الاستهلاك في الخليج.. أصابع الرأسمالية الخفيّة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Apr 6 2012 | العدد :72 | عدد المشاهدات : 1921

الاستهلاك في الخليج..  أصابع الرأسمالية الخفيّة

نسخة للطباعة
حالة الاستهلاك العالية التي يمارسها الفرد العربي لم تعد محل شكّ أو تساؤل؛ إذ تكفي زيارة قصيرة إلى الأسواق لتتعرف على الكميات الكبيرة من الأغذية والملبوسات التي يشتريها الواحد منا دون أن يكون في حاجة إلى أكثرها، أما إذا قُدّر لك أن تتعرف على ما تضمّه صناديق النفايات من منتجات لم تُستغلّ وأغذية لم تُؤكل، لأدركت مدى الإسراف الشديد الذي نعيش فيه جميعاً أفراداً وجماعات، وذلك على الرغم من أن الإسلام ينهى عن الإسراف، ويشدّد على الاقتصاد بصفته أساس التنمية والتقدم، والأمة التي تستهلك أكثر مما تنتج أو تستهلك ما ينتجه غيرها، فإن مصيرها هو أن تظل قابعة في مؤخرة  دول العالم.
وأعجب ما في الفرد العربي استهجانه أن يرى أحدهم يشتري القليل من السلع التي تكفيه، وكأن ذلك بخل أو تقتير، أما الذي يملأ سلّته بما يحتاج وما لا يحتاج، فذلك في نظرهم الكريم والموسّع على أهله، فاختلّ الميزان، وانعكست القيم.
ويعتبر الاستهلاك مفهوماً منافساً للادخار الذي يُعدّ نوعاً من التنازل مؤقتاً عن جزء من الاستهلاك الحالي لصالح فترات مستقبلية أكثر إلحاحاً.
وعلى الرغم من تعارض المفهومين في المقصد والهدف، فإن ثمة طرقاً وحلولاً وسطاً يمكن معها للمجتمعات أن تشبع رغباتها في الاستهلاك، مع تحقيق معدلات من الادخار تمكنها من تحقيق معدلات نمو على مستوى الاقتصاد الكلي.
فمن الممكن تقسيم الدخل -كما يقول أحد الخبراء الاقتصاديين- إلى استهلاك وادّخار، عبر موازنة معقولة بينهما يمكن من خلالها الوصول إلى مستوى الإشباع المطلوب.
وترتكز ثقافة الاستهلاك‏ التي تمّ تصنيعها والترويج لها بذكاء تقني‏ على قاعدة ثابتة، تشير إلى أن الناس في كل مكان قادرون على الاستهلاك،‏ وهي ثقافة خُطّط لها بوعي، وتم دعمها بأساليب متنوعة وبفكر عملي وبعقلانية ربحية ظهرت بوضوح في توسيع دائرة الإنتاج وتعميم ثقافة التعطش لاقتناء كل ما هو معروض من سلع،‏ وهي ثقافة تحمل رموزاً وأفكاراً وقيماً كفيلة بتبرير وتدعيم النزعة إلى الاستهلاك والرغبة في البحث‏ بشغف‏‏ عن كل ما هو متداول في الأسواق.‏ إنه نظام معرفي مخطط يهدف إلى تغيير الفكر لتقبل مخرجات السوق والسلع المتداولة فيه،‏ بالاعتماد على وسائل عدة، من أهمها: المعلوماتية، وتكنولوجيا الاتصال، والوسائط الإعلامية المسموعة والمرئية، إلى جانب دراسة الثقافة والشخصية للجمهور المستهلك.
وهنا تتحدد ملامح ثقافة الاستهلاك وأهدافها لتشير إلى أنها‏:‏ من صنع قوى تملك الوسائل الدعائية للتأثير والترويج والترغيب‏.‏ وأنها تنمي جوانب المتعة في الشراء وحب التملك والتعطّش إلى التسوّق، والبحث عن مكانة اجتماعية مفقودة‏.‏
‏كما تستخدم المعاني والصور والرموز‏ كالموسيقا والغناء والفيديو كليب،‏ بهدف نشر ثقافة الاستهلاك، وإسباغ أسلوب مميز عليها، يرسخ النزعة نحو الاستهلاك والرغبة في الشراء‏، وهي في ذلك تتجاوز الدرس الاقتصادي التقليدي الذي كان يركز على معايير الجودة والثمن كشرطين أساسيين في فهم عمليات الإنتاج والتسويق‏.‏
‏إلى جانب ذلك فإن ثقافة الاستهلاك تخدم حضارة السوق والقوى الرأسمالية العملاقة‏، وتشكل تحديات كبرى ومؤثراً سلبياً على اقتصاديات الدول المعتمدة على استيراد السلع المنتجة في الدول المتقدمة‏.‏ وتساهم في تنمية تطلعات ونزعات استهلاكية بلا حدود، معتمدة في ذلك على الترغيب والتشويق،‏ وكذا الإجبار والقهر كأساليب تستند على مقولة‏ محاكاة الغير والرغبة في تقليد الآخر‏، وتوظيف الخصوصيات الثقافية الكامنة والراسخة في عادات الشعوب وتقاليدها‏، وتقديم نوع من الإحساس بالتميز والتفوّق للمستهلك، فيصبح الهدف هو امتلاك السلعة بغض النظر عن الحاجة إليها‏، وتدريجياً يتعود المستهلك على متابعة حركة السوق والرغبة في الشراء، ويبحث عن أقصر الطرق للحصول على كل ما هو جديد من سلع معروضة أو معلن عن طرحها في الأسواق، فيهرول إليها، مما يؤدي إلى إصابته بحالة تشبه الإدمان‏.‏
