العمدة .. مهنة تقاوم الحداثة في السعودية

كتب بواسطة: عبدالحي شاهين | في الجهات الاربع . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :74 | عدد المشاهدات : 4907

العمدة .. مهنة تقاوم الحداثة في السعودية

نسخة للطباعة
مع التطور في شؤون الإدارة ونظم الحكم، قد لا يصدق الكثيرون أن منصب "العمدة" الذي عرفته السعودية في فترة باكرة من تاريخها، لا يزال باقياً، بل وفاعلاً بشكل واسع في بعض المناطق، وبخاصة في المنطقة الغربية (مدن الحجاز) وضواحيها، حيث يتمتع العمدة هناك بسلطات مقدرة، ويحظى باحترام واسع من قبل الأهالي.
وعرفت المملكة نظام العمد منذ عقود طويلة، وكان في بداياته أحد الركائز في تصريف شؤون مواطني الحي قبل أن يبدأ في التقلص تدريجياً بحلول الإدارة الحديثة والبلديات التي تولت معظم الوظائف التي كان يؤديها العمد في السابق، بيد أن ذلك لم يؤدِّ إلى إزالة ذلك النظام بشكل كامل؛ إذ لا يزال للعمد صلاحيات وسلطات في الأحياء، وبخاصة في تلك المناطق التي تفاعلت مع نظام العمد بشكل أكبر من غيرها مثل: مدن جدة ومكة والطائف، وهي مناطق عُرفت بعدد من العمد الأقوياء وذوي الصيت الواسع، كان لهم دور مقدر في ترسيخ مكانة العمد في مجتمعاتهم وفي بقية مجتمعات المملكة. 
وكان أول ظهور للعمدة أو مشايخ الحارات (كما هي التسمية في مناطق معينة) في مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر، وتقبل المجتمع ذلك النظام وتعاطى معه، وأثبتت التجربة أهميتها ونجاحها بمرور الوقت، مما حفّز على تطبيقها في مدن أخرى حتى وصلت إلى العاصمة الرياض.
ومع أنه لا يُعرف على وجه الدقة كيف نشأ نظام العمدة، إلاّ أن المملكة تبنت النظام وأسّست له بشكل رسمي، وأصدرت نظاماً يحدّد مهامهم ومخصّصاتهم، حيث صدر ملحق نظام العمد عام 1349هـ ليحدد مهام مسؤوليتهم، وما يقع ضمن محلتهم أو حارتهم، في حين زاد النظام الصادر عام 1363هـ والخاص بمديرية الأمن العام مهام العمد إلى مراقبة السجلات الشخصية والأشخاص المشبوهين، والإبلاغ عن حالات الوفاة المشتبه فيها وعن الدجالين والمشعوذين، وكُلّف العمدة بتقديم تقرير للشرطة كل (24) ساعة عما حدث بمحلته. وفي عام 1369 صدر النظام الثاني لمديرية الأمن العام وتضمن (32) مادة وفقرة لعمد المحلات شملت أغلب مواد النظام القديم بعد تنقيحها لتواكب المستجدات، وأُضيف إليها بعض المهام الجديدة. كما شمل النظام موادّ تنص لأول مرة على محاكمة العمد وأعوانهم في حالة إهمالهم أو قصورهم في أداء أعمالهم.
وللعمد أدوار مهمة وحيوية في المجتمع تزيد عن تلك المحددة في النظام، ومما يساعدهم على أداء هذه المهام كون المواطنين في الحي ينظرون إلى العمدة كواحد منهم حيث لا يتميز عنهم بزي معين كالشرطة مثلاً، على الرغم من أنه يقوم بمهام شبيهة بما يقوم به رجال الأمن في أكثر الأحيان، هذا إلى جانب أن العمدة كان يعتبر مستشاراً بالنسبة للمواطنين حتى في مشكلاتهم الشخصية فكسب مودتهم واحترامهم، وقد أعطى ذلك العمدة قدرة على حل الكثير من الإشكاليات الاجتماعية والأمنية في الأحياء التي يعملون بها، حتى جاء الوقت الذي اعترف بهم وبما يقومون به من أدوار بشكل فعلي، ليتقنن وجودهم، وتتمدّد مهامهم هذه المرة بدفع من السلطات المختصة وتحت إشرافها. 
