من المحبس إلى الشاشة! (١-٢)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :73 | عدد المشاهدات : 1822

من المحبس إلى الشاشة! (١-٢)

نسخة للطباعة
مشاعر الأبوَّة كانت حاضرة في مطار الرياض، والدموع أيضاً. أبو إبراهيم سليمان العمر -رحمه الله- لم يتمالك حين رأى قرة عينه أبا بدر يسير حرًّا طليقًا، فانهمرت دموعه كالمطر، وخارت قواه فاستند إلى جدار بقربه، ثم هوى إلى الأرض وهو يجهش محاولاً أن يخفي تأثّره.
الصديق عبد الوهاب بعاطفته القوية بدا مأخوذًا بالموقف محاولاً إظهار التماسك، وحين شاهد الشيخ يتهاوى لم يتمالك نفسه هو الآخر؛ فانفجر إلى جواره في نشيج مكتوم، كان يحاول الإمساك بالشيخ على قاعدة: وحزينٍ يتأسى بحزينِ!
بيد أن قوَّته خانته في هذا المقام الإنساني المعبّر .
المسافرون حولهم يشعرون أنَّ أمرًا ما يحدث، يتلفتون ويحدّقون، بعضهم يتعرف إلى سحنات قديمة يعرفها، ويهمّ بالسلام، ثم يعيد حساباته فينصرف، وبعضهم يمضي والتساؤل يدور في داخله، والقليل يتجرؤون ويهامسون بعض الرفقة..
-هذا فلان ؟! هذا فلان ؟!
-نعم إنه هو!
-ما شاء الله ..، الحمد لله على سلامة الخروج، ممكن نسلِّم عليهم؟
-خلها فيما بعد أخشى أن يجتمع عدد أكبر.
-على بركة الله، والله ليس غير محبة في الله.
الطريق إلى بريدة ثلاثمائة كيلو، وسيارة "الفورد" الصغيرة تقلّهم بقيادة خالد، كانت ذاكرته حافلة بالمشاعر والتساؤلات.. آثر أن يرجئها ولا يشغل رأسه بها، بعض الأسئلة يحلها الزمن كتلك التي تدور في رأسه !
جرّب أن العفوية والاسترخاء تعين على تفكيك بعض القضايا المعقّدة.
كان يستمع شريطًا قديمًا يعود به إلى الوراء سنوات.. عمل درامي متواضع، ضمن مجموعة نصوص قام هو بإعدادها من وحي الثقافة التي يتلقاها في محيطه الحركي، وضمن ثقافته الخاصة، مرة عن الغلام المؤمن، وقصة أصحاب الأخدود، ذلك النص الذي تمّ تمثيله على المسرح، وأوقدت النيران، وأطفئت المصابيح في جو مهيب غير معتاد في البلد، لقد أصبح ذلك العمل على بساطته حديث الناس إعجاباً في الأغلب، ونقداً من جيوب متشددة تشكك في مشروعية العمل، وأنه لم يؤثر عن السلف السابقين، ولا وجدنا عليه أئمتنا وعلماءنا المهتدين !
ومرة عن ثورة تميم بن أوس وإخفاقه وعفو الخليفة عنه، وثالثة عن حروب الصليبيين، ورابعة ...
كان يسمع واحدة منها تم تسجيلها، ليعود طالبًا في السنة الثالثة من كلية الشريعة.
والتعليقات والضحكات تستدعي المشهد كله، وتستذكر الشخوص والملابسات، وتتساءل عن المآلات.. أين فلان؟ هذا يذكر دائمًا بالخير ويثني ويدعو، ذاك قد انقطع فلا تحس من أحد ولا تسمع ركزا، والثالث انتقل إلى الضفة الأخرى، كانت خير وسيلة ليضمن نجاته أن ينحاز ويكون ملكيًّا أكثر من الملك !
ذاك الذي أصرّ على عزيمتك وضيافتك، وجمع لك جيرانه وقرابته وتحدّث عنك بثناء مفرط سرعان ما كتب معروض البراءة وحشد عليه توقيعات.. وبالغ حتى عابه المسؤول ذاته !
حين وصل إلى بريدة قرر ألا يبدأ بشيء قبل والدته، ذهب إلى منزل أخيه الأكبر عبد الله في حي مشعل، حيث تقيم الوالدة، قبّل رأسها ويديها وقعد كطفل صغير حيالها يسمع همسها ويرى دموعها، تهنئ بالسلامة، وتدعو، وتحمد، وتردد :
-ما بقي من عمري إلا القليل.. ترفق بي يا ولدي .. لا تبعد عني، وظلت تردد ذكريات الأيام الأولى والغياب واللوعة والأسى والدموع، ثم تنفجر باكية وكأنها تسمع الخبر الآن !
حين افتقدته أول مرة، وحين أخذوا مكتبته كانت لحظتان عصيتان على النسيان في ذاكرتها .. حدثان سبَّبا لها الخوف الدائم وهاجس الرعب من طارق الليل، فغدت بعد ذلك تفحص الأبواب بنفسها وبخطواتها الكليلة كل ليلة.. رحمها الله.
جو مشحون بالمشاعر المتراوحة بين الآلام الماضية والفرح والاغتباط بحاضر يبدو حافلاً بالبشريات، الإخوة والأخوات والأولاد والأحفاد والأنساب والأصهار .
