المفكر السعودي راشد المبارك.. الدعوة لحلف فضول جديد

كتب بواسطة: عبدالحي شاهين | في حوار . بتاريخ : Jan 1 2011 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 3924

المفكر السعودي راشد المبارك.. الدعوة لحلف فضول جديد

نسخة للطباعة
دعا المفكر السعودي الدكتور راشد المبارك لإعادة النظر في الصور الذهنية والمنظومات القيمية التي تشكلت في أذهان المسلمين والعرب عن الآخر (الغرب) باعتباره أساس لما لحق بهم من تخلف وضعف وأكد المبارك وهو أديب وأستاذ سابق للفيزياء في الجامعات السعودية في حوار معه أخيراً، أن الاشتغال بنقد الذات في هذه المرحلة مهم جدًا لكونه يفتح نافذة لدراسة العلل الداخلية لمجتمعاتنا الإسلامية والعربية كشرط للنهضة. مؤكدًا في ذات الوقت أن الغرب يتحمل جزءًا من المسؤولية فيما وصل إليه العرب اليوم في عدوانه المتصل ماضيًا وحاضرًا وماثلاً لكنه شدد على انه لا ينبغي أن نجعله (مشجبًا نعلق عليه إخفاقاتنا) وأوضح (صاحب أحدية المبارك الثقافية بالرياض) أن كراهية الآخر (الغرب) ليس الطريق الصحيح للنهوض. 
 شغلت في مؤلفاتك ومحاضراتك بمسألة قيام الحضارات وانحلالها فما أبرز العوامل التي ساعدت في إخفاق الحضارة العربي وازدهار الحضارة الغربيــة، والتي مرت في فتـرة من فتراتهــا بلحظات ضعـف وانهيار؟ وما دور ما تسميه ( التربة المستجيبة ) في هذا المنحى؟. 
لم يكن قيام الحضارات وانهيارها أو تضعضعها في تاريخ البشر الأمر الذي شغلني فيما كتبت فيه أو تحدثت عنه وإن كنت أشرت إليه أحياناً والإجابة الشاملة المفصلة لأسباب ضعف أو انهيار الحضارات لا يوفيها مجلد فضلاً عن صفحات أو سطور لذلك سأكتفي هنا بإشارة موجزة إلى عامل واحد من العوامل الكثيرة أجده من أقوى تلك العوامل إن لم يكن أقواها وهو عامل عرفته الأمة العربية أو عرفها منذ قرون لم تستطع الخروج عليه أو التخلص منه حتى وقتنا الحاضر ومع أن تقدم الأمم وتخلفها أحد الظواهر البارزة في التاريخ وهو شيء ليس سراً أزاح ابن خلدون الستار عنه عندما تحدث عن نشأة الأمم وقوتها ثم شيخوختها وهرمها، ولكنه سمة تكشف عنها حتى النظرة العجلى لتاريخ البشر المكتوب. ولتخلف المسلمين عوامل كثيرة: منها ما تشترك فيه مع الأمم الأخرى، ومنها عامل انفردت به وظهر جلياً في تاريخها أشرت إليه بوضوح في كتاب " قراءة في دفاتر مهجورة "، هذا العامل هو وقوعها في حقل مغناطيسي جاذب شدَّ إليه أكبر وأكثر اهتمامات الأمـــة وأشــواقها، وحبس أغلب مناحي تنافسها عليه ذلك المجال الجاذب هو صناعة الكلام تجويداً له في تخير أساليبه وانتقاء مفرداته لقد جعلوا من ذلك الجواز الذي يوصل به إلى صدور المجالس وبلاط السلاطين وأحياناً إلى كراسي الوزارات من هنا طال وقوف العقل العربي بـ قفا نبك وأخواتها اهتماماً وشرحاً وتوريثاً وتدجيناً لذوق الفرد وفهمه حتى يرى في هذه النصوص غاية الإشراق والإبراق. 
