
في الوقت الراهن, يواجه مسلمو الروهينجيا أيضا التمييز الرسمي، وهي سياسة شجعتها  الأنظمة العسكرية السابقة في بورما لكسب التأييد الشعبي بين المجموعات الأخرى, حيث استبعدهم قانون 1984 رسميًا على اعتبار أنهم واحدة من القوميَّات الـ135 في البلاد، وهذا يعني حرمان أكثرهم من الحقوق المدنية الأساسية وحرمانهم من المواطنة.
من جهة أخرى، تمارس بنجلاديش المجاورة، والتي لا تعترف بالروهينجيا كمواطنين أيضًا، سياسة رفض دخول المسلمين إلى بلادها، حيث يفرون بالآلاف إلى هناك بواسطة القوارب، حيث قالت زينبي، لاجئة مسلمة وهي بائعة أسماك فرت من قريتها مع طفليها بعد إشعال البوذيين النار في منزلها "نحن لا نشعر بالأمان"، مضيفة "أتمنى أن يتوقف العنف، حتى نتمكن من العيش بسلام".
كما يقول لاجئ آخر، مسلم من الروهينجيا، "هربت من  مسقط رأسي، باوكتاو، الأسبوع الماضي بسبب انعدام الأمن في كل مكان، وبعد أن تحوَّل منزلي إلى رماد ولم يتبقَ لدي أي مال".
من جانبها أصدرت منظمة حقوق الإنسان "هيومان رايتس ووتش" صورًا التقطتها الأقمار الاصطناعيّة تظهر مدى الفوضى والعشوائيّة التي يعيش فيها اللاجئون، حيث التقطت صورة تظهر مئات المنازل المتقاربة مع بعضها وعشرات من المراكب على طول الخط الساحلي الشمالي وذلك في بداية الشهر المنصرم، بينما كانت الصورة الثانية، التي التقطت يوم 25 أكتوبر، تظهر نفس قطعة الأرض خالية  تمامًا من المنازل, حيث لا يوجد سوى أعمدة المنازل المحترقة والأشجار المتفحّمة.
من جانبها قالت إيزابيل آرادون، نائبة مدير منظمة العفو الدوليَّة في آسيا والمحيط الهادئ، في بيان لها "هذه الأحداث الأخيرة بين الروهينجيا  المسلمين والبوذيين تظهر مدى الحاجة الملحة لتدخل السلطات لحماية الجميع، ووضع حدّ لمسلسل العنف والتمييز ضد الروهينجيا".
كما أكد سالاي الياسا  فاهين، المدير التنفيذي لمعهد المجتمع البورمي الأمريكي، ومقره  في الولايات المتحدة، لصحيفة "إيراوادي" البورميَّة أن الصراع العرقي بين الروهينجيا والراخين في بورما يمثل عائقًا هائلا أما الديمقراطيّة الوليدة في البلاد.
إن استمرار الصراع العرقي في بورما يعكس طبيعة الأزمة السياسيَّة هناك، المتجذرة بعمق وطال أمدها بسبب زعم البورميين القوميين أن امتلاكهم النظام العسكري الأكثر فعالية  في العالم هو أداة لتحقيق أهدافهم المتمثلة في التطهير العرقي، وهي سياسة عصفت بحياة  60 مليون شخص مع الخوف والفقر، وقتل الآلاف، وتشريد ملايين اللاجئين.
صحيحٌ أن بورما ربما شهدت مؤخرًا تطورات إيجابيّة تحت قيادة الرئيس ثين سين في مضمار الديمقراطية, ولكن كيف يكتمل هذا دون وضع حد ونهاية للقضية العرقيَّة والتي تعتبر صميم المشكلة في البلاد.
لا يمكن تحقيق دولة ديمقراطيّة في بورما تحترم حقوق الإنسان وتحتضن التعايش السلمي في إطار التنوع، دون تناول مشاكل مسلمي الروهينجيا بشكلٍ أساسي، مع ترتيب دستوري  ومؤسسي، ووقتئذ يمكننا اعتبار بورما، بالمعنى الحقيقي والمضمون دولة ديمقراطيَّة قادرة على المساهمة بشكل إيجابي في السلام الإقليمي والعالمي والاستقرار