عصر الارتحال

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :74 | عدد المشاهدات : 2004

عصر الارتحال

نسخة للطباعة
يختلف زماننا عن باقي الأزمنة، بسبب ما فيه من أفكار وأدوات لا عهد للسابقين بها، وقد قيل في عصرنا إنه عصر الاتصال والمعلوماتية، وعصر الإدارة والسرعة، وعصر ثورة المزاج... ويمكن أن نصفه أيضاً بأنه (عصر السفر والارتحال والتنقّل)، وليس أدل على صدق هذا الوصف من حجم الأموال الهائلة التي تنفقها الدول والشركات في توسعة المطارات، وفي شراء الطائرات العملاقة.من المهم دائماً أن نكون على وعي بخصائص عصرنا وتحديات العيش فيه؛ لأننا من غير ذلك قد نجد أنفسنا بعد وقت قصير وقد أصبحنا على هامشه، والعيش على الهامش يساوي اليوم الأفول والاضمحلال، بل إن الذين يعيشون على هامش زمانهم يصبحون مجالاً لتمدّد نفوذ الأقوياء، وموضعاً لأسوأ أنواع الاستغلال.
لماذا علينا أن نرتحل؟ 
كان الناس في الماضي يتعرضون أثناء السفر لكثير من الأهوال، وكان السفر من قطر إلى قطر عبارة عن مغامرة كبرى، ولذلك كان المسافر يودَّع وداع من يُشكّ في رؤيته مرة أخرى.
       اليوم صار السفر سهلاً وآمناً ومنظماً، وصار في أحيان كثيرة أشبه بالضرورة، وإذا تساءلنا عن أسباب أهمية امتلاك الاستعداد الذهني والنفسي للارتحال، فقد نقف على الأسباب الآتية: 
1 ـ التعليم: 
إن معظم الجامعات الممتازة والملائمة ليست ـ مع الأسف الشديد ـ موجودة في البلدان الإسلامية، والمتوفر منها ليس في القمة، وليس فيه من التنوّع ما يلائم كثيراً من الشباب، وإني أعتقد أن الحصول على اختصاص عال (ما بعد الجامعة) بات اليوم في منتهى الأهمية، وهذا ليس مطلوباً من أجل الحصول على وظيفة فحسب، وإنما من أجل إدخال تغييرات محورية على الشخصية، فالجامعات الممتازة، لا تقدم تعليماً أصيلاً وحديثاً فحسب، وإنما تزرع الأمل في النفوس بمستقبل واعد، وتنمي التفكير العملي لدى طلابها، وبعض الجامعات المرموقة تجعل طلابها أفضل استعداداً للتعامل مع التنوع الثقافي الذي يفرض نفسه هذه الأيام بقوة. 
2 ـ توسيع الأفق: 
كان علماؤنا في السابق لا يحتفلون كثيراً باجتهاد العالم إذا لم يرتحل في طلب العلم، ويأخذ عن غير علماء بلده، وذلك لأن الرحلة في طلب العلم تجعل العالم يرى الكثير من الرؤى والمنهجيات التي لم يرها في بلده، وهكذا فبعض جامعات النخبة اليوم توفد طلابها ليتلقّوا جزءاً من تعليمهم في جامعات أخرى، وذلك حتى يرى الطالب نماذج عديدة في التعليم والتنمية والمعرفة.
3 – العثور على الفرص: 
لو عدنا مئة سنة إلى الوراء لوجدنا أن معظم فرص العمل والارتقاء في سلّم الحياة كانت محلية وثابتة، أما اليوم فإن الفرص صارت دولية ومتحركة، وهذا يعني أن الذين يخشون الترحال، ويستأنسون بالإقامة في قراهم ومدنهم الصغيرة لن ينالوا سوى الفرص الصغيرة والمحدودة، تماماً كما هو شأن وكلاء المنتجات العالمية وشأن الموزعين المحليين.
4 – تبليغ الدعوة: 
نشر الدعوة وتفقّد أحوال المسلمين ومساعدتهم في شؤونهم المختلفة لن يكون من نصيب القاعدين، وإنما من نصيب المرتحلين، وقد شاهدت الكثير من الأعمال الخيرية التي تثير الإعجاب، وما كان لها أن توجد لولا سفر بعض أهل الخير وتحركهم في ديار الإسلام، فنحن حين نرتحل نكتشف إمكانات للعمل والدعوة قد لا نجدها في محيطنا. 
إن الارتحال لا يخلو من شيء من المشقة والإزعاج، لكن المزعج أكثر هو أن يعيش المرء خاملاً مستكيناً وراضياً بأقل القليل في عالم المنافسة وتنازع البقاء.