كتاب الله الذي نزل هداية للبشر وإيقاظاً لعقولهم جعل من لوازم المؤمنين به يقظة العقل وقرن ذكره وخشيته بالتفكير في كونه وسننه (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق الـسموات والأرض)، وقد ورد ما يشتق من المصدر فكر في ثمانية عشر موضعاً من القرآن، وجاء من مثل التعقل والتفقه والنظر والتوجه لذوي الألباب في أكثر من مئة موضع، فانصرفنا أو كدنا عن ذلك، واستعضنا عنه بالانشغال بصناعة الكلام ومع أن إجادة صناعة الكلام ليس أمراً معيباً في ذاته إذا لم يكن صارفاً عما هو أهم منه وأفعل في بقاء الأمم ونمائها، فإنه يكون عائقاً للتقدم إذا صرف عن سواه وذلك ما حدث في أغلب مراحل تاريخنا وعندما انبجست بعض الينابيع التي يمكن أن تكون رياً وإنباتاً لما يمدُّ بالقوة والمنعة لم تجد هذه الينابيع التربة الملائمة لاستقبال تدفقها ومن يعرف ما انتهى إليه كثير من الأعلام الممثلة لهذه الينابيع من أمثال جابر بن حيان والكندي والفارابي والحسن بن الهيثم وغيرهم كثير، وما لاقوه من معاناة بسبب عدم اكتراث المجتمعات والسلطة بعطائهم كما أشار إلى ذلك في ألم أبو بكر بن طفيل يعرف الأسباب أو أحد الأسباب لما عليه المسلمون من حال لقد تجاوز الأمر عدم اكتراث بكشوف هؤلاء وعبقريتهم إلى منحدر الازدراء والتحقير وذلك نوع من ركاكة العقل التي ما كان يمكن أن يقع فيها رجل مثل ابن خلدون عندما وصف جابر بن حيان في مقدمته بأنه كبيرهم الذي علمهم السحر، في إشارته لمن اشتغل بالكيمياء وتجعل رجلاً مثل الجاحظ ــ وهو من يقال عنه أن كتبه تعلم العقل قبل أن تعلم الأدب ــ يقول في كتابه " البيان والتبيين " ما نصه " ... فأما الهند فإنما لهم معان مدونة وكتب مخلدة لا تضاف إلى رجل معروف ولا إلى عالم موصوف ولليونان فلسفة وصناعة منطق وكان صاحب المنطق بكي اللسان غير موصوف بالبيان وفي الفرس خطباء إلا أن كل كلام الفرس وكل معنى للعجم فإنما هو بعد طول فكرة وعن اجتهاد رأي وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وليس هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكر، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام فتأتيه المعاني إرسالاً وتنثال عليه الألفاظ انثيالا ... " وما أظن أنه سيعزب عن ذهن الجاحظ أن السبب الذي فضل به العرب هو إلى الهجاء لهم أقرب منه إلى المدح لولا أنه لم يسلم من الوقوع في شد ذلك المجال المغناطيسي حتى خاصة الناس فضلاً عن عامتهم ونحن نشعر الآن بالفخر ــ وأحياناً بما يحمل على التحدي ــ عندما نذكر أن هؤلاء الأعلام من مكوني تاريخنا، وذلك أمر لا اعتراض عليه، ولكن غير المقبول ألا ندرك الدلالة المحزنة المتوارية وراء حقيقة أن كل واحد من هؤلاء جاء وذهب يتيماً في مجال ابتدأ به وانتهى به أو كاد. 
 ماذا كان من الممكن أن يحدث لو أن اكتشافات هؤلاء الأعلام وأمثالهم في الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب والفلك وجدت التربة الملائمة لهذا العطاء الذي انبثق لدينا، والآخرون حولنا ــ آنذاك ــ في سبات؟ أليس من المؤكد ــ لو تم ذلك ــ أن نكون اليوم في موضع السيادة والريادة بين أمم الأرض؟. 
عالم اليوم ينقسم إلى مجموعتين: مجموعة قوية غنية ظاهرة مسيطرة، ومجموعة فقيرة ضعيفة غير ظاهرة مؤثر فيها أو مسيطر عليها. والعامل الوحيد الذي وضع أياً من المجموعتين في موضعه ليس عاملاً أخلاقياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً أي ليست لأن الأولى أفضل من الثانية في هذه الأمور بل لعامل آخر وهو قدرة الأولى وانصرافها إلى تأمــل ودراسة ما أودع الله في هذا الكون من قوانينه وسننه والغوص إلى أدق مكوناته وأصغرها، والتطلع والوصول إلى أضخم وحداته وأكبرها، وما ينتج عن هذه الكشوف من تقانة أوصلتهم إلى القوة والغنى. 
