أن تكون عربياً في أيامنا

كتب بواسطة: تركي الشثري | في مطالعات . بتاريخ : Mar 23 2012 | العدد :75 | عدد المشاهدات : 2496

أن تكون عربياً في أيامنا

نسخة للطباعة
(قضايا عربية، المتغيرات الأمريكية في نهاية مرحلة بوش، فلسطين والقضية الفلسطينية). هذه هي أقسام كتاب الدكتور عزمي بشارة (أن تكون عربياً في أيامنا) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية. 
       وقد توزعت عليها مجموعة دراسات تحليلية ومحاضرات سياسية قدّمها الباحث من منتصف عام 2007 وحتى بداية عام 2009 في عدد من المنابر الثقافية في بعض المدن العربية تحدّث فيها عن مسائل تهم المواطن العربي وتشغل أفكاره مما يتصل بالهوية العربية وعلاقتها بالحداثة وإشكالاتها في المجتمع العربي، وسنتناول في هذه القراءة الموضوع الأول: قضايا عربية لصلته الوثيقة بالعنوان الرئيس، ولضبط دفة القراءة كي لا نشتت القارئ الكريم، ولعلنا نأتي على الموضوعين الأخيرين في قراءات قادمة بإذن الله.‏ 
كما تطرق إلى مصير القومية العربية ومدى قدرتها وصلابتها في الصمود
أمام تحديات العصر والضغوط المتواصلة عليها لإضعافها والقضاء عليها.‏ 
وقد جرى إطلاق هذا الكتاب الهام لأول مرة خلال ندوة أقيمت للدكتور عزمي بشارة في مدينة حلب. 
وهو مناسب لأحداث الساعة من حيث أنه يبين خطورة إقامة حواجز فولاذية بين الأقطار العربية المتجاورة‏، إضافة إلى الحواجز الجمركية التي اصطنعها الاستعمار الغربي، وبقيت شاهداً تعيساً على الفرقة والتجزئة العربية.‏ 
وتناول بعض المفاهيم الهامة من مثل مفهوم القومية، مفهوم القطرية، الولاء للوطن، مفهوم الهوية، قضية فلسطين وأهميتها لكل فرد عربي.‏ 
وقد ركز الدكتور على الظاهرة التي انتشرت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهي المجاهرة فى تسييس الانتماءات الطائفية والمذهبية والعشائرية، وغياب الحرج عند تسييسها، وكذلك مسألة القومية الرومانسية كما وصفها الباحث في مقابل الواقعية الطائفية.
ولقد تفنن الباحث في ربط مسألة النهضة بالهوية العربية والحداثة، وعلّق حضور القومية العربية بمدى تفاعلها مع مهمات وتحديات العصر الحديث، والقيام بمشروع يوازي هذه التحديات كذلك علق نجاح هذا المشروع ببرمجته وما يناسب مصالح المواطنين وحاجاتهم المادية وقبل كل هذا أن تكون البرامج مفهومة للناس وواضحة، ومما يلحظه القارئ في فصول هذا الكتاب المسحة الفكرية الجديدة والدم الجديد، مما يشير بجلاء إلى ضرورة نفض الغبار عن المسلمات في القول السياسي والموروثات السياسية العتيقة.
ما معنى أن تكون عربياً في أيامنا؟ سؤال يطرحه عزمي بشارة لاستشعاره ضرورة تجديد الفكر القومي والنأي به عن الرومانسية والحلم والشعار الأجوف، وهي إشكالية أرّقت الدكتور في جلّ طرحه وإنتاجه الفكري. 
يعلن المؤلف أن الفكرة القومية لا تنتج البرامج السياسية، وإنما يكون ذلك من منظري الفكرة القومية، وعليه فلا بد من تطوير وتجديد الفكر القومي كي يضطلع بالمهمة الأصعب في الزمان العملي غير القابل للطوبى والأناشيد العروبية مما يرسم الخريطة الواضحة لحقوق المواطن الاجتماعية والمدنية من خلال الممارسة والفعل السياسي البناء، وفي الوقت ذاته يدفع المؤلف تهمة الرومانسية التي تُوجّه إلى دعاة القومية العربية نتيجة فشل الدول العربية في عملية بناء الأمة على أساس المواطنة. لقد تحوّلت الأمة التي كان يُفترض أن تُبنى على أساس الانتماء إلى الدولة إلى هوية قطرية فولكلورية ورومانسية مع محاولات تجذيرها تاريخياً في مهرجانات بابلية وفينيقية وفرعونية.. الخ.
وهذه مفارقة بودي لو وضحها المؤلف، فمن هم الرومانسيون المندّد بهم، كما بيّنا قبل أسطر ..؟!
يعود الدكتور ليقرر أن الدولة العربية فشلت أيضاً في تشكيل أمة مدنية على أساس تشكيل هوية منفصلة لهذا القطر أو ذاك، ونشأت بدلاً من ذلك العشيرة والطائفة كضامن للهوية، وفي مثل هذه الحالة، حالة تشظي الدولة إلى عشائر وطوائف لم يعد ممكناً التعاطي مع القومية العربية كرومانسية ...
