خالد الرديعان: التنابذ الطائفي والتصنيفات الفكرية أهم شواغل الرأي العام

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :74 | عدد المشاهدات : 3374

خالد الرديعان: التنابذ الطائفي والتصنيفات الفكرية  أهم شواغل الرأي العام

نسخة للطباعة
قال الخبير السعودي في الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع الدكتور خالد بن عمر الرديعان إن الرأي العام في المملكة يتشكل من خلال آليات مختلفة، منها الإعلام المحلي والعالمي والدعاة والمثقفين، وإن عاب على الأخيرين (أي المثقفين) ميلهم للاستقطاب الايديولوجي الحاد، الشيء الذي يجعل المواطن العادي يقع ضحية لهذه التصنيفات ما بين محافظ وليبرالي.
ورأى الرديعان في حوار معه عن الكيفية التي يتشكل بها الرأي العام في المملكة من خلال وجهة نظر اجتماعية، أن الوسائل التقنية الحديثة تتمدّد باستمرار باتجاه تصدر الآليات المشكلة للرأي العام في المملكة، وبخاصة وسط فئة الشباب الأكثر استعمالاً لهذه التقنيات، وشدّد على أن الرأي العام يمكن أن يوجه ويؤثر عليه من خلال وسائل مختلفة، وأنه ليس في ذلك مشكلة، بيد أن المشكلة تحدث عندما يُلجأ إلى تضليل هذا "الرأي العام".
 ما القضايا التي تتصدر اهتمامات الرأي العام السعودي في الآونة الأخيرة.. وما دلالات الاهتمام بها من وجهة نظركم؟
هناك مجموعة من القضايا التي يهتم بها الرأي العام السعودي، سواء على المستوى الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الأمني أو حتى على المستوى السياسي والدولي.
فعلى المستوى الاجتماعي فإن قضية المرأة تظل ذات أهمية بالغة، وخاصة ما يتعلق بعمل المرأة وبروز الجدل الاجتماعي حول قضية الاختلاط التي تعكس في جانب منها مشكلة إيجاد فرص عمل للمرأة في ظل ثقافة محلية تجنح نحو المحافظة فيما يتعلق بعمل المرأة، وما هو مقبول من عمل للمرأة، وما كان غير ذلك. ومن القضايا ذات الصلة بالمرأة ما تثيره الصحف حول الصعوبات التي قد تواجهها النساء مع المحاكم والتقاضي، إضافة إلى قضية زواج القاصرات والجدل حول ذلك، وتأخّر زواج الجنسين والفتيات بوجه خاص، وما يصاحب ذلك كقضية عضل الفتيات من قبل بعض الأولياء. 
وعلى هامش كل ذلك تقف مشكلة الطلاق التي تُعدّ بحق مقلقة بسبب ارتفاع معدلات الطلاق مما أعزوه شخصياً إلى عدة عوامل ومنها العامل الاقتصادي. ومما يُثار على المستوى الاجتماعي والتربوي كذلك قضية المناهج المدرسية ومخرجات التعليم ومدى ملائمتها للجيل الجديد. 
أما على المستوى الاقتصادي المحلي فإن قضية البطالة وندرة فرص العمل في القطاع الحكومي عموماً تظل ذات أهمية بالغة بالنسبة للفئات الشابة من الجنسين، بل إنها تتصدر جميع الاهتمامات بسبب تأثيرها المباشر على رفاهية الأسرة السعودية، وبسبب زيادة أعداد الخريجين والخريجات ممن لا يجدون عملاً بسهولة ويسر، كما كان الحال عليه قبل عقدين. وغنيّ عن الذكر أن المشكلة هي أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالخريجات؛ فنسبة البطالة فيما بين الفتيات مرتفعة مقارنة بالذكور، مما يستلزم عمل شيء ما بهذا الخصوص. وعلى هامش العامل الاقتصادي يتبلور رأي عام حول الفساد الإداري والمالي ومدى استشرائه في السنوات الأخيرة، ربما بسبب الظروف الاقتصادية.