من المحيِّر والمحزن معاً أنه بينما يجب أن يكون التوجه والانشغال بما تفوق به الآخرون وظهروا أول اهتماماتنا وهمومنا نجد هذا الشأن هو الشأن الغائب غياباً يكاد يكون تاماً وملازماً في توجه كل نظام واهتمام كل زعيم وبرنامج حزب وموعظة واعظ وخطبة خطيب! وهذا سبب واحد لعله أول الأسباب فيما سألتم عنه متعلقاً بما نحن فيه وما عليه الآخرون من حال. 
 دعوت في مؤلف لكم نشر ثقافة (نقد الذات) في المجتمعات الإسلامية والعربية ماذا يمكن أن يقدم ( نقد الذات) في عملية تقويم وإعادة ترميم الحضارة الإسلامية؟. 
أثر نقد الذات في إعادة بناء ما تهدم من الحضارة الإسلامية وما يمكن أن يضاف هو الأثر الذي يعطيه التشخيص الصائب للمرض في خطوات المعالجة، إذ بدون ذلك التشخيص تكون أية معالجة زيادة في المرض لا شفاءً منه. 
 يقول بعض المتتبعين للشأن الحضاري إن نقد الذات كان له أثر كبير في إخراج أجيال في العالم الإسلامي وهي مشبعة بروح الهزيمة أي أنهم ينتقدون مقالتكم تلك، ويحملون أمثال دعوتكم تبعة ما يحدث وما تمر به الحالة الإسلامية المعاصرة؟. 
لم أسمع عن أحد ولم يواجهني أحد بالاعتراض على نقد الذات فضلاً عن جعله سبباً لما عليه المسلمون من حال وأنا ممن طبيعته الميل الشديد إلى حسن الظن بالناس وافتراض سلامة دوافعهم في ما يتخذون من مواقف وما يصلون إليه من أفكار، ما لم ينتفِ كل مجال للشك في خطأ حسن الظن ومن يعتقد ما ذكرت يجعلني عاجزاً عن أن أجد تسويغاً لفهمه وموقفه لمخالفة هذا الفهم والموقف، بل ومصادمته لأمرين عظيمين : 
الأول : ما يدركه متأمل لكتاب الله إذ جاء في سورة القيامة قوله جل شأنه (لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة) ويوم القيامة حدث كوني مذهل تختل فيه قوانيين الكون وتنتثر أجرامه وتتقاصر أبعاده ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده) ثم نجده يعقب ذلك بالقسم بالنفس اللوامة والخالق لا يقسم إلا بعظيم )فلا أقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم ). ولا أعلم أن هناك رابطة بين الأمرين ــ والله أعلم بمراده ــ إلا عظم شأن الأمرين عند الله والنفس اللوامة هي التي ترجع إلى ذاتها بالمحاسبة والمعاتبة لا إلى الآخرين. 
الثاني : قراءة التاريخ قراءة تستصحب التمييز بين النتائج ومقدماتها ذلك أن الشعور بالحاجة إلى نقد الذات ومراجعة ما نتخذه من مواقف ونتبناه من أفكار حول الناس والأشياء والأحداث جاء نتيجة وليس مقدمة لما عليه المسلمون من تخلف وهوان وفي ما يتعلق بشخصي فإنني لم أبحث ذلك وأدعو إليه ــ ولا أزال ــ بإلحاح إلا في كتاب " فلسفة الكراهية" الذي صدر منذ ثلاثة أعوام أو نحوها فهل يرى القائلون أن ما يشكونه من حال أمتهم لم يحدث إلا من ثلاثة أعوام أو ثلاثين عاماً؟ ... إن الدعوة إلى نقد الذات في الماضي والحاضر جاءت نتيجة لما نحن عليه من حال والتماساً لمعالجته، وإلا لما كان هناك محرك لهذا النقد من باب قول الأول : 
و إني وإياهم كمن نبه القطا     
ولو تركوها باتت الليل لا تسري  
 تشكلت النظرة العربية إلى الآخر طيلة القرون الماضية في وعي المواطن العربي على أنها أساس ما لحق بالمسلمين من ضعف وانهيار.. إلى أي حد تمسك الفرد العربي في العصر الحديث بهذه النظرة؟ 
هذا السؤال جزء من سابقه وهو الإصرار على إلقاء التبعة على الآخر، والولع بإصدار شهادة براءة للذات والذين يجعلون الآخر السبب البادئ لما نحن فيه لا يزعجهم سؤال أنفسهم هل صار تغلب الآخر علينا وصار له هذا الأثر ونحن على حال من التماسك والظهور والقدرة على رد عادية معتد وطمع طامع أم جاء عندما فقدنا ذلك وصرنا على حالة من الضعف لم نستطع معها المدافعة . هذا الاستشكال لا يمثل دفاعاً عن الآخر ولا نفياً لما يكون عليه ــ في أغلب حالاته ــ من مطامع وعدوان ولكنه دعوة لوضع هذا العامل في درجته من سلم انحدار المسلمين. الآخر الذي نشكو منه ليس مبرأً مما نعانيه أو غير مشارك في صنعه أو استبقائه ولكنه الفيروس الذي هاجم الجسم بعد أن فقد مناعته أو ضعفت فيه هذه المناعة. 
