خليل الدليمي: صدام ظل راضياً عن تاريخه حتى لحظة إعدامه

كتب بواسطة: سارة علي | في الجهات الاربع . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :74 | عدد المشاهدات : 2358

خليل الدليمي: صدام ظل راضياً عن تاريخه حتى لحظة إعدامه

نسخة للطباعة
رغم مرور ما يقرب من أربع سنوات على إعدامِه، إلا أن الأيام الأخيرة للرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتفاصيل محاكمته الشهيرة ما زالت يكتنفها الكثير من الغموض، إذ يشعر الكثيرون بأن ما أعلن لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من حقيقة ما حدث، وفي هذا الحوار مع المحامي خليل الدليمي رئيس هيئة الدفاع عن صدام تحاول "الإسلام اليوم" إطلاع جمهورها على جانب من هذه التفاصيل الغامضة.
الدليمي تطرَّق خلال الحوار إلى بداية معرفتِه بصدام، حيث أنه لم يكنْ قد قابلَه من قبلُ أي خلال وجودِه في الحكم، ومع ذلك فإن العلاقات توطَّدَت بينهم خلال المحاكمة، بحيث أصبح الدليمي المحامي الأقرب لصدام، مما مكَّنَه من مقابلته 144 مرة، بينها 70 مقابلة على انفراد، كما أشار الدليمي إلى أن هناك أمورًا استمعَ إليها من صدام لكنها تعدُّ بمثابة أمانة لن يستطيع الكشف عنها، إضافةً إلى أمور أخرى لا يمكنه الكشفُ عنها بسبب أخلاقه وتقاليده العشائريَّة.
الحوار مع الدليمي تناول كذلك موقف صدام حسين من المحاكمة، وهل كانت يتوقع أن تنتهي بإعدامه؟ وهل كان الشعور بالندم يسيطر عليه خلال تلك الأيام أم أنه كان يعتقد بصواب ما فعَلَه أثناء وجودِه في الحكم؟ هذه التفاصيل وغيرها تجدونها في نص الحوار.
 ما الذي دفعكَ إلى قبول الترافع عن الرئيس الراحل صدام حسين, ألم تتخوَّفْ من ردّ فعل جهات تحكم العراق في ضوء الاحتلال خاصة أنك وقتها كنت تعيش في العراق؟
لم أكن أعرف الرئيس صدام سابقًا ولم ألتقِ به، وقد شاءت الأقدار أن ألتقيَه أسيرًا, وكل ما وقع على العراق غير إنساني وغير قانوني ومجافٍ للحقائق من حيث الأسباب والدوافع، فضلًا عن مزاعم أمريكا الباطلة بشأن ما حصل من غزو واحتلال وتدمير وإهانة للشعب العراقي ولرموزه وقيادتِه بغضّ النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع ما حصل من أخطاء لا يمكن قبولها أو السكوت عنها.
وبالتالي لا يمكن أن ننثر الورود على أبناء أمريكا من اللقطاء , فما دفعني هي دوافع وطنيَّة وإنسانيَّة ودينية، فلا ننسى أن أمريكا دولة كافرة ومجرمة ودولة مستهترة بكل القيم والقوانين، وكذلك دافع قيم الرجولة كان من بين أهم الأسباب التي دفعتني لما أقدمتُ عليه.

محكمة صوريَّة
 كم محامٍ توكل للدفاع عن الرئيس ولمن كان يبوح بالحقيقة أكثر؟ ومن كان أقربهم إلى نفسه؟ ولماذا؟
آلاف المحامين تطوَّعوا للدفاع عن الرئيس صدام وكافة الأسرى، وكان نصيب الأردن هو الأكبر، فقد تطوَّع من الأردن وحده أكثر من 1800 محامٍ.
 هل تعتقد أن إجراءات المحاكمة كانت عادلةً أم أنها مجرد استغلال إعلامي لإشعار العراقيين أن المحاكمة كانت تمتازُ بروح العدالة والشفافية؟
كانت محكمة صوريَّة للغاية، وكانت النتيجة متوقَّعَة من قِبل الرئيس منذ أول مقابلةٍ لي معه، حيث أخبرني أن هؤلاء جاءوا لتدمير العراق ونهب خيراتِه وإعادة ترتيب أوراقِهم في المنطقة والعالم، ثم إعدامه, وهنا قد يثور سؤال: لماذا حضور المحامين؟ الرئيس قال: إن المحكمة ستمضي بإجراءاتها المخطَّط لها من قِبل أمريكا وإيران, بوجود المحامين أو بعدم حضورهم، ولكن -والقول له- حضور المحامين يكشف ويفضح انتهاكاتِها وفظائعها من داخلها، كما طلب منا وجود هذه التشكيلة المتنوِّعة من المحامين العراقيين والعرب والأجانب, لإظهار العُمْق الوطني والعربي والإنساني الذي يقفُ خلفَ الرئيس، وكان لهذا دوافع إنسانيَّة واعتباريَّة كبيرة للرئيس، حيث كان -رحمه الله- يقدر المعاني العالية لذلك, أما إظهار بعض أجزاء المحاكمة في التلفاز فقد كان لذرِّ الرَّماد في العيون، وكنا واعين لذلك، بل وظَّفْناه لمصلحة القضية.

