ثم دخلت سنة (2011م)!

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Mar 11 2012 | العدد :77 | عدد المشاهدات : 2140

ثم دخلت سنة (2011م)!

نسخة للطباعة
جرت عادة كبريات الصحف العالمية والعربية أن تخصص صفحات عدة لحصاد نهاية العام، تعرض فيها أهم الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية والفنية والرياضية والطبية.. (نيوزويك)، (واشنطن بوست)، (التايمز)، (الديلي تلغراف)، (الإندبنت)، (الجارديان)، (الفايننشال تايمز)، (الأهرام) إلى صحف أخرى ومواقع إلكترونية. من ملفات هذا العام (2010م)، افتتاح برج خليفة في دبي كأطول برج في العالم، ثم مهاجمة الكيان الصهيوني لقافلة أسطول الحرية، إلى انطلاق فعاليات كأس العالم لكرة القدم فيفا في جنوب إفريقية، ومفاجأة تقارير ويكليكس... تبدو عنواناتها كفهرسة لمواد طالما تصدّرت نشرات الأخبار ومانشيتات الصحف. طريقة تذكّر بنظام "الحوليات" في مدونات التاريخ الإسلامي، التي جرى عليها المؤرخون القدماء كالطبري وابن كثير وابن الأثير والذهبي. وهي بهذا تجزّئ الحدث، وتجمع النقيض إلى النقيض.. "ثم دخلت سنة كذا، وفيها طلّق الخليفة قهرمانة مولاته، وشرّد مرزوق مولى يحيى البرمكي ثم اختفى أمره، وفيها ارتفع سعر الشعير في الموصل، وفيها اختصم مؤذن حران مع القاضي فكاد له وأشاع عنه السوء، وفيها سقط حارس الدرب في معرة النعمان. وفي سنة كذا، اغتيل الأمين، وسُملت عيون القاهر، وقُطعت يمين ابن مقلة الخطاط، وجُلد وعُرّي في الشمس، وتُرك ينزف حتى مات! وفيها قُتل ابن بقية وصلب في السوق. وفيها وقعت الفتنة بين طوائف من المنتسبين إلى العلم وتجالدوا بالنعال والعصي، ونُهبت البيوت وأُغلقت المتاجر..". وقبل هذا أو بعده تلوح صفحات بيضاء في اجتماع الناس على خليفة، أو عموم الخصب والخير، أو الانتصار في معركة حاسمة، أو موقف عالم جليل يُحمد عليه، أو استتباب الأمن في بلد.. التاريخ ليس مجمعًا للفضائل، ولا سجلاً للأخطاء. سنة واحدة لا تصلح وحدة لتدوين الحدث، ولا تكفي لمعرفة جذوره وأسبابه، ولا نتائجه وتداعياته، والأحداث المؤثرة تقع بصورة تدريجية تراكمية بطيئة، فليست أحداث التاريخ مفاجآت تنبت في الهواء، ولا صدفًا من دون اتصال بالسياق والضرورة التاريخية. البرج الباذخ ذو المائة وستين طابقًا لم يشمخ في الفضاء في العام الذي شهد تمامه، وبناءات الأحداث والأفكار هي كذلك. هل طريقة "الحوليات" متصلة بطريقة التفكير العربي الذي يؤمن بالحلول السريعة، ويترقب المفاجآت، ولا يقيم اعتبارًا للسببية؟! ربما. تقسيم الحادثة إلى سنوات، وتجزئتها إلى مقاطع منفصلة يحول دون رؤيتها كاملة، ويغيّب أسبابها ومكوناتها وعواقبها ومآلاتها، ولا يعين على الانتفاع بعبرتها وخبرتها. وهذا يسهل استمراء نظرية المؤامرة ويسمح بتسللها إلى كل حدث وإلى كل حديث، حتى ليبدو التاريخ كله مصنوعًا، وكأنه لوحة تشكيلية عشوائية يحار الناظر في فهمها وتفسيرها. هذه "الفرعية" في الحوادث، تشبه "الفرعية" في الفقه، الطلبة يدرسون المسائل واحدة واحدة، دون أن يملكوا وضعها ضمن "منظومة" يتضح لهم من رؤيتها الأصل أو القاعدة التي تنتظمها، فيتعاملون مع كل مفردة بذاتها، دون قدرة على إدراك انسجامها مع الأخرى أو تعارضها، لن يدرك المقاصد والعلل والأسباب من