الاقتصادي لاحم الناصر: الخليجيون أدمنوا الاستهلاك ويصعب عليهم الفكاك منه

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Apr 6 2012 | العدد :72 | عدد المشاهدات : 2651

الاقتصادي لاحم الناصر: الخليجيون أدمنوا  الاستهلاك ويصعب عليهم الفكاك منه

نسخة للطباعة
يرى الاقتصادي السعودي لاحم الناصر أن الفكاك عن حالة الاستهلاك الشديدة التي تعم دول الخليج ليس لها من مخرج سوى تكثيف الوعي بأهمية الادخار في تنمية المجتمع، وأن الرفاهية والاستهلاك الزائد عن الحد، يمكن أن يؤديا إلى نتائج كارثية في المستقبل القريب، مؤكداً على دور الإعلام والتثقيف في هذا الجانب، على الرغم من أنه أبدى استياءه الشديد من الإعلام الحالي في الخليج، والذي اتهمه بأنه كان المحرض الأول للمواطنين للإنفاق والاستهلاك.
وقال الناصر -وهو باحث متخصص في الاقتصاد والمصرفية الإسلامية وكاتب مقالات في التنمية-: إن العادات التي كانت موجودة في منطقة الخليج قديماً والمتعلقة بالادخار وقيم الحياة الجماعية والمشتركة، اعتراها الاضمحلال الشديد، وهو ما قاد إلى سيادة رغبة الاستهلاك عند الخليجيين، قائلاً: إن العادات كان يمكن أن تقف كخط دفاع أمام قيم الاستهلاك، بيد أنها اختفت، فنجحت قيم وافدة في التمدد في المجتمع دون أن تعترضها ثقافة أو عادة.
 بداية كيف وصلنا إلى وما وصلنا إليه الآن من معدلات استهلاك عالية على مستوى الفرد والمجتمع؟
لقد تحوّلت مجتمعاتنا إلى مجتمعات استهلاكية، وبالذات في منطقة الخليج بسبب الوفرة المادية لدى هذه المجتمعات التي أنتجتها الطفرة النفطية؛ إذ بدأت الأمول تفيض عن حاجات الناس الأساسية بعد أن كانوا قلما يجدون ما يسدون به حاجاتهم الأساسية من المسكن والملبس والطعام، وقد كان الحصول على هذه الأموال يتم في الغالب بوسائل سهلة وميسرة، عن طريق الرواتب والمنح الحكومية، مما شجع الجميع على الإنفاق، كما أن الطفرة النفطية أدت إلى تيسير الحصول على السلع ووصولها للأسواق، فوجد الناس أنفسهم يندفعون لشراء ما لذ وطاب، مما كانوا محرومين منه لفترة طويلة؛ نتيجة للفقر الذي تعاني منه المنطقة، وأخيراً وليس آخراً دخلت المصارف على الخط بمنح القروض الشخصية بيسر وسهولة، و منح بطاقات الائتمان، وتيسير وسائل الدفع الإلكترونية، مما شجع الناس على إنفاق أكثر مما يملكون، وبهذا دخلت المنطقة في المرحلة الحرجة من تراكم الديون الاستهلاكية على المواطنين، وأصيبوا بداء الأمم الأخرى؛ فقد غرقوا في الديون، فهم يعملون ليسدّدوا للمصارف ديوناً لم يكن مقابلها أصول، فالأموال التي جهدوا في جمعها تتبخر من بين أيديهم في نهاية كل شهر، ولا أنسى دور الإعلام في تشجيع المجتمع على الاستهلاك بشكل مفرط، عبر الدعايات الجذّابة المضللة، والتي تخاطب حواسّ المستهلك لا عقله.