وعلى المستوى السياسي فإن قضية المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية تُعدّ ذات أهمية بالغة؛ فهي تشغل بال الجميع، وتولّد شعوراً بالإحباط لدى الجميع بسبب التعنت الإسرائيلي والاستمرار في بناء المستوطنات، في ظل العجز العربي الكبير عن تقديم رؤية حاسمة حيال هذه القضية. أيضاً فإن ما يجري في العراق وصعوبة تشكيل حكومة يشغل بال الجميع، ناهيك عن الوضع في السودان، واحتمال تقسيمه إلى دولتين شمالية وجنوبية. أعتقد إن هذه القضايا هي محور اهتمام الرأي العام في المملكة.
وفي النهاية يجب أن أشير إلى أن قضية التطرف بشتى صوره دينياً وفكرياً والإرهاب والتنابذ الطائفي والتصنيفات الفكرية هي أيضاً من القضايا التي تشغل الجميع، مع أننا نلاحظ انحساراً نسبياً للتطرف، على الرغم من بروز أصوات بين الفينة والأخرى تؤجج الخلافات المذهبية عند الجمهور، ما يستوجب القول إن هناك الكثير مما يتطلب القيام به لتفكيك بنية التطرف، وإشاعة جو من التسامح الاجتماعي، وتقبل المختلف ومناقشة أطروحاته دون تشنّج، ومن ثم إعادة التوازن للمجتمع بجميع أطيافه دون أن يعلو صوت على الآخر، مع الاحتكام إلى الثوابت الوطنية التي يستظل تحتها الجميع.
 ما العوامل "الاجتماعية" التي تلعب دوراً بارزاً في تشكيل الرأي العام من وجهة نظر علم الاجتماع؟
أعتقد بوجود ثلاثة عوامل تلعب أدواراً مهمة في تشكّل الرأي العام المحلي؛ هي العامل السياسي الخارجي، والعامل الاقتصادي الداخلي، وتأثيرات التكنولوجيا، وخاصة وسائل التواصل البشري.
فعلى المستوى السياسي الخارجي فإن منطقتنا العربية غير مستقرة تماماً، وهناك قوى خارجية طامعة، و يهمها زعزعة الوضع العربي، مما ينعكس على موقف الشعوب العربية، ومن ثم اتخاذ الأفراد مواقف تجاه ما يحدث. وأستطيع القول إن كل عربي هو "مسيّس" بطبيعته، بسبب ما يسمعه وما يراه يومياً في نشرات الأخبار ومما يجري حوله. 
ولذلك تتشكل لديه قناعات، ويتولد لديه رؤية يمكنك تسميتها على المستوى الجماعي "رأي عام". أعتقد بهذا الخصوص أن أي طالب أو طالبة في الثانوية العامة اليوم يستطيع إعطاءك معلومات - وان لم تكن كافية - مثلاً عن منظمة حماس الفلسطينية والمنظمات الأخرى، ولديهم آراء حول ما يجري في العراق واليمن والسودان والصومال.
أما العامل الاقتصادي المحلي فإنه محرك رئيس لكثير من القضايا الاجتماعية. لقد أشرت آنفاً إلى أن كثيراً من قضايا المرأة ذات علاقة وثيقة بالنواحي الاقتصادية (فرص العمل، البطالة، الاختلاط،...)، وبالتالي فإن الحراك الاقتصادي ووطأة الظروف الاقتصادية تساهم بشكل مباشر وغير مباشر في تشكّل رأي عام حول كثير من القضايا المحلية. 