لكن مع كل ذلك فإن كفاءة عمل العمد ليس على وتيرة واحدة؛ فهناك مناطق للعمد فيها دور مهم وملحوظ، والعمدة فيها شخصية مرموقة، بعكس مناطق أخرى يجد المواطن فيها مشقة للوصول إلى العمدة ومعرفة شخصيته عند الاحتياج لمعاملة من اختصاص ذلك العمدة، وتعتبر الرياض من المدن التي يغيب فيها دور العمدة بشكل واضح، بعكس مدينة جدة على سبيل المثال، ففي أحياء الرياض الشرقية كان البحث عن العمد ومعرفة أماكن تواجدهم أمراً شاقاً بالنسبة لمعد هذه المادة، فكانت الإشارة واضحة بأن دور العمدة شبه غائب أو مغيب لأسباب غير معروفة حتى الآن، على أساس أن هناك نظاماً قانونياً واضحاً أقر بالوجود الفعلي للعمد، وحدد اختصاصاتهم.
ويعتبر أحد الباحثين الاجتماعيين المهتمين برصد التحوّلات الاجتماعية في المملكة أن نظام العمد عُرف في منطقة الحجاز، وتفاعل معها المجتمع بشكل كبير، ولا يزال للعمدة سلطته وسطوته في تلك المناطق، لكن بالنسبة لمنطقة الرياض فنظام العمد وافد إليها، على الرغم من كونها شهدت أنماطاً مشابهة للعمد في سابق تاريخها، ولذلك لم يعتد المجتمع على التعامل مع العمد بالشكل الذي شهدته جدة، فكان طبيعياً أن يغيب العمدة وسط التطور التقني والإداري الحاصل الآن، مؤكداً أن الفترة بين ازدهار دور العمدة وغيابه في منطقة العاصمة الرياض هي فترة قصيرة للغاية، لذلك كان نسيانه أو تجاهل دوره سهلاً بالنسبة لسكان الرياض، فهو لم يتغلغل في النسيج الاجتماعي للمجتمع المحلي، ولم يرتبط بأذهان المواطنين بالماضي وعبقه، كما في المناطق الأخرى.
وفي جدة حيث معقل نظام العمد، كان العمدة يصل إلى منصبه توارثاً في البداية، لكن في فترات لاحقة اعتمد التعيين في منصب العمدة، فوفد إلى هذه المهنة مجموعات كبيرة من الشباب المتطلع إلى القيام بأدوار في الأحياء التي يقيمون فيها. ولكن مع ذلك هناك بعض الاستثناءات في طريقة التعيين حيث درجت بعض الأحياء في جدة على الإبقاء على منصب العمدة في العوائل التي اشتهرت بهذا المنصب، وعُرف عنها تفانيها واقتدارها في القيام بالمهام الموكولة إليها، ويعتبر العمدة (عبد الصمد محمود عبد الصمد) أحد أشهر العمد الموجودين في المملكة حالياً، وقد ورث منصب العمدة من أبيه الذي ورثها من أجداده لتصل السلسلة حتى الفترة العثمانية في مدن الحجاز، حيث أعطت جدهم الأكبر هذا المنصب في حي اليمن والبحر أحد الأحياء التاريخية والقديمة في مدينة جدة، والعمدة عبد الصمد لا يعتبر بين أهالي حيه عمدة فحسب بل هو راوٍ لتاريخ الحي وتاريخ جدة القديم بشكل عام، كما أنه دليل سياحي لكل المناطق التاريخية في المنطقة، إضافة إلى معرفته التامة بأنساب سكان جدة القديمة، وهو بمعرفته تلك وبالطريقة التي يدير بها عمله، يعتبر نموذجاً معاصراً لما كان عليه العمدة في مناطق جدة في سابق أيامها. حيث جمع بين الحنكة والمهارة في عمله وبين العلم والمعرفة بمنطقته وأهله، وهو تدرج في سلك التعليم حتى حصل على البكالوريوس في علم الاجتماع، وتنقل في الأعمال الإدارية قبل أن يرث العمودية من أبيه، ولا يشابه العمدة (عبد الصمد) في مميزاته تلك سوى قليلين من العمد منهم هشام عمر أبو العينين عمدة حي البغدادية الغربية التي تعتبر كذلك أحد أحياء جدة الشهيرة، وأبو العينين الذي يلبس العمامة الحجازية، ويجلس في (المركاز) ويقضي حوائج أهل حارته، تماماً كما كان يفعل آباؤه وأجداده من العمد في العقود الماضية.
