شيخ الواعظين (3/3)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Nov 27 2012 | العدد :98 | عدد المشاهدات : 15204

 شيخ الواعظين (3/3)

نسخة للطباعة
حركة الفكر والسلوك تتعرض لمدٍّ وجزر وصعود وهبوط، يدركها مَنْ يرصدون التحولات الاجتماعية والعلمية  والسياسية بيقظة!
التَّصعيد والحماس يشتد ويمتد ويتصل بموروث القبيلة ليفرز حركة (الإخوان السلفيين أهل الحديث أهل المدينة).
مرحلة صعبة قضينا فيها سنوات في البحث والجدل والتحقيق والتدقيق حول مسألة إلصاق الكعب بالكعب في الصلاة!
يبدو لدى شاب حديث السن والمعرفة والخبرة أن موقف الأخذ بظاهر النَّص أتقى لله وألزم للسُّنة وأحقُ بالاتباع!
ويعتبر تذمر النَّاس من ملاحقة أرجلهم بأرجل مجاوريهم في الصَّف خروجاً على السنة وجهلاً يجب مراغمتهم عليه وإن كرهوا، فالسُّنة أحق بالرعاية والاتباع، شاء من شاء وأبى من أبى!
وتبدو إجابات الآخرين على الحديث وحمله على حال معين ؛ كبداية الصلاة أو للمبالغة في ضبط الاستواء؛ تملصاً واتباعا لقول فلان وفلان، والعبرة بالنص!
ويشهر سلاح الأمر بالتقوى، والمطالبة بالتوبة،  والتخويف من العقاب والمساءلة الأخروية، وكأن الآخر بمنجاة ومعزل عن ذلك، وكأن قوله اليقين  الذي لا يخالطه شك!
الصوت الهادئ الساعي إلى تجاوز الأزمة  ووقف التصعيد؛ هو صوت الشيخ (عبد العزيز العقل).
طريف أن رحلته إلى (النْخيل) كانت عام ١٣٨٤هجرية، في ذروة الحراك واشتداده، وفي محيط المنطقة ذاتها؛ التي تدور فيها تلك الحوارات، وهو يلتقي الشباب في المدينة، والرَّس، وبريدة.. ويسمع الأسئلة، والسكينة لا تفارق محياه، والكلمة الطيبة هي سلاحه في مواجهة حجج مرتبة وأفكار مقننة وأطروحات جاهزة قد ملأت قلوب أصحابها، وصارت فيصلاً عندهم بين الحق والباطل.
الشاب ذو الثالثة والعشرين يقصد المدينة يلتمس بغية قلبه فيخبره الشيخ عبد الله الشدي أن مراده عند شيخ عوف الأمير المعمر!
عشرون عاماً قضاها هناك في واحة زراعية جلّ سكانها من (حرب)، وأميرها الشيخ الزاهد مشعان ؛ الرجل المكين لدى الساسة ولدى العلماء، (حيث التقى الشيخ تقي الدين الهلالي والشيخ ابن عقيل) وكان يُجلّه والشيخ ابن صالح و الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وكانوا يقصدونه في منزله.
كان مشعان زاهداً لا يتلقى مالاً على منصبه ! يقوم نصف الليل ويصوم يوماً ويفطر يوماً حتى لقي ربه مع طول باعه في الإصلاح بين الناس وفك الرقاب
استقبله مشعان ومنحه -كسائر الدعاة- أرضاً زراعية، ثم زاده أخرى بعد قصة مصاهرة طريفة من أجل أن يستبقيه في البلد طويلاً، وليوفر له الأمن النفسي والمعيشي، وهي خطة ذكية آتت أكلها بإذن ربها!
كان  الداعية الشاب يجلس للتدريس من الفجر إلى الظهر بلا ملل؛ القرآن، والتفسير، والعقيدة، والفرائض، والحساب.. والطلاب شيوخ طاعنون رضوا -على مضض- أن يجلسوا جنباً إلى جنب مع شباب مراهقين وصبيان يافعين.
أما ما بين العصر والعشاء فجولات وصولات في الدعوة والوعظ.
يضاف إليها إمامة المسجد، والخطابة، وصلوات التراويح في رمضان، ورحلة الحج السنوية بصحبة الشيخ مشعان.