أما عامل التقنية (التكنولوجيا) فإن مجتمعنا السعودي يمر بحراك اجتماعي سريع، وخاصة بعد ثورة المعلومات ووصول الإنترنت إلى كل بيت ومكتب، والانفتاح الإعلامي والقنوات المختلفة؛ فهو لم يعد معزولاً، ومن ثم فإن هناك الكثير من الوسائل التي تساهم في صنع رأي عام، أو تساعد على تشكّله بسبب تعدّد مصادر المعلومات، الأمر الذي لم يكن متوفراً في السابق.
 ما هي الوسيلة التي تفضلون - كنخبة مثقفة – أن يتم تعزيز دورها في صياغة الرأي العام في المملكة؟
أعتقد أن هناك عدة وسائل تساهم في تشكيل الرأي العام، لعل أهمها وسائل الإعلام، وتحديداً التلفزيون ثم الصحافة. وبالطبع فإنه لا يمكنني إغفال دور الإنترنت بحكم تنامي استخدامها من قبل معظم الشرائح الاجتماعية بصرف النظر عن مستوياتها التعليمية. إلاّ أنني أركز على التلفزيون بسبب اتساع القاعدة الجماهيرية التي تشاهده، ومن ثم يفترض أن نقوم بتعزيز دور هذا الصندوق السحري بسبب قدرة الأفراد على تلقي المعلومات من عدة قنوات مختلفة، سواء كانت سعودية أو غير سعودية. وحقيقة فإنه يحزنني انصراف البعض عن قنواتنا المحلية بسبب عدم قدرتها على المنافسة واستخدامها لغة قديمة لا تناسب العصر أحياناً، ولا تراعي التحولات الاجتماعية والتقنية التي حدثت في العقدين الأخيرين. صحيح إن هناك جهوداً طيبة لا يمكن إنكارها، وهناك درجة واضحة من الانفتاح الإعلامي والشفافية، إلاّ أن ذلك غير كاف؛ إذ لابد من جذب المشاهد من خلال تقديم مادة مناسبة تتسم بالصدق والموضوعية والبعد عن المبالغة وملامسة هموم المواطن حتى تستطيع القنوات الوطنية أن تكون أداة فاعلة في صنع رأي عام مستنير بعيداً عن التضليل.
أما الصحافة فإنها تقوم بدور حيوي في تشكيل وصياغة الرأي العام، بشرط أن يكون تركيزها على القضايا العامة التي تهم المواطن في المقام الأول، بدلاً من أن تكون ساحة للصراعات الفكرية والمعارك الجانبية. صحافتنا أحياناً تصنع بلبلة بسبب توجهات الكتّاب مما يجعل القرّاء قادرين على تصنيفهم على أساس فكري؛ فهذا كاتب ليبرالي، وهذا كاتب محافظ...الخ ذلك من التصنيفات التي لا تخدم أحياناً القضية المطروحة. 
إضافة إلى كل ذلك فإن هامش الحرية المتاح في الصحافة المحلية، و على الرغم من أنه وللأمانة جيد، إلاّ أنه لا يزال غير كاف، وكثير من القضايا التي يُنشر عنها لا يتم متابعتها لاحقاً بسبب بعض القيود التي تُفرض على ما يجب نشره، وما يجب التوقف عنده. يلزم بهذا الخصوص توسيع هامش الحرية في الصحافة شريطة أن يصاحب ذلك بلورة "كود" أخلاقي "واضح" للمهنة، بحيث يعرف الصحافي ما له وما عليه، ومتى يكتب ومتى يتوقف.
