أيها الحجر

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في القارئ يكتب . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :73 | عدد المشاهدات : 1548

أيها الحجر

نسخة للطباعة
أيها الحجر..
لطالما رسمتُكَ في تفاصيل المدى، أبصرتُك رغم المسافات المضرّجةِ بالبـُعد، شعرتكَ نبضاتٍ متسارعة تملؤني بالفخر، وأنت تملأُ أولئك بالرعب المستطير.
هل تذكر الأمل الذي بثّتهُ روحي فصرتُ أهذيكَ على أوراقي، وأُخفيك في أعمق أعماقي؟!
هل تذكر قصائدي المفتونة بالحزنِ والغضب؟ 
هل تذكر حنيني لزيتونكَ الطاهر وتراتيل الأمان على جبينك الوضيء؟!
هل تذكر حين أبرقتُ لك دموعي ذات شتاء:
فإلى متى سأرى على الطرقاتِ أطلال البيوتْ؟
و أرى كروم الخير في المسرى وزيتوني يموتْ؟
 
أيها الحجر..
 هل تذكر حينَ أسرجتُ لك رفيف خفقاتي فكتبتُ على صفحة الليل:
ناجيتُ أركانكَ الحيرى ولذتُ بها.. لوذ الغريبِ بأطلالٍ وأمكنة..
هل تذكر آذار الماضي حين تضورتْ غزة فتسجّت جانب البحر بعينين حزينتين تلتهمُ الوجع؟
هل تذكر كل أحزاننا التي جمعتها في ذرّاتك المثخنة؟ فانتصبتَ بشموخٍ بأيدي الأطفالِ والفتيةِ لتكون الأنبل والأقسى في تاريخ الحيف البشري.
هل تذكر حين تسجّت أمي على الطريق الرمليِّ المُلتهب فتمخضتْ موتاً وحياةً لتحتضنَ خلاياها المكدودة وتنهضَ سجـّـيناً حارقاً، لقد كنتَ الجدار الأخير في مسيرة صبرنا القارس.
هل تذكر حين كسروا عظام أخي؟ فتركوهُ طعاماً لنزوات اللؤم في صدورهم حينها لم تسقط من يديه النحيلتين، فكان الشهيدَ وكنتَ الشاهد.
  
أيها الحجر..
هل تذكر حين كبـِرتْ براعم الزيتون على ضفافك فمضتْ شاهقةً يقتاتُ طلعها الجائعون، ويتكئُ على زندها الجرحى والمنهكون، لقد كنتَ الضوء والدفء في ليالي الخوف والرماد.
و لازلتُ أذكرُ غضبكَ الصارخ على فسائل الغرقد الأثيم، لقد تقيأتَ جذورهُ المـُرة حين طمروهُ غصباً في أحشائكَ الطاهرة.
و مازلتَ تسكنني بثباتٍ، تنمو داخلي عنفواناً لا يعرفُ الرضوخ، تلهمني أغاريد تحدٍ وصبر أقارعُ بها نفسي وتقلبات الزمنِ الآسن وألمه المستديم، ومازلتَ ترسلني ضوءَ يقينٍ أجتازُ به منعطفات الضعفِ والتشتت والانكسار والحزن!
 
أيها الحجر..
أحبك لأنك مدرسةُ خلود، تتلمذتُ عليها معانٍ خضراء، فعرفتُ أن الحياةَ كفاح وصمود وإخلاص، ومادمنا أنقياء فلن نعبأ بحيفِ قريبٍ أو بعيد.
فمازالتْ صورتكَ في أيدي الأطفال الضامرين بوجه أكوام الفولاذِ والحديد عالقةً في ذاكرتي مُذ بدأتُ أبصرُ وجه الحياةِ وأعيها.
  
أيها الحجر..
لا أُخفيكَ فلقد سكنتَ دفاتر أشعاري بقوة منذُ عبثتُ بقلم الرصاصِ حتى مضى قلم الحبرِ يمطرُ بين أصابعي، وفي أحدها ذرفتكَ سؤالاً صادقاً:
كلُّ من يهوى سيهذي العشقَ شعراً... وأنا صغتُك يا نبضي سؤالْ
كيفَ أنساكَ وها أنتَ هنا... في رُبا روحي وفي نبضي اشتعالْ؟!
على أملٍ وبأملٍ نكون وكن أيها الحجر بأملْ..

 ملاك الخالدي