الداعية الشاب يصطحب والديه وأهله في صورة دعوية وأبوية نادرة في بيئته!
أثر كبير في بعث روح التدين الفطري السمح في نفوس الناس؛ مما جعل النخيل مركزاً علمياً ودعويَّاً يرتاده الناس من مناطق شتى.
النساء تأتي بالسرج ليلاً لحضور مجلس الوعظ، تأتي امرأة متأخرة وقد فاتها المجلس، فلا تتردد أن تطلب من الشيخ أن يعيد عليها ما قال!
ولا يتردد الشيخ أن يوجز لها الحديث؛ جرياً على طبعه السهل الميسَّر!
سمعة الشيخ تجلب عوائل كثيرة من القصيم صوب تلك الواحة؛ التي نمت علمياً وتجارياً وزراعياً، وحفلت بالعديد من المشاريع التنموية، فيصحبه والده العابد صالح العقل وأسرٌ مباركة؛ كأسرة محمد الفوزان، وعبد الله الوليعي، وصالح التويجري، وعبد الكريم التويجري، وغيرهم.
توثَّقت الأواصر بين الشيخ ومشعان، وانطبعت شخصية الأخير بالرفق، وتخلَّى عن حِدَّته، كان معروفاً بالغيرة، وربما جلد المتخلفين عن الصلاة غير مرة، ولكن ابتسامة الشيخ وكلمته الرحيمة غلبت، وتحولت شدة مشعان إلى محاكمة لنفسه على ما فعل، فعدل عن أسلوبه الأول، وطلب إلى الجماعة أن يجلدوه ويقتصُّوا منه!
موقف غير معتاد في حياة الصحراء وكبريائها، ولكن الصدق والعفوية  تفعل فعلها!
تعريض متكرر من مشعان بطلب المصاهرة، والشيخ يقدِّم للأسرة شباباً يخطبون، فيأتي الجواب بعدم قبولهم.. لكن إن كان الشيخ يريد فمرحباً وقرة عين!
ويشاء الله أن يتزوج الشيخ (منيرة بنت مشعان)؛ وهي أم عبد الرحمن وإخوانه، وأن تتوثَّق الحبال، وتترسَّخ بروابط العائلة.
ويظل التواصل قائماً حتى بعد عودة الشيخ إلى مراتع صباه، فهو أكبر المؤثرين في البلد، وحين يصدر القول أو الفتوى منه فهو ذو وزن وقيمة خاصة؛ لأنه من المرجع الذي تعترف له المنطقة بالفضل والأيادي البيضاء، بعدما جربت وخبرت وسبرت فلم تر إلا النبل، والفضل، والعطاء، والصدق، وحسن النوايا.
مسافة خمسمائة كيلو بين النخيل والقصيم، يستغرق الشيخ في قطعها عدة أيام، يقف في كل قرية أو مسجد أو بيت أو خيمة فيُسلِّم، ويدعو، ويتسلل بالحديث المبارك والتذكير والثناء.. وحين يركب سيارته يستعجب ويتساءل عن أي تعب يتحدث الناس اليوم في أسفارهم!
لم تكن الأمور دائماً على ما يحب، فربما زجره شيخ قبيلة وأمره أن يأوي إلى ظل تلك الشجرة ومن أراده أتاه!
لم يكن الشيخ يستقوي بسلطة، ولا يهدد، ولا يتوعَّد.. كانت كلمته الطيبة تغلبه وتغلب الخصوم أيضاً }وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{ (35) سورة فصلت.
إذا لم يجد سيارة تُقلّه وقف في الطريق -ولم يكن مسفلتاً- في انتظار أي قادم؛ شأن المشغوف الذي لا يمنعه شيء عن همّه الكبير، وربما ركب مع أناس لا يعرفونه فوضعوه في (الصندوق) خلف السيارة، فيقبل بكل أريحية وبساطة، ويتحمَّل الهزَّات العنيفة؛ التي لا تهدأ طوال الطريق الطيني.
كان يدرك أن العطاء لا يجب أن يشغله عن التزود، ولذا أسَّس مكتبة حافلة بأمهات الكتب العلمية في سائر الفنون؛ لينتفع بها ويدرب أبناء البلد على المطالعة والبحث.
