الوعي الغائم

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في اجتهادات . بتاريخ : Apr 6 2012 | العدد :72 | عدد المشاهدات : 2050

الوعي الغائم

نسخة للطباعة
على مدار التاريخ كان الإنسان منخرطاً في عمليات استكشاف تدريجي لنفسه ومحيطه، وعلى مدار التاريخ أيضاً كانت لدى الإنسان أشواق عارمة لمعرفة ما جرى في الماضي، وتطلعٌ إلى ما يمكن أن يحدث في المستقبل، وما هذا إلاّ لأن المعرفة هي الغرام الأول والأكبر في حياة بني البشر، لكن المؤسف أن الإنسان لا يحصل من وراء كل محاولاته إلاّ على معارف جزئية ونسبية، إلاّ ما أتحفه به الرب الكريم العليم عن طريق الوحي، وما أتحفه به عن طريق السنن المبثوثة في الكون. وإذا تساءلنا عن أسباب ذلك وكيفية التعامل معه أمكننا أن نقول الآتي: 
1 -  إننا حين نحاول فهم ما نحن عليه من صلاح وفساد ونجاح وإخفاق وإقبال وإدبار... على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام- نلجأ إلى ما لدينا من تعريفات ومفاهيم وخبرات متصلة بالصلاح والفساد... وهذه كلها نسبية، فالشخص قد يرى أنه لم يحقق سوى القليل من طموحاته، وأنه لم يستثمر إلاّ القليل من إمكاناته، لكن الآخرين ينظرون إليه على أنه من أعظم الناجحين، وقد ينظر إليه بعض خصومه ومناوئيه على أنه شخص عادي أو أقل من عادي، وهذا كله بسبب تفاوت تعريفنا للنجاح والإخفاق، وتفاوت رؤيتنا للإمكانات التي نتمتع بها، ويتمتع بها الآخرون. 
نحن أيضاً نلجأ من أجل فهم ما يجري إلى المعلومات والأرقام والأخبار المتوفرة، ولا يخفى أننا سنجد أن منها ما هو واضح ودقيق وصادق، ومنها ما هو مكذوب ومجمل وغامض، وما أعرفه أنا عن الحادثة الفلانية، قد لا تعرفه أنت، والعكس صحيح، وذلك لأنه ليس هناك من هو مطّلع على كل التفاصيل سوى الرب – جل وعلا- ولا يختلف عن هذا اعتمادنا على المقارنة، في فهم الأوضاع الخاصة والعامة، ومع أن المقارنة وسيلة من أعظم الوسائل التي يستخدمها الإنسان في الفهم والإدراك والتحليل، لكن المقارنة تحيل على ضرورة معرفة ما عليه أولئك الذين نقارن أنفسنا بهم، وهذا أيضاً مشكل؛ لأنه إذا كانت معرفتنا بأحوالنا غائمة وناقصة، فإن معرفتنا بأحوال الآخرين ستكون أشد نقصاً وأعظم غموضاً. ونظراً لكل هذا فإنه لا يكاد يمر مجلس دون أن يختلف الناس حول بعض الموضوعات المطروحة، بقطع النظر عن المستوى الإدراكي والمعرفي للموجودين.
2 -  السؤال الذي يطرح نفسه بناء على هذه المعطيات هو التالي: ما الموقف الموضوعي من كل ما ذكرناه؟ وكيف نتلافى النقص الذي أشرنا إليه؟ 
في مقاربة أولية للجواب أقول باختصار: 
أ‌-  لا سبيل إلى معرفة تامة وكاملة بأي ظاهرة كبرى، بل لا سبيل إلى معرفة تامة بأنفسنا، وذلك بسبب قصور التعريفات والمفاهيم التي نستخدمها في ذلك، والتي تنبع أساساً من قصور النظام اللغوي نفسه، ولأن من سنن الله في الخلق أن يظل في كل الظواهر الكبرى عنصر غيبي استأثر الله بعلمه، وهذا يتطلب منا أن نتواضع أكثر، وأن نحاول أن نتعلم أكثر من أجل فهم أفضل. 
ب‌-   تحسين مستوى استيعابنا للغة واستخدامنا لها؛ لأن اللغة هي أداة الفهم، ومن المؤسف أن الأجيال الجديدة تشهد تراجعاً مريعاً في هذا الشأن!! 
جـ- إذا كانت معرفتنا بأنفسنا وبأوضاعنا متوقفة على فهم الآخرين الموافقين والمناوئين منهم  والأعداء، فإن علينا أن  نحاول فهمهم على ما هم عليه بقطع النظر عن مواقفهم منا. علينا – بعبارة أخرى- ألاّ نشوِّه الخصوم، وأن نكون عادلين في تصوير أوضاعهم؛ إذ إنهم سيكونون المرايا التي سنرى فيها أنفسنا.
د- علينا دائماً العمل على تحرير التعريفات والمصطلحات؛ لأنها بوابات الإدراك وأدواته، وعلينا إلى جانب هذا تحويل أكبر قدر ممكن من المعارف إلى (أرقام)؛ فالعقل يرتبك ارتباكاً شديداً في فهم الصفات والكيوف، ويبدي براعة عظيمة في فهم ما كان من قبيل (الكم) كما هو الشأن في الأحجام والأوزان، وكل ما تُستخدم فيه الأرقام.
الفهم الصحيح يشكِّل البداية الصحيحة للوصول إلى علاجات ناجحة لكل ما نعاني منه من أزمات ومشكلات.
والله المستعان