 الوسيلة التي تعمل على صياغة رأي عام حول قضية شرعية مثلاً هل تصلح لأن تلعب ذات الدور بالنسبة لقضايا سياسية أو ثقافية مثلاً؟ 
يقوم بعض الصحافيين أحياناً بتناول قضايا شرعية هي مثار جدل، لكن قد لا يستطيعون الإلمام بتفاصيل القضايا المطروحة، وقد يلجؤون إلى تسطيح الموضوعات وعدم عرضها بطريقة مناسبة ومقنعة مع وجود استثناءات بالطبع. ومن ثم فإنني أميل إلى فكرة التخصص. ألاحظ مثلاً أن الصحافة أحياناً تلجأ إلى تناول بعض القضايا الشرعية دون عمق وإلمام بسبب عدم تخصص الكتاب أو لجوئهم إلى التشفي وربما تصفية الحسابات مع خصومهم، وهذا عمل غير جيد، ولا يخدم القضية المطروحة، بل إن ذلك قد يخلق ردود فعل سلبية. وعليه فإن القضايا الشرعية تحديداً يجب تناولها من قبل متخصصين سواء في الصحافة أو في الوسائل الأخرى، شريطة إفساح الرأي للجميع (من ذات التيار) وعدم الاقتصار على رأي واحد. قضية الاختلاط على سبيل المثال أثارت كثيراً من البلبلة بسبب عدم إفساح المجال للشرعيين ممن قالوا بجواز ذلك، ومن ثم كان التركيز على من قالوا بعدم الجواز. في مثل هذا الحال فإنه تمت مصادرة عقل المتلقي، وعدم إعطاء جميع وجهات النظر للمدارس الإسلامية التي تناولت الاختلاط.
إن وجود أكثر من وجهة نظر في الموضوع وتنوّع الاجتهادات في المسألة سيساعد حتماً على صنع رأي عام مستنير تجاه القضية يكون مبنياً على اعتبارات ربما كانت علمية ومقنعة، بدلاً من الانسياق وراء رأي أحادي ينكر ويسفه الآراء الأخرى. هناك بالطبع ثوابت شرعية لا يجوز المساس بها، ويترك أمرها للمتخصصين فقط.
** الرأي العام ومعرفته وقياسه هل يعطي الباحثين الاجتماعيين والاقتصاديين معلومات مهمة تفيدهم في التخطيط الاجتماعي واقتراح حلول للمشكلات الاجتماعية؟
      بالتأكيد فإن الرأي العام يُعدّ بمثابة "بوصلة اجتماعية" للباحث والمهتم بالشأن الاجتماعي، شريطة أن يكون هذا الرأي مبنياً على أسس سليمة، وهو ما لن يتحقق إلاّ من خلال دقة وصحة المعلومات التي يتأسس عليها الرأي العام ابتداء. وحقيقة فإن معظم البحوث والدراسات الاجتماعية التي يتم إجراؤها في الجامعات إنما تستمد زخمها مما يُكتب في الصحافة، ومما تتناوله وسائل الإعلام؛ لأن هذه الوسائل تُعدّ مؤشرات جيدة لما يدور في المجتمع. وبما أن الباحث الاجتماعي يتناول بالدراسة المشكلات والظواهر الاجتماعية فإنه يستطيع معرفة ما يجري من خلال ما تنشره وتتناوله وسائل الإعلام، ومن ثم فإنه يقوم بالتأكد مما ورد في وسائل الإعلام من خلال البحث الامبيريقي والعلمي. 
فعلى سبيل المثال تناولت الصحف منذ عدة سنوات ظاهرة العنف الأسري، وأسرفت في ذلك، وكان جل ما طرح عبارة عن مقالات صحافية وحالات لأفراد تعرّضوا للعنف، مما فتح شهية الباحثين للتحقق من مدى وجود الظاهرة ودرجة استفحالها في المجتمع. وقد ثبت للأسف ومن خلال البحوث العلمية التي تمت في السنوات الأخيرة أن الظاهرة بالفعل متفشية، مما ساهم لاحقاً في إيجاد تشريعات وخطط للحد من العنف الأسري من قبل بعض الإدارات الحكومية المعنية كوزارة الشؤون الاجتماعية، حيث قامت بإنشاء وحدات للحماية الاجتماعية مهمتها حماية وإيواء من يتعرضون للعنف الأسري خاصة النساء والأطفال. وبالتالي فإن الرأي العام يلعب دوراً مهماً وحيوياً في الإشارة إلى نوع المشكلات التي تطفو على سطح المجتمع. إنه كما ذكرت آنفاً البوصلة التي يتحرك الباحث الاجتماعي في ضوئها.