ويتحدث عمدة حي الجميزة أقدم أحياء مكة المكرمة ظافر البيشي من "مركازه" عن دور العمدة قديماً وحديثاً قائلاً: إن دور العمدة اليوم اختلف كثيراً عما كان في السابق عندما كان بمثابة الحاكم للحارة التي يقوم عليها، وكانت له هيبة في الحي، أما اليوم فقد "أصبح دوره أمنياً واجتماعياً بصفته حلقة وصل بين المواطن والجهات الحكومية، وقد تراجعت هيبته لدى الجيل الحالي؛ لأن مفهوم العمدة لديهم اختلف عما كان عند الآباء السابقين، فتجد كبار السن اليوم يقدّرون العمدة ويضعونه في منزلة مرتفعة لديهم ويتعاملون معه بكل احترام، ويستمعون له وكذلك يفعل بعض الشباب".
       ويضيف: "كان هناك ما يُسمّى بـ “سجين العمدة” بحيث إذا أقدم أحد سكان الحي على مشكلة يقوم العمدة بإرساله مع مندوبه إلى قسم الشرطة فيسجن، ويُسمّى سجين العمدة بحيث لا يطلق سراحه إلاّ بأمر منه، ولكن هذا الإجراء لم يعد اليوم موجوداً؛ لأن ذلك من اختصاص الأقسام، أما العمدة فدوره اقتصر على الإبلاغ عن أي حالة".

مركاز العمدة.. برلمان شعبي من التاريخ
هو المكان الذي يجلس عليه العمدة، ويُسمّى أحياناً دكة العمدة، وتتم فيه مناقشة كل ما يتعلق بأمور الحي واحتياجاته، بالتشاور بين وجهاء وأعيان ومشايخ الحي، وهو مستودع أسرار العوائل وأحوالهم، ويباشر مهامه في رصد الحالات الفقيرة والأرامل وتسجيل المحتاجين من أهل الحي لدى الجهات والجمعيات، ويناقش احتياجات الحي لدى الإدارات الحكومية.
ومركاز العمدة أشبه ما يكون بالمحكمة المستعجلة، وحكمه نافذ على أبناء حارته، ويحكم العمدة ورجال الحارة على المخطئ بـ "القود"، فيذبح من كان الحق عليه عدداً من الخرفان يُتّفق عليه، وأحياناً يتحمل العمدة ما يُسمّى بالغرم في القضايا المالية أو تكاليف القود.
ويجذب المركاز مختلف سكان الحي من الفئات العمرية المختلفة؛ فكبار السن يسترجعون من خلاله ذكريات الزمن الجميل، كما أنه يستهوي الشباب ممن يرغبون في التعرف على أوضاع الحي وأخباره. وفي الوقت الحاضر تقلص عدد "المراكيز"، وبالذات في منطقة مكة المكرمة التي اشتهرت به؛ إذ إن التخطيط الحضري لبعض الأحياء لم يراعِ البعد الاجتماعي في بقاء مركاز العمدة، فاستبدل البعض المراكيز في الحارات المكية باللجوء إلى المقاهي والاستراحات، والتي أصبحت مكاناً للعب البلوت والتسامر لا أكثر.