من المحبس إلى الشاشة! (٢-٢)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :74 | عدد المشاهدات : 2094

من المحبس إلى الشاشة! (٢-٢)

نسخة للطباعة
يختلس جلسة أسرية مكتظة بالحب والعاطفة، والكلمات تتلعثم، والخجل يجفف الدموع سريعاً، والروح تعبر بلمع العيون، وحركة الجسد، والجاهزية السريعة.
تحدث الأبناء المتحلقون حوله ذات عشية عن الأوفياء والأصفياء .. فارتاح.. وهتف:
-لن نعتب على قريب ولا بعيد، ولن نندم على جميل أسلفناه، سنكافئ أولئك الذين تضامنوا وقت الشدة، فلنكتب إذاً "سجل الوفاء" لوحة نعلّقها على جدار المنزل، نقرأ فيها تلك الأسماء الوفية كلما دلفنا إليه لنظل داعين لهم بالخير..
وهكذا كان .
وبدأ الصغار والكبار يعتصرون الذاكرة لتكتمل قائمة الأسماء .. ومنذ ذلك اليوم بقيت مسطورة في لوحة القلب بعد أن أدت الصحيفة دورها !
ظل الشاب"عبد الحكيم" هو اللغز الذي يتصدر القائمة بعد الكبار مباشرة والتساؤل يكبر معه .. بقدر وفائه ومواقفه الكريمة وجهده الطيب.. واليوم: بعد أن انصرمت أيام الشدة .. وعادت أيام الرخاء رغيدة .. أين اختفى ذلك الوجه الباسم ؟ ولماذا ؟
البيت يعلن حالة الطوارئ، ثم المسجد، ثم الحي كله، على مدار الساعة الآلاف يتوافدون من أنحاء البلاد، والسلام لا يتوقف إلا ليشرب الماء بعد جفاف الريق، والشباب ينظّمون الدخول والانصراف، لا يقعد إلا الكبار والمعارف والشيوخ قليلاً للمباسطة والحديث ثم ينصرفون ويدعون المكان لآخرين، وجبات الغداء والعشاء يومياً للمئات، الشاي والقهوة يصنع بواسطة فريق متفانٍ مختص يقوده الرجل الطيب الوفي سليمان الفهيد .
عشرات الشباب المتحمس نذروا أنفسهم لإنجاح المهمة وضبطها يشرف عليهم الدكتور أبو أحمد الذي ظهرت قدراته وحزمه في هذا الموقف الصعب الذي يخشى فيه أن ينفلت الزمام أو تسير الأمور على غير ما يرام !
مجموعة من الشباب قادمة من بعيد، ضمن هذه الباصات المتواصلة، تصرّ على جلسة خاصة خارج المنزل .. ماذا سيقال .. وكيف سيدار اللقاء، وما هي الأسئلة، كل شيء سيكون مسجلاً .. هذا لا يمكن أبداً، ويتصدى أبو أحمد للمهمة بنجاح !
الفناء الذي خصص للاستقبال واجتثت نخلاته وأشجاره ورُتّب.. شهد الكثير من المواقف الصعبة والخاصة والمحرجة، دموع من أمثال الشيخ عبد الرحمن العجلان، زيارة الشيخ إبراهيم الربيعان -رحمه الله- السيد الكريم الذي أصرّ ألا يخرج إلا بوعد ضيافة .. وكعادته .. ففعله فوق الكرم ودون الإسراف !
اتصالات هاتفية تبارك وتهنئ .. لأول مرة يسمع صوت الأستاذ عصام العطار الإنسان الداعية .. الذي أحبه وتأدب بشعره منذ الطفولة .
سيدة المنزل.. تعتني بالأدوية الشعبية التي تحافظ على صحته ليتمكن من مواصلة المهمة الطارئة بعيداً عن الأنفلونزا وعوارض الإجهاد فتنجح في ذلك وتساعدها خبرتها الطويلة في أداء الدور كأفضل ما يكون .
على مدى خمسة عشر يوماً لم يتوقف إلا لينام في ساعة متأخرة من الليل، ليعود في صباحه الباكر مرحباً مبتمساً، وصغيره " محمد " لا يفارق حجره كلما قعد، فإذا قام كان إلى جواره، إنه يصرّ على أخذ موقعه دون أن يسمح لأحد بمزاحمته.
هبة شعبية تصعب السيطرة عليها، وجلسات متصلة يتخللها حديث عابر عن مجريات الخروج، وإجابات مقتضبة عن أسئلة المستقبل، ووعود إيجابية، وحب ودعاء .