وهنا يريد المؤلف أن يبين لنقاد القومية الفرق بين القومية وتجلّياتها كثقافة وسياسة، وبين نظرية القومية التي تبحث في ماهيّة القومية، فالقومية العربية هي حاجة عملية لتوحيد غالبية الشعب، حتى في الدولة القطرية كي لا تنهار إلى طوائف.
وحتى بعناصرها الرومانسية تعتبر القومية حاجة ماسة في الوصول ليس فقط إلى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي، بل أيضاً لتزويد المواطن بهوية ثقافية جامعة. لم يكتف المؤلف بهذا بل يرى أن التطور التاريخي منذ عام 1967 وما أُضيف إليه من عوامل إقليمية، وتدهور المشروع القومي إلى أيديولوجية تبريرية لأنظمة لا تطرح إلاّ مسألة بقائها في السلطة، دفع خصوم القومية العربية إلى إنكار وجود قومية عربية، ثم ضاق الهامش حتى بات كل من يعرف نفسه كعربي في نظرهم قومياً عربياً، وقد أدى انحلال المشاريع القطرية إلى تركيبات سكانية طائفية وعشائرية إلى المطابقة بين العروبة والهوية العربية؛ فقد بات التشديد على العربية في وجه الطائفية والعشائرية موقفاً عروبياً.
أن تكون عروبياً يعني في أيامنا أن تتخذ الهوية العربية نقيضاً لتسييس الهويات، وهذا يعني وفق مناهضي القومية العربية أن كل عربي عروبي، ولا يقبل المؤلف هذا التبسيط، بل يرى أن معنى أن تكون عروبياً يعني أن تعرف نفسك على أنك عربي في فضاء الانتماءات السياسية؛ لأن القومية العربية ليست أيديولوجية شاملة، بل انتماء ثقافي.
يدعي العروبي أنه أصلح من الطائفة ومن العشيرة لتنظيم المجتمع، أن تكون عروبياً لا يعني أن تجعل الانتماء إلى القومية أساساً للمواطنة، بل يعني أن العروبة أساس حق تقرير المصير وبناء الدولة، ولأن الاستعمار وإسرائيل قد حدّدا موقفاً ضد العروبة هوية لشعوب ودول المنطقة، وموقفاً ضد الاتحاد العربي بدأ بفصل الشرق عن الغرب، ومن السطو المسلح على فلسطين، ونهاية بالاستفراد بكل دولة عربية على حدة في شؤون الثروة والثورة والإستراتيجية، وأخيراً ما يُسمّى بعملية السلام. فأن تكون عروبياً في أيامنا يعني بالضرورة أن تدعم المقاومة.
ويؤكد عزمي بشارة أن ذلك لا يعني أن تتغنى بالمقاومة، وتترك ممارستها للتيارات الدينية، وهذه مسألة لا بد أن يحسمها التيار القومي. يجب تقريب التيارات الدينية المقاومة من الفكرة العربية، ولم يفت على الدكتور تسليط الضوء على مشكلة غياب مشروع عربي ذي معنى يمنح المجتمعات العربية بوصلة سياسية، وتصوراً للأمن القومي، واتجاهاً للبناء والتخطيط؛ حيث يقف جيل عربي كامل في أيامنا، وهو يتساءل عن سبب كون العرب آخر شعوب الأرض المضطرة إلى دمج السياسة بالحديث بمرارة عن سلوك الزعماء الشخصي وأقربائهم ومقرّبيهم، وعن أمزجتهم وعاداتهم، وعن ثرواتهم، وكأن الحديث حسب تعبير المؤلف عن مزارع شخصية أو إقطاعيات، وليس عن دول. 
ويرى الكاتب أن مشكلة غياب المشروع العربي هي الأزمة الرئيسية التي يُشتق منها العديد من الأزمات الأخرى، ومن ضمنها هذه الحرية بشأن التطرّف والسفور في انحياز العديد من الدول العربية إلى مشروعات غربية استعمارية، وحتى لصالح إسرائيل ضد مقاومة الاستعمار، ومن أجل تسوية ولو كانت غير عادلة للقضية الفلسطينية.
يقيم الدكتورالجيل العروبي السابق، ويقصد بهذا الجيل جيل الأحزاب القومية التي حكمت دولاً عربية وهيمن مشروعها القومي فكرياً في كافة المجتمعات العربية التي حكمتها والتي لم تحكمها، حيث إن التقييم النقدي لدور هذا الجيل -  حسب رؤية المؤلف -  أثَّر في معنى أن يكون المرء عروبياً في أيامنا هذه.
يرى الدكتور بشارة أن ذلك الجيل من القوميين قد أخلص لفكرة القومية العربية التي صاغوها بأساليب مختلفة، وأجمعوا على أنها تسييس الانتماء الثقافي العربي للأمة، لا العنصري، ولا العرقي، ولا الطائفي. كما أنهم لم يقبلوا بأي شكل من أشكال الاستسلام للاستعمار الاستيطاني في فلسطين، وآمنوا بالوحدة العربية، وضرورة بناء مجتمع عربي حديث عبر بناء الدولة، على الرغم من التفاوت في فهمهم للديموقراطية وحقوق المواطن ودور الجيش.