‏والأهم من ذلك كله فإن ثقافة الاستهلاك تعمل على تسكين وبقاء المستهلك في دائرة الاستهلاك والجوع إلى التسوّق‏ بشكل دائم، وهو ما يجعله غير قادر على الإنتاج، بل مستهلك فقط لما ينتجه الغير.‏
الاقتصادي الدكتور أحمد مجدي حجازي له نظرة معمقة في موضوع الاستهلاك، وهو يرى أن العالم العربي يعيش أزمة (أو كارثة‏) التخلي عن صناعة الحضارة؛ إذ تكتفي البلدان العربية بالنظر إلى‏ الآخر‏ بصفته صانع الحضارة والتاريخ‏.‏ وترصد بعض الدراسات حالة الاقتصاديات العربية، فتشير إلى أنه على الرغم من أنها حققت خلال الفترة التي سُمّيت بعصر النفط نمواً لا بأس به، بسبب الموارد النفطية مقارنة بعقد الستينيات؛ فقد زاد نصيب الدول النفطية من هذا الناتج على حساب نقص نصيب الدول غير النفطية‏،‏ إلاّ أن الاستثمار قد اتجه في تلك الدول إلى قطاعات بعينها‏ هي تمويل‏ البنوك، والتأمين،‏ والبناء، والتشييد، والنقل، والمواصلات، والصناعات الاستخراجية‏.‏
ولهذا‏ -وكما يشير الاقتصادي (رمزي زكي)‏- لم يواكب هذه المعدلات المرتفعة للاستثمار تغيير يعتد به في هيكل الاقتصاديات العربية والخليجية، حيث ظلت تتسم بغلبة الإنتاج الأولي وبضعف الصناعات التحويلية وصناعة الآلات ومعدات النقل‏.‏ كما ارتبط تنفيذ هذه الاستثمارات بتزايد نشاط الشركات متعددة الجنسيات التي قامت بتنفيذ الشطر الأعظم منها‏.‏ 
من ناحيته، يشدّد الاقتصادي السعودي سلطان السعدون على أهمية تفعيل دور جمعيات حماية المستهلك في العالم العربي، وعلى الأخص دول الخليج حيث أعلى معدلات الاستهلاك، ويُذكر هنا أن جمعيات حماية المستهلك لعبت أدواراً عظيمة في الغرب في وضع الأسس الاقتصادية السليمة، لما لها من قدرات على التأثير في سلوكيات المواطنين ودفعهم للتعامل بإيجابية مع السلع المختلفة، مع الحفاظ على الإبداع في الإنتاج والتنويع فيه، ومحاولة الاستغناء عن السلع من الخارج.
ورأى السعدون أن استهلاك الفرد العربي والخليجي كان يمكن أن يكون إيجابياً إذا كان يستهلك ما تنتجه دولته من سلع؛ لأنه في هذه الحالة حتى لو أضرّ بميزانيته الشخصية فإن الدولة في مجموعها ستكون هي المستفيد بالنظر إلى التحريك الفعّال الذي يحدثه الاستهلاك للسلع الوطنية. لكن المشكلة – يواصل السعدون- أن الفرد العربي يستهلك ما لا ينتجه مجتمعه، وهنا تكمن أسوأ أنواع الاستهلاك سلبية، سواء من ناحية اقتصادية أو حتى دينية.
وهناك عدة أسباب وراء حمّى الاستهلاك، أبرزها ثورة التطلعات التي تحركها حملات الدعاية والإعلان بشكل غير طبيعي، خاصة في دول الخليج العربي، حيث برع أصحاب شركات الدعاية والإعلان في استغلال الفضائيات في ترويج السلع والخدمات وتزيينها للمستهلكين.
وتكشف إحدى الدراسات التي أعدتها مؤسسة (أبسوس- ستات) لأبحاث السوق أن حجم السوق الإعلانية العربية في تزايد مستمر لأسباب عديدة، أهمها: زيادة الاستهلاك والانفتاح على العالم الغربي، وزيادة مجالات الاستثمار.
رجل الأعمال السعودي محمد بن يحيى البكري، يعتقد جازماً بأن مشكلة الاستهلاك الأساسية في الوطن العربي أنه لا يقتصر على الأغنياء فحسب، بل يشارك فيه الفقراء، الشيء الذي يؤدي إلى مشكلات اجتماعية كبيرة، منها: الجرائم، والغبن الاجتماعي الذي يكنّه الفقراء للأغنياء؛ لأن الفقير الذي يحب أن يشتري ذات السلع ويتمتع بذات الإمكانيات التي للغني، ولا يكون ذلك في استطاعته، فإنه قد يجنح في هذه الحالة إلى الاحتيال، حتى يمتلك القدرة المالية اللازمة لكي يشتري – يستهلك- ما يشتريه الأغنياء، وهذا جانب واحد في مشكلات الاستهلاك التي تقود إلى مشكلات أخرى.