 ما هي سلبيات الاستهلاك على اقتصاد الدول النامية ومجتمعاتها؟
الاستهلاك مفيد جداً للدول الصناعية المنتجة لما يستهلكه المجتمع؛ إذ يساهم الاستهلاك في زيادة الدخل القومي، كما يؤدي إلى تنشيط قطاع الأعمال وتوفير الوظائف، إلاّ أنه على النقيض من ذلك بالنسبة للدول النامية، والتي تستورد غالب المنتجات الاستهلاكية؛ إذ يضر بالاقتصاد الوطني عن طريق استنزاف موارد الدولة من العملة الصعبة، كما أنه يؤدي إلى العجز في الميزان التجاري للدولة مقابل الدول المصدرة، هذا فيما يتعلق بالاقتصاد الكلي، أما بخصوص المجتمعات فإن شيوع الثقافة الاستهلاكية لديها يكون دائماً على حساب ثقافة الادّخار التي تساهم في توفير السيولة لقطاع الأعمال، مما يساعد هذا القطاع على التوسع بحيث يوفر المنتجات والوظائف للمجتمع، كما أن هذه المجتمعات تصبح أسيرة لعادات وتقاليد وثقافة المجتمعات المصدرة، مما يؤدي إلى  تغيير نمط الحياة لهذه الشعوب إلى نمط حياة المجتمعات المصدرة. 
 النمط الاستهلاكي هل هو ظاهرة عالمية أم مقتصرة على مناطق بعينها فقط..؟ ثم لماذا لم يُلاحظ ترتّب آثار سلبية للاستهلاك على المجتمعات الغربية؛ إذ يردّد المختصون أنها المستفيد الأول من معدلات استهلاك العرب العالية؟
النمط الاستهلاكي ظاهرة عالمية بحكم سيادة النظام الرأسمالي الذي يعتبر الاستهلاك أهم أركانه، لكنه يختلف من منطقة إلى أخرى حسب القدرة الشرائية لدى هذه المنطقة أو تلك، وحسب نمط الثقافة السائدة، فمثلاً يعتبر المجتمع الأمريكي من أكثر الشعوب استهلاكاً حتى إنه ينفق أضعاف ما يملك نتيجة لسهولة الحصول على التمويل، وتنوّع أساليبه، وتشجيع الحكومة على هذا النمط، في حين أن المجتمع الصيني يُعدّ على النقيض من ذلك؛ إذ إنه من أكثر المجتمعات ادخاراً، اما بخصوص ملاحظة الآثار السلبية للاستهلاك على المجتمعات الغربية فهذا الأمر غير صحيح؛ فالمجتمعات الغربية، وخصوصاً المجتمع الأمريكي لا تخطئ العين الآثار المدمرة للنمط الاستهلاكي على الأفراد في هذا المجتمع، وأذكر أنني اطلعت على تحقيق في مجلة (نيوزويك) العربية عام 2001 م يتحدث عن آثار الاستهلاك المدمرة على الأفراد والمجتمع الأمريكي، وأنه يمكن أن يتسبب في حدوث أزمة مالية، وهو ما حدث في عام 2008م.
 ما موقع الخليجيين في نقاش الاستهلاك؟ وهل ساهمت الطفرة النفطية في نقل المجتمعات الخليجية إلى قائمة المستهلكين، على الرغم من أن التاريخ لم يعرف لهم هذه النزعات في الماضي؟
لاشك أن الطفرة النفطية هي التي تسببت في تغيير نمط حياة المجتمعات الخليجية -كما أسلفنا، بالإضافة إلى عوامل أخرى، لكن الطفرة النفطية هي السبب الرئيس من وجهة نظري، بالإضافة إلى نقص الوعي بأهمية الثقافة الادخارية، ونقص البرامج التوعوية في هذا الجانب سواء من الحكومات أو مؤسسات المجتمع المدني.
 الكثافة السكانية في السعودية وبقية دول الخليج ليست بذلك الارتفاع، لكن مع ذلك فإن المنتجين يحرصون على تسويق سلعهم في الخليج أكثر من غيرها؟
لأنها دول تتمتع بقدرة شرائية عالية.
 النشاط الاستهلاكي الضارّ هل هو الذي يقتصر على الكماليات فقط أم أنه يشمل أيضاً ذلك الذي يتوجه إلى الأساسيات والضروريات؟
النشاط الاستهلاكي الضارّ هو ما يتعلق بحرص الإنسان على اقتناء ما لايحتاج إليه، والإنفاق أكثر مما يملك.
