(خدمة الحقيقة)

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : Mar 30 2012 | العدد :73 | عدد المشاهدات : 2162

(خدمة الحقيقة)

نسخة للطباعة
ظلت روح الإنسان على مدار التاريخ مسرحاً لمعارك ضارية بين مبادئه ومصالحه، بين ما هو كائن وبين ما يشتهي أن يكون، وإن العودة إلى سجلات البشرية في هذه المسألة توقفنا على حقيقة مزعجة، هي أن الذين يخدمون الحقيقة على نحو مطلق هم  نادرون  جداً، أما الذين يخفون الحقيقة، والذين يجحدونها، والذين يتكسّبون على حسابها، والذين يشوّهونها، فإنهم يشكلون السواد الأعظم من الناس، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في العديد من الآيات، منها قوله ـ سبحانه ـ: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ)1 وقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ)2 ولعلي أشير في تفاصيل في هذه القضية إلى المعاني التالية: 
1 - لا ريب أن هناك نوعاً من التداخل بين الحقائق المطلقة من جهة وبين  وجهات النظر والاجتهادات الشخصية من جهة أخرى، ومن الواضح أن الجاهل كثيراً ما ينظر إلى ما هو رأي شخصي على أنه حقيقة مطلقة، وهذا يجعله يصدِّق كل ما يسمعه، كما أنه يثبّطه عن الاجتهاد والتفكير، وهذه مشكلة، أما المثقف فهو لا يقع في هذا الإشكال، لكنه يظل عرضة لنوع آخر من الإشكالات مثل إخفاء الحقيقة أو تحريفها أو قتلها، وأسوأ شيء في هذا هو الجناية على الحقيقة من أجل الحصول على مكسب مادي، وهذا سهل جداً، حيث إن تنوّع الحيثيات، وكثرة التفريعات، وتفاوت الزوايا التي ينظر منها الناس، بالإضافة إلى مرونة النظام اللغوي... إن كل ذلك يسمح للكتّاب المحترفين بقلب الحقائق وتشويهها، وإخفاء بعضها.. والمزلق الخطير للمثقف في هذا الشأن يكمن في التزام الدفاع عن أفكار وسياسات أشخاص أو جهات غير معصومة. 
2 -  الاعتراف بالحقيقة يشكل سفينة النجاة من تدمير الحقائق لحاضرنا ومستقبلنا، حيث إن الحقائق التي نستمر في إنكارها ـ كما يفعل مريض السرطان بتجاهله لمرضه ـ تملك طاقة هائلة على إيذائنا، وما ذلك إلاّ لأنه مع غض الطرف عن الحقائق يكون الإصلاح عسيراً جداً، إن لم أقل مستحيلاً.
الناس لا يريدون الاعتراف بالحقيقة؛ لأنهم لا يريدون دفع تكاليفها، وقد قالت إحدى الحكيمات في يوم من الأيام: (أسوأ أيام الطغاة يوم يبدؤون بتصحيح أخطائهم)! 
أنا أعتقد أن كثيراً من الناس لا يريدون الاعتراف بالحقيقة بل لايريدون أي حديث عنها، ولهذا فلا فائدة من مناشدتهم أو وعظهم في هذا الشأن، والمطلوب أن يسعى صالحو الأمة في الحكومات والشعوب إلى إيجاد نظم وظروف تُبرز الحقائق للعيان، وتعرّي الذين يزيفونها من غير أي استئذان منهم، وأفضل طريق لهذا هو توسيع مساحات النقد الاجتماعي، والسجال الثقافي وفق الأخلاقيات والأدبيات المنهجية. 
3ـ تتطلب خدمة الحقيقة في بعض الأحيان تطوير أساليب عرضها والتثقيف بها، وهذه نقطة في غاية الأهمية، حيث إن (الذائقة الثقافية) للناس في حالة من التشكل والتطوّر المستمرّين، وما ذلك إلاّ لانعكاس كل التطورات الأدبية والأخلاقية والتقنية عليها، ومن هنا فإن كل صنّاع الخطاب ومهندسي الكلمة يحتاجون من أجل الحفاظ على تألقهم وتأثيرهم إلى أن يطوّروا في أساليب تقديمهم للأفكار والحقائق، وأن يختاروا منها ما يلامس حاجات الناس واهتماماتهم، وقد لاحظت أن الناس اليوم يحبون عرض الحقائق بأسلوب متفائل، وينفرون بشدة من الوعظ ومن كل أسلوب تعبيري يتّشح بالسلبية والتشاؤم. 
يحتاج فهم الحقيقة إلى براعة ووعي، ويحتاج الالتزام بها إلى خلق وأصالة في الشخصية، ويحتاج إيصالها إلى الناس إلى شعور بالمسؤولية مع شيء من الاحتراف في فن التأثير. 

 سورة الأنعام: 33 
 سورة النمل: 14