هو مشغول بالأغصان عن رؤية الغابة، وعندما تضع كأس الشاي قرب عينك سيمتنع عليك أن ترى الأفق الواسع الممتد.. بعض الفقهاء المعاصرين المطلعين على القانون، لاحظوا أن الفقه الإسلامي يقوم على مسائل الأحكام وتفريعاتها ليس حسب الموضوع والتقسيم العام بل حسب المسائل.. فحاولوا إعادة بعض النتاج الفقهي على الطريقة الموضوعية الحديثة، كما فعل الشيخ الجليل مصطفى الزرقا في "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد". التاريخ هو القدر. والفقه هو الشريعة. هذا الخلق. وهذا الأمر. تتجلى فيهما الحكمة والرحمة في تناسقٍ يعجز معه العقل أن يتبين إن كانت الحكمة في الخلق أغلب، أو الرحمة في الشرع أغلب؟ ولكنه يؤمن بهما معًا. التاريخ كله عربيُّه وعالميُّه يحفل بالمؤامرات، وحين قرأ صاحبنا التاريخ الأموي والعباسي وجد خلفاءهم يموتون في ريعان شبابهم، فمعاوية بن يزيد لم يبلغ العشرين، والهادي لم يستكمل أربعًا وعشرين سنة. والمعتز لم يستكمل خمسًا وعشرين سنة، والأمين اغتيل وقد شارف الثلاثين من عمره. وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز والوليد بن يزيد ويزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد وأبو العباس السفاح والواثق والمستعين والمهتدي والمكتفي والمقتدر والراضي وهشام الرضا كلهم، ماتوا أو قتلوا ولم يبلغوا الأربعين.. و "لله جنود منها العسل"، فالتسميم أداة معتمدة لاستعجال رحيل الخليفة، ليأتي بعده آخر لا يكاد يهنأ بموقعه سنيات حتى يُكال له بصاعه، ويرد البئر التي سقى منها غيره. وحين جاء دور المماليك تعاقبوا بطريقة القتل فلم ينتقل الملك بينهم إلاّ عن طريق قتل اللاحق للسابق فلا يملك إلاّ قاتل. التدوين يسجل الأفعال القصدية التي يتعمد ترتيبها وصناعتها المشهورون، والساسة خاصة، على أنها هي "الحياة". وقلّما يكترث لتدوين جوانب الحياة الواسعة الشاسعة، أين العلوم والمعارف والكشوف؟ ما الحالة الاجتماعية؟ ما شأن العلاقات الإنسانية؟ يتحدث التاريخ عن واحد وينسى الملايين، ويقف عند ساعة، ويغفل شهورًا ودهورًا! لولا الكتب المتخصصة في الأدب والشعر واللغة والفقه والفتوى والطب لضاع من تراثنا الشيء الكثير. هل التاريخ المدوّن متشائم؟ لعله كذلك شيئًا ما، فحتى أسماء السنين تنم غالبًا عن كارثة أو حرب أو مجاعة أو غرق، وحينما نسمي سنة ما "سنة الرحمة" فإنما نعني بذلك الطاعون! كان يحفظ قول الشاعر: بين عامٍ مضى وعامٍ يوافي *** عبرٌ توقظُ الضميرَ الغافي فزيّن له انطباعه السلبي عن عام "ما" أن يقول: بين عامٍ مضى وعام أتانا *** نكبٌ تنشر الأسى في رؤانا ثم تاب من ذلك، بعدما تشبّع بالحكمة الإلهية في الخلق، وتربّى على البحث عن الجانب الإيجابي فيما يواجهه! هل ما يُكتب من تاريخنا هو الجزء الأهم؟ كلا! عندما طلبوا منه سجلًا لأحداثه الشخصية خلال عام مضى، وجد برنامجه الشخصي المكتوب لهذا العام (2010م) يبدأ بأحداث صغيرة هذه "عيّنةٌ" منها: -مشاركة في مؤتمر الأوقاف في الجامعة الإسلامية، ومحاضرة عن "الأسرة والعولمة" حضرها معظم طلاب الجامعة، ربما لأنها الأولى من نوعها؛ إذ مثل هذا النشاط لم يكن متاحًا له من قبل، ربما زار الجامعة باحثًا متسلّلاً يتفحص المخطوطات في المحمودية، أو مكتبة عارف حكمت، أما الآن فيدخلها من