مسؤول الأمن يزور ويهمس أن الوضع غير مقبول، فيجيبه بأن الأمور سهلة، وكل شيء ينتهي في وقته، وليس ثمّ ما يدعو إلى التخوف .
مسؤول أعلى يتصل ليطلب رقم الحساب حتى يبعث بأعطية شهرية ريثما يتم ترتيب الأمور، فيبعث إليه بخطاب شكر ودعاء وإشادة بهذه المبادرة، ويؤكد له أنه بخير ولا يحتاج إلى المزيد!
جلسات خاصة قليلة على هامش الاستقبال، وفي ليل متأخر غالباً، ومع ضيوف قادمين من بعيد، يهمهم أن يسمعوا ويسألوا .. كان يتحدث عن سهولة الخروج وأنه ليس ثمّ معوقات دون العودة إلى العمل والنزول للميدان .
بدا أن بعض هذا الحديث نقل على غير وجهه، وكأن الموقف يعبر عن انتصار طرف أو هزيمة آخر، وأفلح الوسيط في إيضاح الصورة، وأن المقام لا يستدعي هذا إطلاقاً، والحديث عن خروج النزيل معززاً مكرماً، هو امتداح للمسؤول عن ذلك التعزيز، وانتهى الأمر .
هفت نفسه إلى السفر الذي أحبه، وزادته القيود شوقاً إليه، وأحس بأنه الآن يتوقف عنه باختياره، آن له أن يكتب لوحة على الباب يعتذر فيها عن الاستقبال لدواعي السفر، وأن يشد رحله بأهله إلى مكة معتمراً زائراً البيت الذي انقطع عنه ما ينيف على خمس من السنين، ثم إلى جدة سائحاً مبتعداً عن زحمة الناس وضجيجهم، متصلاً بخاصته ممن لا يملك نفسه حيالهم .. التقى صالح المرزوقي في غفلة من عين الرقيب، والتقى آخرين على رؤوس الأصابع .. عدداً، وعلى رؤوس الأصابع حذراً، الرقيب حاضر ومدقق .. لست تدري ماذا يحاذر؟
ذات مرة دخل إلى الصلاة ودخل وراءه الرقيب، تذكّر أنه على غير طهارة فانفتل من صلاته وذهب إلى مكان الوضوء .. هل سيعدّها الرقيب خداعاً من " المطاوعة " !
صاحب الفندق رحّب وبالغ .. بيد أنه تراجع حين عرف أن أجهزة للتنصت يجب أن توضع على الهاتف !
في المسجد وفي السوق التجاري وفي كل مكان تصادف وجوهاً تعرفها ولا تعرفها !
صديقه وتلميذه "عبد السلام" يصادفه في مسجد الشقق المفروشة ليسأله ماذا بعد ؟ فيتحدث إليه بأمل ووعد إيجابي .. لكنه يقرأ في عينه وملامحه تشكيكاً .. وكأنه يقول : ما خرجتم لتعودوا من جديد .. بل لتكونوا لأهلكم وأطفالكم فحسب !
القيود عادة هي تلك التي نصنعها من داخل النفس، نحن الذين نكبّل بها أرواحنا وعقولنا .. ليس غير ! انطلاقة الفكر والإبداع لا تستسلم للمعوقات أبداً أبداً أبداً .
وحينما قادته خطاه للسيارة قافلاً من جديد .. تناشد الأشعار والذكريات مع أبنائه وبناته وطارحهم محفوظه .. فربما كان عن شعر جاهلي أو إسلامي .. قديم أو حديث .. أو عن حوادث تاريخية أو معلومات وآثار .. فيتسابقون فيه مع الليل .
يعود إلى منزله ليحدد الاستقبال بثلاثة أيام أسبوعياً بعد صلاة المغرب، ويتحول المجلس إلى دروس منزلية ومطارحات فكرية وأحاديث التجربة .. والكثيرون حوله لا يفهمون هذا .. إنهم يسألون بإلحاح 
-متى يبدأ درس بلوغ المرام ؟
-الدرس يجب أن يبدأ دون تأخير .
-الناس تتساءل وتلح 
-اليأس بدأ يدب في نفوس الشباب !
أحدهم أراد أن يلحن في سؤاله لحناً وأراد للرقيب أن يفهم أنه سؤال فقهي فقال : "خسف القمر في أحد البلدان وطلع غير أنه لا ضوء له فماذا تفتيهم أن يفعلوا في مثل هذه الحالة؟!" فأجاب " لكل أجل كتاب .. ولكل خسوف جلاء ! ".
كانت الرؤيا تساعده على شهود المستقبل في العديد من الحالات، أم معاذ تراه في المنام يقول لها : إنه وجد قلمه الذي ضاع منه ! وبدأ يكتب به مجدداً .