 في رأيك هل التأثير في الرأي العام أو توجيهه هو عمل محمود دائماً؟
إذا كان لابد من توجيه الرأي العام فإن ذلك يتم من خلال تقديم المعلومة الصحيحة والدقيقة للجمهور لتمكينه من تشكيل رأي عام يقوم على الحقائق وليس على التزييف. أما تضليل الرأي العام وحجب الحقائق عنه فإنه عمل غير أخلاقي، ويتنافى مع المثل العليا. وإن اتباع ذلك قد يكوّن وعياً زائفاً سرعان ما ينكشف عندما تتضح الحقائق، ولا سيما أننا نعيش في زمن المعلومة فيه غير قابلة للحجب. نحن نعيش في زمن الثقافة الأفقية، ولم تعد النخب السياسية والفكرية هي التي تمتلك المعلومة. لقد أصبحت المعلومة في متناول الجميع، ويتم الحصول عليها من عدة مصادر رسمية وغير رسمية، ومن ثم يلزم تقديمها للجمهور، كما هي دون تحريف.
 كيف يمكن "للنكتة" والطرف الشعبية أن تصبح تعبيراً للرأي العام من ناحية اجتماعية، وأنت لك دراسة سوسيولوجية في هذا الجانب؟
هي ليست دراسة بالمعنى الأكاديمي، ولكنها مقالة تناولت فيها النكتة من منظور سوسيولوجي. فالنكتة وخاصة السياسية منها تزدهر في مرحلة الكبت السياسي وانعدام فرص التعبير؛ إذ كلما ضاقت مساحة التعبير أصبحت النكتة أكثر سخرية، وأصبح تأثيرها أمضى. وهي بذات الوقت تلعب دوراً تنفيسياً للاحتقانات التي تتراكم جرّاء الكبت وضيق مساحات التعبير في القنوات المعروفة. وفي بيئة كهذه أي بيئة الكبت حيث لا وسيلة لقياس الرأي العام فإن النكتة تقدم مؤشراً صادقاً لتوجهات الرأي العام أو أنها على الأقل تعكس جانباً منه. ومن هنا فإن بعض الساسة المستبدين يلجؤون إلى متابعة النكتة التي تُقال عنهم، ومن ثم يستطيعون معرفة درجة شعبيتهم من خلال النكت التي تردّدها شعوبهم. وبالتالي فالنكتة هي ثرمومتر المجتمعات المقموعة، وهي الوسيلة التي يتم من خلالها معرفة الرأي العام وتوجّهاته. هناك كتاب لطيف يحمل عنوان "الفكاهة اليهودية" لكاتب ألماني وهو مترجم للعربية، يتحدث عن النكت التي كان يطلقها اليهود على أنفسهم، والتي كان الآخرون يطلقونها عليهم في المرحلة التي لم يكن لليهود فيها دولة أي زمن قمعهم في أوروبا. وتمثل تلك النكت أفضل تعبير عن الحال المزري الذي وصل إليه اليهود خلال وجودهم في أوروبا والاتحاد السوفيتي السابق، يوم أن لم يكن لهم أي صوت مسموع، مما يؤيد ما ذهبت إليه حول أثر الكبت والقمع في خلق النكت التي تنطلق كالرصاص، على الرغم من انعدام وسائل تناقلها، اللهم إلاّ من خلال المشافهة.