وأضاف الكاتب في تقييمه للجيل العروبي السابق أنهم تميزوا بإيمانهم بدور الجماهير وحقوقها الاجتماعية، وحقوق الفلاحين، والدور التنويري للتعليم، وفهم الحاجة إلى بناء الاقتصاد الحديث ومراكمة رأس المال الاجتماعي عبر التأميم والقطاع العام، وأدركوا مبكراً بالفكر وبالتجربة المرة أن التحديث والاقتصاد الإنتاجي غير الريعي يمر عبر رفض إملاءات الاستعمار الجديد، وغالباً ما كان يؤدي رفض الإملاءات إلى المواجهة.
ويضع الدكتور مقارنة فاضحة بين الجيل العروبي السابق وبين ساسة اليوم، فيرى أن القوميين الجمهوريين من أبناء ذلك الجيل كانوا أصحاب مشروع يعملون من أجله ويجتهدون، فيصيبون ويخطئون، وإنهم سعوا فعلاً إلى بناء ثقافة وطنية ودولة حديثة، وإلى تطوير الزراعة وتعميم التعليم، وإلى العدالة الاجتماعية، وإلى تحرير فلسطين.
ويقول الكاتب: إنه بغض النظر، أو بدون غض النظر عن أخطائهم، فقد كانت هذه هي أولوياتهم فعلاً. فقد كانوا أصحاب مشروع عام، وكان هذا هو الشعور بخصوصهم، على العكس من ساسة هذه الأيام؛ فهم -حسب رؤية الكاتب- أصحاب مشروعات خاصة.
ويضيف الكاتب أن أصحاب المشروع القومي في مصر والجزائر وسوريا والعراق لم يكونوا فاسدين، كما يدعي حالياً من يحاول أن يُسقِط على الماضي تجربة الحاضر قسراً. فربما انتشر سوء الإدارة – حسب وصفه – أو ربما كانت هناك حالات معدودة من الفساد الفردي، ولكن صُنَّاع القرار لم يتحولوا إلى أثرياء عبر استغلال الموقع السياسي، ولم يَسُد فيهم حكم العائلة والأقارب (نيبوتيزم)؛ فنحن بالكاد نعرف أسماء أبناء عائلاتهم وأبنائهم من كتابة المذكرات الجارية حالياً.
ويرى الكاتب أنه لاشيء مما مضى يمكن أن يقارَن بفساد الأنظمة الدائرة في فلك الاستعمار أو بفساد الليبراليين الجدد اليوم، وحلفاء أمريكا، أو بالفساد المستشري في الدولة القومية المتأخرة، بفئاتها الطفيلية من القرابة والنيابة وحتى الوزارة والحزب؛ فهي التي حولت الحزبية من موقف وبرنامج ونضال وعبء وواجب وسعي للسيطرة لغرض تطبيق الأفكار والبرامج، إلى نفوذ ورأسمال سياسي له قيمة تبادلية مثل أي سلعة، ومثل أي قطاع في اقتصاد الخدمات، ولذلك يسهل استبداله بالثروة، ولذلك  صارت المراءاة هي الطريق إلى الجاه، والجاه هو الطريق للمال، وصار ابن خلدون مصدراً للمصطلحات في فهم المرحلة.
وينتهى الكاتب في النقطة السابقة إلى أنه إذا كانت القيادات السياسية في يومنا صاحبة مشروعات خاصة سياسية واقتصادية، مسخرة في خدمتها أدوات حزبية وأمنية وعشائرية وطائفية، فلابد أن تنْحَلَّ معها الأعراف والأخلاق العامة. فليس الصالح العام- حسب رؤية الكاتب- هو مجموع المصالح الخاصة، وأن الدفاع عن المصالح الخاصة في حرب الكل ضد الكل لايؤسس لأخلاق عامة، بل لخياري الاستبداد والفوضى. 
ويرى الكاتب أن الفوارق قد زالت في أيامنا هذه بين النظام الملكي والنظام الجمهوري في العالم العربي، وأن الجميع يعرف أن هنالك مسألة توريث أو تحضير للتوريث للأبناء في غالبية الجمهوريات العربية، وأن صلة القرابة لها ذات معنى سياسي وتترجم إلى نفوذ في الدولة، وأن الجمهوريات لم تعد تفصل ثروة الدولة عن حياة وحاجات وطلبات الزعماء الخاصة.
"أن تكون عربياً في أيامنا" إضافة إلى قائمة كتب الدكتور بشارة التي أثرى بها المكتبة العربية، وتضم (12) كتاباً تُرجمت إلى اللغات العبرية والإنجليزية والألمانية.
أن تكون عربياً في أيامنا، فما عساه يا ترى سيكون الجواب..؟