يبتسم ويضع الرؤيا نافذة إيجابية، فالقلم صديقه ورفيقه الذي قاسى الغربة بفقده طوال تلك السنين، وهو يُعوّل على الكتابة كأداة للتعبير وتطوير الذات وكجسر للتواصل مع الآخرين أكثر مما يُعوّل على الأدوات الشفاهية !
رسائل جوال ومجموعة أخرى تحت الباب وثالثة في جيب السيارة وضغوط وتساؤلات .. كل ما يريده هؤلاء أن تعود الأمور التي اعتادوا عليها، يريدون أن يروا ازدحام السيارات عند الجامع، وأن يحدث اختلاط الأحذية عند الأبواب، وأن تعود حركة توزيع الإعلانات !
كان يجيب بأننا حيال تطورات إيجابية يجب أن نتعامل معها بأدوات جديدة تحقق لنا الرسالة دون أن تعني للطرف الآخر أنه لم يكسب شيئاً، ليست القصة عناداً أو تحدياً .. إنها أبعد من ذلك .
هذه المرة يأتيه استدعاء ويُبلّغ بأن ما تفعله ليس هو ما تم الاتفاق عليه !
يدرك بأن الخوف من تطور الأمور هو الحامل على مثل هذه التداخلات، وإلا فمجلس في المنزل لمئات، وحديث فكري وعلمي لا يعدّ مشكلة .
ينقل المجلس إلى مكتبه الجديد بحي الراجحي، ويؤطره بدروس محددة، في السيرة النبوية، وفي التفسير، وفي الفكر والثقافة، ويتزايد الحضور ليملأ الخيمة، ثم الفناء المحيط بها، والتسجيل المرئي حاضر للتوثيق .
يفضي الأمر إلى درس بلوغ المرام في الخيمة .. ليكون ذلك تمهيداً لأول محاضرة علنية تقام في جامع الراجحي المجاور لمكتبه، ويختار عنوانها " رسالة العصر ". 
حديث عن سورة العصر ومضامينها القيمية العظيمة، وحديث عن الحقوق والحفاظ عليها، حاول أن يتوازن، فنجح في مخاطبة الجمع الغفير الذي احتشد له هنا من جديد، وأصرّ على حضور التصوير الذي لم يكن يمر بسهولة في مسجد من مساجد بريدة، وكان هناك ما يشبه التهديد بإفساد الجو لكنه لم يأخذه مأخذ الجد .
التصوير والمحاضرة مرّا بسلام والرجل القوي سليمان الفهيد كان في طليعة الحاضرين الجاهزين لإجهاض أي صوت يحاول المساس بالهدوء العام !، وكان من بركة ذلك أن أعداداً لا يحصيهم من أنحاء العالم اتصلوا وأرسلوا يشكرون على محاضرة شاهدوها عبر شاشة التلفزيون السعودي تحت عنوان " رسالة العصر " .
ما بين السجن إلى التلفاز الرسمي كانت مسافة طويلة ؛ أخذت عدداً من السنين، وكانت انتقالاً تدريجياً وجريئاً في الوقت ذاته ؛ لديه بعض الوعي عما يفعل، ويترك أكثر ذلك لقدر الله الحكيم .
التساؤل الأهم لديه : إلى أي مدى سيقترب أو يبتعد عن سلطة تمسك بالزمام كله ؟ ويجدها أمامه في كل الطرق، وهو يؤمن بأن الضبط جزء من ضرورة الحياة ومصلحة المجتمع، وأن الأمن مكسب للشعب والسلطة معاً .
كما يؤمن بأن مهمة السلطة هي تنظيم الجهود وليس إجهاضها .
قرر أن يتعامل وفق الحكمة التي تقول : اجعلها كالنار .. إن ابتعدت عنها ضربك الصقيع، وإن اقتربت احترقت .. كلمة سهلة في نطقها، جميلة في صياغتها، عسيرة في تحويلها إلى برنامج أو مشروع، هو حاول وحاول وتحمّل أولئك الذين يريدون أن يفهموا رؤيته من موقف واحد يحاكمونه إليه ليصبح عندهم بوقاً، كما تحمّل آخرين أرادوا أن يفهموه من موقف واحد يحاكمونه إليه ليصبح عندهم خصماً أو معارضاً، أو صاحب رؤية " تكتيكية " .
وفاتهم أن الحياة ليست مسرحاً، والناس ليسوا دائماً " ممثلين".
من يفقد مصداقيته مع نفسه يفقد قدرته على الاستمرار والعطاء .