بابها الواسع محاضرًا في قضية مهمة تحوّلت بعد فترة إلى مادة لمؤتمر واسع في الجامعة ذاتها. -زيارة الجرحى والمصابين في المواجهات مع الحوثيين، في المستشفى التخصصي في الرياض، وجد العسكريين يُؤثرون الهدوء والحلول التصالحية، والمتحدثين من وراء الأجهزة المحمولة يفضلونها حربًا شمولية ويستهجنون الحديث عن حوار! -زيارة قطر للمشاركة في ورشة عمل لإنتاج فيلم عالمي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، سأل عنه بعد، فعلم أن المشروع متوقف لأسباب يجهلها، لكنه شهد ميلاً للعلماء المشاركين إلى جواز تمثيل الصحابة، وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي الذي تشجع وغيّر رأيه المدوّن، وقال: الأمر يدور على المصلحة، ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي، وتلا كلمة عمر "لا يمنعك قضاءٌ قضيته اليوم، فراجعت فيه عقلك، وهُديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديمٌ". -ملتقى أصدقاء وتلاميذ الشيخ القرضاوي بقطر، شارك بمحاضرة عن الشيخ، قارنه بعلماء عرفهم، أمثال:ابن باز والألباني والطنطاوي، وأبرز قيمة الزمن ممثلة في استثمار الوقت، وطول العمر، واكتمال التجربة، وقلة المنافس، وديمومة العطاء؛ فهي خمسة أضلاع تمثل أضلاع هذا "النجم" الدائب. -مؤتمر العمل الخيري الخليجي الرابع في البحرين وفي كلمته الافتتاحية أكد الدور الرئيس لوسائل الإعلام، في تصحيح المفهوم السائد حول دعوى تمويل المؤسسات الخيرية للإرهاب. وقال: إن زيادة أعداد الجهات الخيرية في الدول العربية، إنما يتم بالنظر إلى الأبواب المفتوحة وليس المغلقة، وبتعاون الجهات الرسمية مع الجهات الخيرية للخروج من ملابسات أحداث سبتمبر وإلحاحاتها الوهمية. -المهرجان الوطني للتراث "الجنادرية" بالرياض وتحدث عن معوقات السلام واستشهد بأبيات المعري، وهي تصور عدم التكافؤ في لغة الخطاب وحجم القوة بين الأطراف المتحاورة، حتى يبدو الحوار لغة الضعيف: تَغَيَّبتُ في مَنزِلي بُرهَةً سَتيرَ العُيوبِ فَقيدَ الحَسَدْ فَلَمّا مَضى العُمرُ إِلاّ الأَقَلَّ وَحُمَّ لِروحي فراقُ الجَسَدْ بُعِثتُ شَفيعًا إِلى صالِحٍ وَذاكَ مِنَ القَومِ رَأيٌ فَسَدْ فَيَسمَعُ مِنّي سَجْعَ الحَمامِ وَأَسمَعُ مِنهُ زَئيرَ الأَسَدْ فَلا يُعجِبَنّي هَذا النِفاقُ فَكَم نَفَّقَت مِحنَةٌ ما كَسَدْ مشاركته جاءت بعد إلحاحٍ من المنظمين، أما هو فمقتنع أنه ليس لوجوده هنا كبير معنى! -مؤتمر المرأة ونهضة الأمة – الكويت تحدث عن سمات المرأة الناجحة، ربط قصة أم سلمة التي سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: أيها الناس، فرمت مشطها وخرجت لتسمع؛ وردّت على من يقول إن الأمر لا يعنيها بقولها: إليك عني؛ فإنني من "الناس"، ثورة معرفية وسلوكية غيّرت العقول وأعادت الاعتبار للإنسان، رجلاً كان أو امرأة - بقصة الأمريكية السوداء "روزا" بطلة قصة إلغاء التمييز العنصري، حين رفضت أن تقوم من كرسيها في الباص لفتى أبيض، مما استدعى تدخلاً وصل إلى تغريمها، ليثور السود في أنحاء أمريكا (1955 م) ثورة لم تقف حتى ألغت المحكمة الدستورية قانون التمييز، وأعلنت المساواة الكاملة بين أفراد الشعب في سائر الحقوق والواجبات. هنا تعليمات سماوية تعلم الناس ما لم يكونوا يعلمون، وهناك ثورة شعبية تسترد بعض الحق لكنها لا تغير ما بداخل النفوس. هل بقي الحال كذلك أم تحول؟ -ملتقى النهضة في البحرين تحت شعار: "التغيير.. آفاق ومفاهيم"، وهو راعي المؤتمر وقدم فيه ورقة "هموم النهضة وتساؤلاتها". شباب دون الثلاثين وفوق المائة من كل مكان، أقل ما يفعلونه صناعة الأمل، ومطاردة فلول اليأس. -الملتقى يتوجه لأن يكون مؤسسة نهضوية. -محاضرة في الشارقة "القراءة أوكسجين العقل".. حضور لا يكاد يملأ الكراسي الأولى في القاعة، والرجل الخمسيني يتدرب على التعامل بأريحية مع المفاجآت! -غدًا محاضرة في دبي "القرآن للحياة" كانت أحسن حالاً من سابقتها. -دورة للدعاة والخطباء في البحرين عن الفتوى، وهو يتحدث عن "أدب الخلاف" المادة التي قتلها بحثًا وإلقاءً وكتابة.. وظل يتساءل: ما حظه هو من هذا الأدب؟! -رحلة أسرية لأيام على هامش الدورة، وأصدقاؤه من (آل الكوهجي) يحملونه في قارب إلى البحر، ليرمى به في جزيرة ذات رمل ناعم، وخلوة هادئة، ومستراح جميل! جلسة تختصر الدنيا في سويعات من الوقت وأمتار من الأرض، وحفنة من الخلق! -في نهايتها محاضرة "آباء وأبناء"، يرى في طليعة الحضور كبار رجالات الحكم والمجتمع، إلى شباب وفتيات استهواهم المنشط. -إلى جدة للمشاركة في ملتقى الإعلام الجديد، بمحاضرة عن "ترجيحات فقهية في قضايا تقنية". -فمكة للحديث إلى رائدات العمل التطوعي الشبابي عن مفهوم القوة.. -بيروت في مؤتمر "رعاية اليتيم"، وأعد بحثًا مهمًا حول مرحلة اليتم، ومتى تنتهي ومتغيرات العصر وتطوير رعاية اليتيم، وخلص إلى نتائج جديدة في سن اليتيم، وأنها تختلف من ظرف إلى آخر، ولا تنتهي بالبلوغ المجرد. -مشاركات إعلامية لإدانة مجزرة "قافلة الحرية"، وقد استمع إلى قائد الأسطول (بولنت يلدريم) ثم شاهده في اسطانبول، ثم جلس معه طويلاً في الكويت بصحبة سفيرة الخليج في القافلة (هيا الشطي). -أسبوع في الجماهيرية الليبية يرافقه فيه الصديق د. عبد الوهاب الطريري. برنامج حافل بالزيارات والمحاضرات واللقاءات والمدن بجامعاتها وشبابها، ودورة دافئة بأنفاس الحب للدارسين والأئمة والخطباء والوعّاظ، في أكاديمية الدراسات العليا. -زيارة لجامعة (قار يونس) ومحاضرة لشبابها وفتياتها حول المستقبل وآماله وتطلعاته. - بنغازي فالبيضاء، فدرنة في احتفالية بشرية وعاطفية نادرة. فتاة منتقبة تتخطى الحشود، لتوصل رسالة، تصرّ على تسليمها بيده شخصيًا بحركة منفعلة، حين قرأها وجدها تقول: "عودوا من حيث أتيتم"! -وفاة شيخه الشيخ عبد الله بن غديان -رحمه الله- وهو هناك. -المشاركة في مجلس الإفتاء الأوروبي في إسطامبول، فجلسات الجمعية الثالثة لاتحاد علماء المسلمين، والتي أسفرت عن تغيير في نواب الرئيس، والأمين العام، وأعضاء مجلس الأمناء، مؤذنة بمرحلة جديدة للاتحاد. -في السفر شارك في "الشريعة والحياة" صحبه شيخه الشيخ عبد الله بن بيه، ود. عبد المجيد النجار. مكث في غرفته في فندق (جراند جواهر) خمسة وأربعين يومًا، معتكفًا على قراءة مئات الكتب وعشرات الآلاف من المواد المتفرقة، استعدادًا لحلقات التغيير في حجر الزاوية، وكتب الحصيلة في مجلدين كبيرين. اندمج مع أعضاء أكاديمية إعداد القادة الذين استضافهم الفندق ذاته، وشاركهم إحدى جلساتهم،واستقبل مجموعات منهم، وأحبهم وتحدث إليهم، وإلى