 هل ثمة تعويل على أن كراهية ورسم صورة بغيضة له في الوجدان والعقل العربي سيمهد الطريق أمام النهضة العربية ؟. 
في التعويل على الكراهية لاستعادة النهضة يجب مراعاة أمرين: 
أحدها: أن الكراهية مجردة مما قد يبعثها من أسباب موضوعية رذيلة وليست فضيلة . 
ثانيها : أن قانون العلية والقانون الأول من قوانين الحركة يقضيان بأن لكل معلول علة، وألا حركة بلا محرك والكراهية والمحبة بعض العلل والمحركات فالقول ــ إذًا ــ بمحبة من يعتدي عليك أو يلحق بك أذى ويجعلك ميداناً لمظالمه شيء مخالف لما جبل الله عليه خلقه فلا يحتاج الأمر ــ إذًا ــ إلى موعظة واعظ أو تحريض محرض وقد تكون الكراهية أمراً مفيداً إذا جعلت وسيلة للمواجهة الذكية والقوية للصروف والأحداث، فهي بذلك دواء مر تلجئ الضرورة إلى تجرعه على أنها خصلة سيئة عندما لا تنتج سوى استدعاء واختزان مقادير هائلة من البغضاء تكون وقوداً يستهلك الذات المختزنة لها، ومن المسلم به أن " بئس السلاح الأدمع " والأول يقول : 
قدم ملأنا البر من أشلائهم     
فدعوهم يملأوا الدنيا كلاما  
 كيف تقوم ردة الفعل العربي على إطروحات هانتقتون وفوكوياما ؟ 
ما أثارته مقالة هانتقتون وكتاب فوكوياما يمثل شاهداً شاخصاً على توتر الذات العربية فليس من علامات صحة عقل وعافيته أن يجعل من كتابة مقال أو نشر كتاب لفرد قضية ذات خطر تكون مادة تشتغل بها المجامع وتداولها المطابع، لقد أسيء فهم هانتقتون فيما كتب ذلك أنه لم يدع إلى صراع الحضارات كما ردد ذلك المهاجمون له، ولكنه توقع حدوث ذلك ودعا قومه إلى تجنبه بتفهم مقومات كل حضارة والتعايش معها، وما رآه فوكوياما من أن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الغرب هو نهاية تطور التاريخ لا يعدو أن يكون رأي فرد أملاه عليه إعجابه بما عليه قومه وجهله بالصفة الرئيسة للعلم الطبيعي وهو أنه ذو طبيعة تراكمية يمثله خط مستقيم ذو ميل موجب وذلك يعني أن المعرفة البشرية في ازدياد وأن اتجاه منحنى التقدم البشري في صعود، وذلك هو المشاهد في التاريخ، ومهما يكن نصيب الرجلين من الخطأ أو الصواب فهل يجب بل هل يجوز أن تبدد كل هذه الطاقات في الرد على خطأ فرد في رأيه؟ 
 طرح العديد من المفكرين معالجات متنوعة في سعيهم لرسم خطوط ابتدائية لمعاودة النهضة ... من خلال متابعاتكم لهذه الأطروحات هل تعتقد أنها تمثل محاولات جادة من قبل المفكرين العرب للخروج من أزمة النهضة؟ وهل هي بمستوى المأزق الذي يعيشه العرب؟. 