 الرأي العام.. هل يمكن أن يحمل أو يشير في مضامينه إلى سلبيات اجتماعية معينة.. بمعنى.. إن انتشار رأي معين في قضية أو ظاهرة ما هل يعطي الباحثين إشارة إلى وجود خلل ما في هذا المجتمع؟
بالطبع فالرأي العام هو بمثابة ثرمومتر اجتماعي، وهو وسيلة مناسبة لمعرفة موقف أفراد المجتمع من قضية ما. وفي حالة تبني الجمهور لموقف سلبي من قضية ما فإن هذا إشارة واضحة إلى أن الرأي العام غير ناضج، ومن هنا فإن المسؤولية تقع على كاهل النخب التي انشغلت بحروبها الجانبية وتصفية حساباتها، وتناست مهمتها الرئيسة المتمثلة بفكرة "المثقف العضوي" الذي من مهامه خلق تأثير إيجابي فيمن حوله.
 إجماع الرأي العام في بلد مثل السعودية (كمثال فقط) على ثوابت أو مبادئ معينة هل هو أمر مطلوب، ويفضل أن يسعى إليه للوصول إلى مجتمع صحيح اجتماعياً؟
بالتأكيد.... لا بد أن يكون هناك حد أدنى من المتفق عليه، وخاصة ما يتعلق بالثوابت الوطنية والدينية، منعاً للشرذمة والفرقة الاجتماعية. لابد أن يكون هناك رأي عام موحد تجاه القضايا المصيرية والكبرى. نحن لاحظنا على سبيل المثال أن المجتمع الأمريكي كان منقسماً على نفسه حول الموقف من اجتياح العراق، بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة الكبيرة، ولكن حين تم اتخاذ قرار الاجتياح فإن الجميع بما في ذلك الحزب الديموقراطي المعارض لفكرة الاجتياح قد وقفوا خلف حكومتهم بكل قوة. صحيح إن الرأي العام الأمريكي انقلب في مرحلة لاحقة، إلاّ أن هذا الانقلاب حدث بعد الإخفاقات الكبيرة للجيش الأمريكي وللانتهاكات التي جرت لاحقاً بحق الشعب العراقي وموت عدد كبير من الجنود الأمريكيين وضبابية الموقف من توقيت الانسحاب من العراق. إلاّ أن ما يجب التأكيد عليه هو أن الشعب الأمريكي بمعظم فئاته وقف خلف حكومته في بداية الأمر عندما اتخذت قرار الحرب.
وبالتالي فإن من الأهمية بمكان أن يكون هناك رأي عام موحد تجاه القضايا المصيرية والكبرى، أما ما عدا ذلك فإن تنوّع الآراء يُعدّ ظاهرة صحية؛ لأن ذلك يعني وجود وجهة نظر ووجهة نظر أخرى وجدل، مما سيقود في نهاية المطاف إلى رأي عام يمكن قراءته بوضوح.
 هل ترى أن النخب المثقفة في السعودية تلعب دوراً في صياغة رأي عام محلي أم هي غائبة عن هذا الدور؟
أعتقد أن النخب السعودية المثقفة تلعب دوراً بارزاً في صنع رأي عام محلي، بل إنها تلعب دوراً نشطاً في ذلك، وليس صحيحاً القول إن النخب السعودية غائبة عن المشهد، بدليل أنها تستطيع أن تعبر عن مواقفها من خلال وسائل الإعلام بكل حرية، سواء كانت وسائل إعلام محلية أو عربية وحتى أجنبية. هذا يعني أن لديها هامش حركة واسعاً ولديها مجموعة كبيرة من الخيارات لتعبر عن مواقفها بعكس الوضع الذي كان سائداً قبل عقدين من الزمن على سبيل المثال، عندما كانت وسائل التعبير محصورة بالقنوات الرسمية.
هناك أمر مقلق وهو الاستقطاب الذي تخلقه بعض القضايا المثارة بحيث يتمترس كل طرف خلف أطروحاته دون فحص الأطروحة التي يقدمها الطرف الآخر للوصول، مما يعيق الوصول إلى قواسم مشتركة. هذا الاستقطاب الحاد بين ليبرالي ومحافظ وتراشقهما قد لا يساعد على خلق رأي عام ناضج، ومن ثم يكون الجمهور المتلقي هو الضحية.