 العادات والتقاليد المحافظة التي اتسمت بها دول الخليج لماذا لم تنجح في الحد من معدلات الاستهلاك في المنطقة؟
لقد تسبب الانفتاح الذي تتمتع به المجتمعات الخليجية، واحتكاكها مع المجتمعات الغربية، بالإضافة إلى الغزو الإعلامي المركز على هذه الشعوب- في تغيير كثير من عاداتها وتقاليدها المحافظة، مما ساهم في تغيير نمط حياتها إلى النمط الاستهلاكي، كما أن هذه المجتمعات تتمتع بصفة تجعل منها مجتمعات مثالية للنمط الاستهلاكي، وهي صفة التفاخر والتباهي، مما يؤدي بأفراد المجتمع لتقليد بعضهم البعض في اقتناء السلع الكمالية، وهي صفة موروثة. 
 هل يمكن القول إن هناك عادات جديدة طرأت على الخليجيين بدأت تحفزهم على الاستهلاك بشكل مغاير عما كان يحدث في الماضي؟
نعم لقد تغير نمط حياة شعوب دول الخليج بشكل سريع، مما أحدث نوعاً من الفجوة بين جيل الآباء وجيل الأبناء، فلم تعد الأجيال قادرة على التواصل؛ فقد كان من أهم عادات هذه الشعوب عادة الالتفاف على مائدة الطعام المنزلية، وكان الأكل خارج المنزل يُعدّ عيباً، إلاّ أننا نجد اليوم أن من النادر أن يأكل الأبناء مع الآباء، كما انتشرت ظاهرة المأكولات السريعة، والأكل في المطاعم، بل إن الولائم التي كانت شعوب هذه المنطقة تفتخر بإقامتها في منازلها، وترى أن من العيب والعار إقامتها في الأماكن العامة نجد أنها اليوم أصبحت تُقام في المطاعم والفنادق، كما انتشرت ظاهرة السفر للاستجمام، وأصبحت لدى البعض عادة سنوية.
 لماذا -في رأيك- يتصاعد الاستهلاك، مع أن هناك تأكيدات اقتصادية على تنامي أعداد الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل على حساب الطبقات الأعلى دخلاً؟
في الحقيقة أنا أشك في صحة هذه الدراسات؛ إذ إن الجميع اليوم يتحدث عن اضمحلال الطبقة الوسطى في الخليج، وأن مجتمعاتها في طريقها للتحول لطبقتين: غنية فاحشة الثراء، وفقيرة معدمة، خصوصاً بعد الأزمة التي مرت بهذه المجتمعات، وهي أزمة أسواق الأسهم، ولو سلمنا بصحة هذه الدراسات فإن نمو الطبقة الوسطى يزيد من القوة الشرائية لدى المجتمع، ومن ثم يصبح هذا المجتمع هدفاً لدى الشركات عابرة القارات لتسويق منتجاتها، بحيث تعمل عليه وفق آلية معينة لإكسابه السلوك الاستهلاكي، ولا أدل على ذلك من الهند.
 التوجهات الاستهلاكية عند الأفراد هل هي شيء ثابت أم انها تتغير وتتحول بمرور الزمن؟
أنا أصنف الاستهلاك كنوع من أنواع الإدمان، والمدمن لايمكن في الغالب أن ينفك من إدمانه إلاّ أن القدرة على الإنفاق هي التي تتحكم في هذا النوع من الإدمان. 
 معادلة الاستهلاك والادخار هل هي دائماً عكسية؟ 
نعم، فهما ضدّان كاليل والنهار
 بعد كل هذا الحديث.. هل يمكن أن يكون هناك جانب إيجابي في الاستهلاك وارتفاع معدلاته؟
نعم عندما نتحول إلى دول منتجة ومصنعة، بدلاً من حالنا الآن الذي يرثى له؛ إذ نأكل مما لانزرع، و نلبس ما لا نصنع، وهنا تصدق علينا الحكمة التي تقول (من لايملك قوته لا يملك إرادته).
 أخيراً.. ما هي المخارج الآمنة من الاستهلاك ومشكلاته؟ وما هي البدائل المتاحة أمام الفرد والمجتمع؟
أعتقد أن المخارج الآمنة مما نحن فيه هو زيادة الوعي لدى مجتمعاتنا بأهمية الادخار وضرر الاستهلاك المسرف، وأنه يتعارض مع تعاليم ديننا التي حرمت الإسراف، ونهت عن الدّيْن، وعلى الجهات الرقابية على المؤسسات المالية منع هذه المؤسسات من التوسّع في منح القروض الاستهلاكية وتشجيعها لتقديم البرامج الادخارية.