اقتصاد الإبداع.. كيف تحول الإبداع إلى مال؟

كتب بواسطة: ابراهيم غرايبة | في الجهات الاربع . بتاريخ : Apr 6 2012 | العدد :72 | عدد المشاهدات : 4752

اقتصاد الإبداع.. كيف تحول الإبداع إلى مال؟

نسخة للطباعة
يمثل الاقتصاد الإبداعي اليوم القطاع الرئيسي والمهيمن في المهن والأعمال والتجارة والاقتصاد، وصار المقياس الأساسي للتقدم الاقتصادي، ويندرج في هذا المجال الملكية الفكرية، وحقوق النشر، والنماذج، والعلامات التجارية، والتصاميم، وبراءات الاختراع، والأعمال الفنية، والموسيقى، وبرامج الحاسوب، والتصوير الضوئي، والأفلام، والفيديو، والألعاب، والعمارة، والبحوث، والتطوير، وتصميم الملابس والمنتجات.
وهو اقتصاد يتطور مع تطور التقنية وبخاصة في مجالات الاتصالات والمعلوماتية، وبالارتقاء الإنساني وتطور حاجاته، فالإنسان يتطلع بعد تلبية احتياجاته المادية إلى الاحتياجات الروحية والفكرية، وهذه المنتجات بدورها تطور وتعظم الموارد المادية الملموسة والاحتياجات المادية أيضا كالعمارة واللباس والطعام، ويمكن ببساطة ملاحظة الإبداع والخيال في تطوير وتعظيم هذه المرافق والاحتياجات، وكأن الأمم تتقدم وتزيد مواردها بما تملك من جمال وخيال!
يقول جون هوكنز مؤلف كتاب اقتصاد الإبداع مخاطبا كل فرد للمشاركة في هذا الاقتصاد المهيمن اليوم: الإنسان كائن إبداعي، ويستطيع أن يجعل من إبداعه موردا ماليا بالإضافة إلى كونه أداة لتحسين حياته باستمرار، ومن القواعد والنصائح التي يقدمها: طور نفسك، كن فريدا، وحافظ على أفكارك قانونيا، واستوعب مجال حقوق النشر وبراءات الاختراع، وقرر متى عليك أن تعمل بمفردك ومتى عليك أن تعمل في مجموعة، وتعلم إلى ما لا نهاية، اقتبس وأعد اختراع الأشياء واستخدامها، وتعلم متى يجب أن تتجاوز القواعد.
وبالطبع يمكن ببساطة ملاحظة كيف ساهم الإبداع في تطوير الحياة والموارد والمرافق والأفكار، ولكنها ملاحظة تنطوي للوهلة الأولى على إحباط وانسحاب، لأن الأمثلة هنا ستكون عن الاختراعات والأفكار الكبرى والعظيمة، كالعجلة والنار واللغات والكهرباء،... ولكن هناك الملايين من الأفكار الصغيرة والإبداعية التي غيرت إيجابيا في حياة الناس وموارد الأفكار، وهي ما يجب أن نبحث عنه ونفكر فيه باستمرار، يقول كامل إدريس مدير المنظمة العالمية للملكية الفكرية: إنها معادلة بسيطة: لكي نعيش يجب أن نبدع، فالإبداع موهبة إنسانية شاملة لجميع الناس، فجميع الأطفال يرسمون، ولكن عندما يكبرون قليلا يقال لهم إنه لا فائدة مما يعملون، وجميع الأطفال يحلمون، ولكن تجاهل أحلامهم يجعلهم لا يتذكرونها، والمبدعون في الحقيقة هم من يملكون القدرة أو الميل الطبيعي لاستخدام مواهبهم وإبداعاتهم.
بلغت القيمة المالية العالمية لاقتصاد الإبداع عام 2005 حوالي 3 تريليون دولار، وهي تنمو بمعدل 6% سنويا، وتستثمر الشركات الأميركية نحو تريليون دولار سنويا في المنتجات الثقافية غير الملموسة، وهو يساوي الاستثمار السنوي في الزراعة والميكنة، وقد أسهمت الصناعات الأميركية المعتمدة على حقوق النشر في الاقتصاد الأميركي أكثر من أية صناعة أخرى، أي أكثر من الصناعة الثقيلة والسيارات والطائرات والطعام والشراب.
ويأتي بعد الولايات المتحدة في الاقتصاد الإبداعي اليابان التي تنفق إنفاقا عاليا في البحث والتطوير، وتستهلك بقدر عال من الصحف والتسلية الإلكترونية والكتب والسينما، ويعمل في أوروبا في مجال الاقتصاد الإبداعي أكثر من 6 ملايين شخص، وفي الوقت الذي تتضاءل فيه فرص العمل في القطاعات المختلفة فإنها في الاقتصاد الإبداعي تتزايد، وعلى نحو غير مباشر فإن العمل في الاقتصاد الإبداعي يحقق متوالية هائلة من النتائج والتحولات، فيدفع العاملين فيه إلى مواصلة التعليم والعمل المستقل الذي يطور الاقتصاد ويقلل التكلفة ويزيد التشغيل.
وتزدهر اليوم الأعمال اليدوية في سوق الفن وفي السياحة والترفيه، وتبلغ قيمة هذا السوق في الصين 15 مليار دولار، وتنمو سوق الفنون على نحو غير مسبوق، وتشتمل أسواق الفنانين المحترفين الكبار على حوالي 12 مليار دولار، وتبلغ قيمة اقتصاد التصميم 140 مليار دولار، ويساوي الاقتصاد العالمي في مجال البرمجيات 600 مليار دولار، ويساوي اقتصاد تصميم الأزياء 60 مليار دولار، وتنتج صناعة الأفلام نحو 3000 فيلم في العام، تصل قيمتها إلى أكثر من 80 مليار دولار، ويحقق قطاع الموسيقى في العالم أيضا 80 مليار دولار سنويا، وتبلغ قيمة الاقتصاد في المسرح 50 مليار دولار، وتبلغ قيمة السوق العالمية للكتب والمجلات والصحف 126 مليار دولار.
وأدرك بالطبع أن ما أقوله كلام فارغ لا قيمة له إلا في بيئة من العدالة والتنافس والعمل والإبداع.. لو أن السياسة والاقتصاد والحياة مثل لعبة كرة القدم!! فقد رأينا كيف خرج أبطال العالم السابقون، إيطاليا وفرنسا والبرازيل والأرجنتين، وكيف صعدت فرق جادة تبدو من خارج نادي الكبار، مثل غانا والأروغواي، فالإبداع في حقيقته الحالية يكون في بيئة أو لعبة عادلة من التنافس تتيح للمبدع أن يتقدم، وتجعل الأقل إبداعا يتراجع.