البيت يضيق بزوّاره، والناس تتسامع فتهب للمبادرة والسلام، إنه يوم مشهود لم يسمح تكاثر الناس له بأن يطول، فلابد من الانتقال إلى مكان سكنه وإقامته في "حي البشر"؛ حيث أهله وأسرته وأولاده وبناته، والمكان المعدّ لاستقبال الناس .
يدلف إلى المنزل لأول مرة، تتعانق الأرواح، أنين مكتوم، وابتسامات واسعة، ها هو الشمل يجتمع بزوجه وأبنائه وبنياته، والله يستجيب دعوات الطفلة غادة حين قالت:
فأسأل الله الذي 
رد معاذاً للحمى
يرجع لنا والدنا 
من سجنه مكرما
يدخل الدار فيرى القامات الممتدة تحتشد في المكان، وتملأ الوجدان؛ زوجه وأبناؤه وبناته الذين غادرهم، وأحس بلوعة الثّكل بعيدًا عنهم، وأرمضته الأشواق التي لا يزيدها الوصل القليل إلا اشتعالاً.. وإن كان يتعلل بقول القائل:
فَإِن لَم يَكُن إِلّا تَعَلُّلَ ساعَةٍ
قَليلاً .. فَإِنّي نافِعٌ لي قَليلُها
هم حاضره ومستقبله، وركن أحلامه الركين.
هذا معاذ الذي فارقه طفلاً شقيًّا تلاحقه مخاوف والديه من جرأته الزائدة التي جعلته يسير يوماً على جدار السطح حاملاً إناء الماء .. يراه الآن أمامه رجلاً مكتمل الرجولة، وقد تلقّن دروس الحياة مبكرًا وتحمّل قدرًا من المسؤولية عن نفسه وأسرته .. فتى جاد وقت الجد، ضاحك مبتسم حاضر النكتة حين يقتضي الأمر ذلك، يداخله اغتباط ورضا حين يقود سيارته ووالده إلى جواره لأول مرة .. إنه قائد ماهر، وهو يشارك بفاعلية في استقبال الضيوف وخدمتهم وتوديعهم، وبسمة الفرح لا تفارق محيّاه .
عبد الله الصبي الألثغ.. حلو الملامح والقسمات، ذكي الفؤاد، متفوق في دراسته، يحصد الثناء وشهادات الشكر .. ها هو قد صار رجلاً، وحفظ القرآن كأخيه، وقطع شوطًا في الدرس والبحث، تتكامل شخصيته العفوية الواثقة، وبعمق إحساسه بوالده كمصدر لوجوده، وسبب لفخره واعتزازه، يريد أن يحقق الأبوة المعرفية فيصرّ من الأيام الأولى أن يقتطع دقائق يحفظ فيها ويسمّع (عمدة الأحكام) للمقدسي، ويستمع من والده لتعليقات مقتضبة تقدح زناد فكره الحي وعقليته المتهيئة للانطلاق ..
هو يجد فيه سرًّا من سره، وقبسًا من روحه، وامتدادًا فكريًّا يتجاوز الصلة البيولوجية إلى التثاقف والتجاوب المعرفي .
غادة، لقد أصبحت امرأة في جسدها وعقلها .. ومع هذا فلا شيء يمنع من دموع الفرح .. يستعيد والدها معها مواقف الطفولة المضحكة مع والد الجيران، والمقالب التي لا تخلو من خبث الصغار -إن كان للصغار خبث- يأنس باسترجاع صوتها العذب وهي تتغنى بين يديه بالشعبي .
قلبي إذا جابو ذِكِرْ نجد ينساق
ما لوم قلبي كلما زادْ شوقهْ
تطرب له النفس الحزينهْ بالأشواق
ودي بشوفه مير صعبٍ طروقه
ترسّخت هذه الكلمات من يوم قرأتها عليه ذات زيارة، ولا زالت، تبعث الشوق والحنين المتجدد، وليس يدري أهي تحلي الصوت أم الصوت هو الذي يحليها ! بيد أنه كلما سمعها منها التاع وارتاع وأخذته هزة انتقل بروحه وذاكرته إلى حيث سمعها أول مرة !
آسية الحبيبة، يرى فيها الذوق الرفيع المبكر، والثقة الكبيرة والشخصية الجذابة القوية، جداول الحب والفرح تنساب في داخلها فتكتبها مرة، وتكبتها أخرى، وتظل هي الرقم الصعب المتميز .. حين يستعيدها محفوظها يجد أن أطول قصيدة تحفظها هي قصيدة هاشم الرفاعي "رسالة في ليلة التنفيذ".
إنها أبلغ تعبير عن المعاناة !
وإذا كان الذكور سر أبيهم فهي سر أبيها وأمها في حيويتها الهادئة، وعطائها الموزون، وروحها العصيّة على الانكسار، كانت تمنحه الصبر والحب معاً !
هؤلاء الصغار الذين كان يقلق ويخاف عليهم، وينام ويصحو على ملامح وجوههم البريئة الحزينة، ويذوب عجزاً حيال أسئلة لا يجدون لها جوابًا، يراهم الآن يؤدون مهامهم المنزلية، ويستقلُّون بغرفهم وكتبهم وأدواتهم وصداقاتهم كأحسن ما يتمنى .. فيردد: فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.