لا يخالجني شك في أن ما جاء من جهد تضمن أفكاراً واجتهادات من قبل أعلام أشقاهم وشغلهم واقع أمتهم عمل صادق مبرور -إن شاء الله- بقدر نواياهم، ومع اقتناعي بقيمة هذه الأفكار وأن الفكر ــ سواء كان خيراً أم شراً ــ سابق للحدث وأحياناً صانعًا له؛ إلا أن الأحداث الكبرى لا تصنعها الأفكار ما لم توضع في تربة ملائمة للإنبات، والذي يقرأ ما كان يكتب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين أي منذ قرن أو أكثر مما يوجد في مجلة العروة الوثقى والمقطم والرسالة وما جاء بعدهم يدهش من أننا ما زلنا نردد نفس الشكوى ونتحدث عن نفس المشكلات وذلك يعيد في الذهن قول " ما أشبه الليلة بالبارحة " . 
 ماذا عن قيمة (الحوار مع الذات) في تعزيز ثقافة مراجعة المفاهيم والتصورات التي انطبعت في أذهان المجتمعات العربي؟ وهل تحمّلون (المفاهيم) السائدة الآن في أذهان العرب والمسلمين مسؤولية الانحطاط والتراجع؟ 
سبق الحديث عن جدوى محاسبة النفس ومن ذلك مراجعة ما ألفنا من مواقف ومفاهيم، ومن المؤكد أن المفاهيم الخاطئة وما يبنى عليها من مواقف أحد الأسباب ــ إن لم تكن أفعل الأسباب ــ في ما نحن عليه من حال، فالحكم على شيء فرع عن تصوره، فإذا كان التصور خاطئاً أو خادعاً أو مكذوباً؛ فإن الحكم على موضع التصور سيكون كذلك وبالتالي ستكون المواقف والمعالجة. 
 هل يفهم من خلاصة أطروحاتكم أنكم تدعون إلى إجراء مصالحة شاملة مع الآخر (الغرب) وتعديل نظرتنا إليه؟ . 
لقد دعوت إلى محاسبة النفس، وأما المصالحة مع الآخر فهي أمر لا أرفضه، على أن المصالحة كالمفاعلة لا تأتي إلا من متعدد، فهي لا تتوقف على جانب واحد، وإذا كنت أجد متسعاً للمراجعة والمفاهمة مع الآخر فإن ما حدث في السنتين الأخيرتين للآخر ومن الآخر قد ضيق هذا المتسع، وما غمر العالم الإسلامي من تعسف ذلك الآخر ومظالمه وتعميم خطأ أفراد على شعوب وأخذ البريء بجريرة المذنب والتشريع للعدوان على حق الإنسان وحياته وحريته، وذلك كله شيء قامت وتقوم به الإدارة الحاضرة للولايات المتحدة الأمريكية يجعل الوقت الحاضر ليس المناخ الملائم للتقارب . 
عرف الإنسان في تاريخه طغياناً ومظالم وعدواناً على حياته وحريته ولكنه لم يعرف من شرع لذلك وأباح لنفسه مزاولته، وللإدارة الأمريكية الحاضرة حق ادعاء شرف أنها أول من صنع ذلك. لقد أقام الغرب في القرون الأخيرة بناء شامخاً لعله من الشواهد على تقدم الإنسان في استرداد وثائق إنسانيته، فجاءت هذه الإدارة لكي تدمر هذا البناء أو تصدعه. على أن ذلك لا يجعلني أتردد لحظة في الثقة بجانب الخير في الإنسان، وإذا وجدت قلة من البشر يأتي تأثيرهم من مكانتهم لا من كثرتهم ومن عُددهم لا من عَددهم فإن الكثرة الكاثرة ترفض ما تقوم به هذه القلة، والملايين التي احتشدت بها المدن الأوربية والأمريكية احتجاجاً ورفضاً لما فرضته القلة بعض الشواهد على جانب الخير في الإنسان. 
 ما هي الجذور والينابيع التي خلقت وغذت التصورات والصور المتخيلة الآن في الذهن العربي والإسلامي عن الآخر؟ 
جذور أسباب ما هو قائم في أذهان كثير من المسلمين عن الآخر كثيرة ومتعددة والإفاضة في ذلك ومعرفة نصيبه من الخطأ والصواب يحتاج إلى صفحات، على أنه جاء مفصلاً في كتاب " فلسفة الكراهية " .