علاقة وطيدة
 كم مرة جلست مع الرئيس السابق؟ وما أهم محاور الحديث التي كانت تدور بينكما؟
جلستُ مع الرئيس 144 مرة، منها أكثر من 70 لقاءً منفردًا، بل أكاد أكون المحامي الوحيد بين زملائي الأفاضل الذي يلتقي بالرئيس منفردًا بناءًا على طلبِه، كوني أول محامٍ أقابله، وثانيًا لأني رئيس هيئة الدفاع، وللثقة الكبيرة التي بُنيت بيني وبين الرئيس.
أما محاور الحديث فكانت ثلاثَة محاور أهمها وأولها ما يتعلق بالعراق وواقع حاله ومستقبله وكل ما يتعلق بذلك, وثانيًا أمور إنسانيَّة كثيرة وأقلُّها سؤال الرئيس عن عائلتِه وتواصله مع بعض الشخصيَّات, وثالثًا -وهو الأقل- ما يتعلَّق بالمحكمة وإجراءاتِها وفصولها التي لا تنطلي على أحدٍ، وكان نقاشُنا عن المحكمة لا يتعدى دقائقَ معدودة.
 هل كان الرئيس السابق نادمًا على ما ارتكبَه بحق العراق والعراقيين أم أنه كان راضيًا على مسيرتِه في حكم العراق؟
أعتقد أن كل إنسان إن كان زعيمًا أو شخصًا عاديًّا في نهاية المطاف فإنه سيدخُل في مرحلة تقييم الذات وما قدَّمَه وما لم يقدمْه، وكل إنسان يقدِّم كل ما بوسعه ليُرضيَ ضميرَه، وقد أكَّد الرئيس -رحمه الله- أكثرَ من مرة لي وحتى لزملائي أنه راضٍ عن مسيرتِه وما قدمه، وأنه سيلاقي ربَّه بنفسٍ آمنةٍ مطمئنة وهو مرتاح الضمير، هذا ما كان يؤكِّدُه دائمًا.
**ما أهم نقطة تطرَّق إليها الرئيس السابق في أحاديثِه معك وتفاجأت بها؟
لأني لم ألتق الرئيس أثناء فترة حكمِه ولم أتعرفْ عليه وعلى شخصيتِه عن قرب فقد تحدثنا في كل شيء، لكن ما لم أكن أتوقعُه -وهذه للأمانة وللتاريخ- هو أنني لم أكن أتصوَّر أنه شجاع للحدِّ الذي عايشتُه بنفسي في مواقف كثيرة أثناء أسْرِه, ولا أُخفي أني تفاجأت ببعض ما سمعتُه منه, بعضه سأبقى أمينًا عليه ما حييت، أما فيما يتعلَّق بجوانب شخصيتِه فإن تقاليدي العشائريَّة وتربيتي وأخلاقي لا تسمح لي إلا أن أكون أمينًا عليه.

علمانيَّة مختلفة
 المعروف أن صدام حسين حكم العراق حكمًا علمانيًّا وكان يؤمن بهذا الفكر فهل تحوَّل ليصبح إسلاميًّا في آخر حياته؟
عدم زجّ الدولة في الدين هو الطريقة الأمثل لحكم العراق بسبب تنوعِه وفسيفسائِه البشري، والعراق من حيث طريقة حكمِه لم يكن علمانيًّا بمعنى العلمانيَّة التي قد تصلُ لدرجة الإلحاد، ولكن العراق كان وسيبقى بلدًا مسلمًا مؤمنًا عربيًّا إسلاميًّا ضمن محيطه العربي والإسلامي ويتفاعل مع الجميع، وبالتأكيد فإن تحولًا كبيرًا حصل في تسعينيات القرن الماضي، حيث قاد الرئيس أكبر حملة إيمانيَّة، بدأ فيها بكوادرِه ونخبه، وكانت واضحةً لكل أبناء العراق وقد تبلورتْ أكثر الصفة الإيمانيَّة في شخصية الرئيس أثناء أسْرِه، وكان ذلك واضحًا بالنسبة لي ولزملائي.
 هل استشفَّيْتَ من خلال أحاديثكم مع الرئيس صدام حسين بوجود ارتباطٍ بينه وبين تنظيم القاعدة أو كانت له يدٌ في أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟
على الإطلاق لا يوجدُ أي ارتباطٍ بين تنظيم القاعدة وبين نظام حزب البعث القريب للعلمانيَّة بل كان العداء واضحًا وجليًّا والعراق بريءٌ بالمطلق من مسرحية 11 سبتمبر التي رسمتْها وحاكتها بدقَّة وعناية أجهزة السي آي إيه وألصقت بالعرب والمسلمين، والغايةُ منها هو احتلال العراق فيما بعد، وهذا ما حصل, وقد نفت الإدارةُ الأمريكية والمخابرات الأمريكية أي علاقة للعراق لا بالقاعدة ولا بمسرحية 11 سبتمبر التي لا تنطلي إلا على المجانين.
 كيف كان ينظر صدام إلى مستقبل العراق بعده وهل نظرتُه كانت صائبةً في ذلك؟
كان متفائلًا، لكنه كان يؤكِّد أن العراق سوف لن يعودَ ليحكم بالطريقة ذاتها تمامًا التي كان عليها نظام وطبيعة الحكم قبل الاحتلال، لكنه كان واثقًا تمامًا من أن الأمريكيين سيُهزمون في نهاية المطاف وسينسحبون مرغمين من العراق.