شيخهم (د. طارق السويدان). -في رمضان (30) حلقة ترفع شعار "الحاجة إلى التغيير" التي غدت ضرورة سياسية واجتماعية وشرعية لا مفرّ منها، والاستجابة الواعية لها هي الحل، تجربة غنية، وتغذية راجعة إيجابية، وهو يحاول أن يمسك بخيوط "نظرية متكاملة" في التغيير إن لم يسرقها منه الانشغال. مع حديثه الساخن عن (ثورة المهمّشين) وجمهورية الإعلام الجديد لم يكن يتوقع أن يحدث جزء من التغيير بالسرعة التي شاهدها بَعدُ في تونس ومصر.. وبقية القائمة! -إلى الأردن للانضمام لمؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، وورقة حول "حلول إسلامية لمشكلة البيئة". -مشاركة في الصالون الثقافي للسفير السعودي في مصر هشام ناظر بورقة عن "الشباب والهوية"، وحوارات مثرية وجميلة تحدث له لأوّل مرة في القاهرة، وهم يستغربون أن يكون محدثهم في تلك القضايا "رجل دين" وأيضًا "رجل دين سعودي"!! ومؤتمر صحفي في الفندق، وزيارة لمقر (الإسلام اليوم) في القاهرة. -دورة إشراقات قرآنية في المدينة المنورة وتفسير جزء الذاريات، زيارة لسمو أمير المدينة ووكيله والمشايخ والقضاة. ثلاث ساعات يوميًا للتفسير، وصغار يحضرون بدأب ويحيطونه بحبهم، هو يخلص للدورة وكأنه يقدمها لأول مرة، والجمع الطيب يحفزه ويشدّ عزيمته. -مشاركة صوتية في حفل تخريج المبتعثين في كندا بعدما رفضت السفارة الكندية منحه تأشيرة دخول لدخول أراضيها، حققت معه أمنيًا، وسألته عن علاقته بتنظيم القاعدة، لتقول له بعد ذلك إنه ممنوع من دخول بلادها! نموذج سيّئ لإدارات سياسية غربية تتعامل بطريقة بدائية فجة مع المتغيرات في عصر القرية الكونية! بين الرياض وجدة ومكة والمدينة والمنامة والكويت والدوحة والقاهرة وإسطامبول نقلته خطاه. بين مطار وآخر يتعرف على الفنادق والشوارع ويتفرس الوجوه، كرسي ضيق، يحشر فيه جسده ورجليه لساعات طوال، حيث لا يحب أن يتحرك في الطائرة، كثرة الأسفار علّمته أن يصنع من كراسيها بيتًا آخر. أصبحت جزءًا من حياته، الوقت الذي يقضيه في المطار والطائرة والفندق، أو المضافة يفوق الوقت الذي يقضيه في مكتبه أو منزله، هل هو "جواب الآفاق"؟ يبدو كذلك. نتعرف على قيمة الأشياء حين نعملها بحضرة من نحب، قيمة أن تأكل مع حبيب، أو تدير كأس الشاي مع صديق، أو تضحك من طرفة مع مؤانس.. وأحس بمرارة العزلة الاختيارية، كأختها القسرية أو تكاد! في كل مرة يسأل نفسه هذا السؤال: هل المهمة التي سافرت لها تستحق العناء؟ أم نحن نتحرك هنا وهناك تأكيدًا لأهميتنا؟ الأجر الأخروي يتوقف على النية. والثمرة الدنيوية تتوقف على التخطيط.. وهو يخشى أن ليس لديه من الأمرين ما يكفي.. تعجبه كلمة الإمام أحمد لأبي داود، صاحب السنن، حين عرض عليه كتابه، وقال: إنما عملته لله، فرد الإمام أحمد: أما لله فشديد، ولكن قل: شيء حُبّب إليّ فعملته. السنة "8784" ساعة جلسات المحاضرات والدروس تعادل في (2010) نحوًا من (240 ساعة)، وكأنه ظلّ عشرة أيام كاملات يتحدث دون انقطاع! ترى ما نصيب الحكمة من هذا الحديث؟ الوجه الآخر للتاريخ، الوجه الآخر للعام (2010) هو ما لم يقله بعد! للحديث صلة حول ثمانية آلاف وخمسمائة وأربع وأربعين ساعة! يجب أن يقول عن الناس والكتب والتفصيلات الصغيرة العفوية التي تزخر بها الساعات. حسبة بسيطة أصابت رأسه بالدوار!