ولئن كانت النخيل مركز نشاطه فإنه لم يأل جهداً في مسح مناطق أخرى في زيارات متفرقة؛ نجران، وجيزان، والباحة، وبلجرشي، وبيشة، وأبو عريش -مع وعورة الطريق وكثرة عقباته-، وحائل بلد الأسرة ومضارب القبيلة، والمجمعة، والزلفي، وقرى القصيم.
وكان يقود به السيارة في بعض تلك الأسفار الشيخ فهد العشاب رحمه الله.
زيارة السودان؛ رحلة استثنائية خارج الحدود، بطلب من الشيخ ابن باز، ولا يزال أهل السودان يذكرونها ويشكرونها.
درس موسمي في الحرم المدني يقرر في مسائل العقيدة الميسَّرة، وتسجل له مئات الحلقات في مكتبة الحرم النبوي.
توعية الحجاج تأخذ ربع العام، ما بين شوال إلى المحرم، وهي عنده فرصة لا تعوّض للقاء وفود الحجيج.
جامعة الإمام تفتح فرعها في القصيم، فيلح طلبة الشريعة على ضرورة استضافة الشيخ عبد العزيز للتدريس في الجامعة؛ للانتفاع بخبرته وتاريخه، ولأداء بعض حقه، وحفظ مقامه العلمي والدعوي.
لكن الشيخ كان أميل إلى طلاب اللغة العربية والعلوم الاجتماعية؛ لأنهم -في نظره- أحوج وأسمح وأسلس!
الندوة الأسبوعية تقوم بمبادرة من الشيخ البليهي، والشيخ عبد الله الغضية (رحمه الله توفي في شهر ذي القعدة من عام ١٤٣٣هجرية)، ومحمد المرشد، والشيخ عبد العزيز كعادته على رأس المشاركين.
نشاط التوعية في مدارس البنين ومدارس البنات يشهد حراكاً غير مسبوق.. وصوت الداعية المتفاني في الطليعة.
برامج الدوائر الحكومية والسجون تستقطبه ضمن جداولها الدورية.
يخصص وقتاً كافياً للرد على الهاتف قبل صلاة الظهر.
وآخر لاستقبال الضيوف والتلاميذ والأصدقاء بعد العصر.
كلمات قصيرة في أدبار الصلوات المكتوبات في مسجد الحيّ ومساجد أخرى.
الدعوة تسري في عروقه، فهي عادة لا يملك التخلي عنها تحت وطأة أي ظرف.
بعد خروجه من عملية جراحية خطيرة بثلاثة أيام يجد نفسه مشاركاً في ندوة إعداد الدعاة (١٤٢٨ هجرية)، يقوم متحاملاً على أحد أبنائه حتى يعتلي المنصة، ويتحدث بصوت مكدود مجهد، ولكن بروح عالية وثّابة وقلب يقظ!
رحمك الله يا أبا عبد الله.. ماذا أبقيت لأهلك؟
البر الشديد بوالديه ورعاية خواطرهم حتى رحلوا، وهو إذ يتحدث عن البر يبكي ويبكي ولا يتحدث من فراغ.
هو الذي علَّم زوجاته القراءة والكتابة وأحكام الشريعة بروح إيجابية كريمة تحتفل بالمرأة أماً وزوجة وبنتاً، وتحفظ لها قدرها وسموها، وتعد تعليمها منقبة وفضيلة.
الثمار الطيبة من ذلك الغراس المبارك لرجل ربَّى أولاده على معاني الإيمان والعلم، وكأنه لا شغل له إلا هم: د.عبد الله، د. يوسف، د.عبد الرحمن، الشيخ عقل.. وبقية الثلة الطيبة.
هؤلاء أبناؤه (البيولوجيون)، أما أبناؤه بالتربية والتعليم فكثير، هو لا يعرف منهم إلا أقل القليل، وإن ذكرت السير بعض مشاهيرهم وفضلائهم المؤثرين؛ كعبد الكريم الخضير، وناصر العقل، وعبد الله الطيار، وعلي اليحيى، وصالح الونيان، وكاتب هذه الأحرف.
أشهر تلاميذه وأكثرهم تأثراً به كان يكبره بخمس وعشرين سنه؛ مشعان بن غانم العوفي (توفي في 17 محرم 1425 هجرية) رحمه الله !  

جدة
03/01/1434هـ