الندم
 كيف كانت حالته المعنوية ولا أقصد التي كانت تظهر للإعلام، بمعنى هل كان ما يظهر هو نفس المستوى من المعنويَّات في حديثِه معكم أو الذي لم يكن يظهر للإعلام؟
كانت معنوياتُه عاليةً جدًّا وكانت الشخصيَّة القياديَّة بارزة على كل تصرفات الرئيس، حيث كان يتصرَّف وكأنه لا زال رئيسًا للعراق فعلًا، وقد اعترفَ بقوَّة شخصيتِه حتى بعض (قضاة المحكمة).
 بعد صدور الحُكْم هل توقع أن تكون نهايته هكذا، هل كان راضيًا عنها؟
نعم كان يتوقع النتيجة وكان راضيًا عن ذلك وعن مسيرتِه.
**هل كان نادمًا على فعل ما؟ أم أنه كان راضيًا عن تاريخه؟
محاسبة النفس واجبة على كل مسلم وسبحان من لا يخطئ، نعم كان راضيًا عن تاريخه وكان يهتم بالتاريخ أكثر من اهتمامه بأي شيء آخر.
 برأيك لماذا لم يتمّ استدعاء المحامين أثناء تنفيذ الحكم؟
المخالفات خلال المحاكمة لا تُحصى ولا تعدّ، وفاقد الشيء لا يعطيه، والمحكمة ورموزها بيادق شطرنجيَّة بيدِ المحتل ولم تقتصرْ الانتهاكات على عدم استدعاء المحامين، حيث كان من المفروض السماح للمحامين، وفي أضعف الإيمان السماح لي كوني رئيس هيئة الدفاع بالحضور على الأقلّ لمراقبة إجراءات التنفيذ، ولكنَّ الإصرار المسبق على الإيغال والتشفِّي وانتهاك الحقوق الإنسانيَّة ضرب عرض الحائط بكل ذلك، والأبشع إعدام الرئيس خلافًا للقوانين في يوم من أقدس أيَّام المسلمين وفي صبيحة عيد الأضحى، وبطريقة يَنْدَى لها جبين الإنسانيَّة.

تجارب ودروس
 بماذا خرجتَ كمحامٍ وإنسان من تجربتِك في المرافعة عن رئيس حكم العراق لسنوات طوال وهل أَسَرَّ الرئيس لك بسرٍّ طلب منك عدم البوح به إلا بعد مماته؟
خرجتُ بتجارب غنيَّة جدًّا لا تقتصر على الجانب المهني، حيث خرجتُ بدروس في الحياة لا تحتويها كتبٌ ولا مجلدات, وبعضها يمكن أن يكون دروسًا غنيَّة للقادة والزعماء، وخاصةً الزعماء العرب، تنفعهم في السياسة وفي الحياة اليوميَّة.
 قيامُكم بتأليف كتاب يتحدث عن جلساتكم مع الرئيس السابق, ألا ترى في ذلك خروجًا على مهنيَّة المحامي في الحفاظ على أسرار موكلِه؟
الكتاب الذي تم نشرُه تحت عنوان (هذا ما حدث) هو في محتوياته ليس للأرشفة، بل كان في مجمله أحاديث أراد بها الرئيس أن تخرج للعَلَن ليطلع العالم على حجم التزوير، وكان الهدف الوحيد هو إطْلاع الرأي العام، وليس الهدف الغايات الماديَّة التي لم يحققْها الكتاب أصلًا بسبب التقليد والتزوير الواسع النطاق الذي طاله.. فلم يسددْ تكاليف طباعته، وهذه حقيقة أعلنها للمرة الأولى.
بل إن عدم إطْلاع الناس على حقيقة ما جرى هو بحدّ ذاتِه خيانةٌ للشرف وللمهنة وخيانة للأمانة، لا سيَّما أن قضية الرئيس هي قضية العراق، وما حصل من قتْل ودمار وتدمير لم يقتصر على الرئيس وإنما طال العراق شعبًا وبنيةً وكيانًا، والواجب المهني والأخلاقي يحتِّم علينا وعلى كل زملائي أن يظهروا الحقيقة ليفضحوا أباطيل ومزاعم أمريكا المجرِمة, وما حصل لا يتعلق بشخص الرئيس فقط وإنما ارتبط به وطال كلَّ شيء.