بعد سنوات من الانقطاع الشباب السعودي يعود بحماس لحليب الإبل

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في تحقيق . بتاريخ : Apr 6 2012 | العدد :72 | عدد المشاهدات : 3117

بعد سنوات من الانقطاع الشباب السعودي يعود بحماس لحليب الإبل

نسخة للطباعة
قبل عقود كان حليب الإبل شيئاً مألوفاً عند الغالبية العظمى من السعوديين، يقبل عليه جميع فئات المجتمع من شباب وكهول وشيوخ نساءً ورجالاً، نظراً لما يتمتع به من فوائد جمّة للجسم، لكن خلال العقدين الماضيين لوحظ أن الإقبال الواسع الذي كان يجده حليب الإبل تناقص إلى حد كبير، خاصة عند فئات الشباب التي ربما بعضها لم يتذوق هذا الحليب في حياته كلها، وهو ما يعني بشكل أو بآخر انفصاماً تاماً عن عادة من أهم العادات الغذائية التي كانت متوافرة قديماً في المملكة.. غير أن الواقع في السنوات الخمس الأخيرة بدا يشهد تغيّراً في توجهات الكثيرين من السعوديين تجاه ألبان الإبل؛ إذ بدأ الإقبال عليها مرة ثانية، وإن لم تكن بذات الدرجة التي كان عليها جيل الأجداد في الماضي.
والذين يقبلون حالياً على حليب الإبل، تحركهم عوامل شتى ورغبات مختلفة، وجدوا جميعاً ضالّتهم في هذا الحليب؛ فالبعض منهم يقودهم إلى حليب الإبل الحماس للمكونات الغذائية الهامة المتوافرة في هذه الألبان، والبعض الآخر يتجه إليها تمثيلاً للماضي في عاداته الغذائية وتقاليده المجتمعية الأخرى، أما أهم المتغيرات والتي كانت مفاجئة للبعض فهو توجه الشباب في المملكة بكثرة إلى حليب الإبل في الآونة الأخيرة، وخاصة أولئك الشباب الذين يبحثون عن أجساد قوية ورشيقة، والذين وجدوا ضالّتهم في حليب الإبل الذي يمنح القوة مع الرشاقة، واللذين قد أصبحا أخيراً مطلبين هامين عند الشباب.
وإذا تجول المرء في الأماكن الطرفية للعاصمة الرياض في الاتجاهات الأربع، فإن عينه لابد أن تقع على مجموعات من مربي الإبل وهم يبيعون الحليب طازجاً بعد حلبه للمارة من المسافرين والمرتادين، وذلك في تقليد أصبح يلقى رواجاً خلال السنوات الأخيرة، وقد لوحظ أن أعداد الذين يمتهنون مهنة بيع الحليب في الطرق السفرية والبعيدة عن القرى والمدن في تزايد مستمر، نظراً للتشجيع والترحيب الذي يجدونه من المشترين الذين يتزايد عددهم يوماً بعد يوم.
وذلك على الرغم من أن عملية بيع الحليب في البادية كانت تُعدّ في الماضي القريب عيباً اجتماعياً غير مقبول، لكن البائعين المنتشرين حالياً في الطرق السفرية، يقولون إن بيع الحليب كمهنة في طرق سفرية ليس متناقضاً مع ثقافة البادية؛ لأن من يذهب إلى القرى ويُستضاف فيها يجد الحليب مجاناً دون مقابل، أما هنا في هذه الأماكن – يقصدون تجمعاتهم- فهي مهنة ولا عيب في البيع أو الشراء.
 أحد بائعي حليب الابل في طريق (الرياض – الدمام)، تحدثنا معه عن هذه المهنة وعن مستوى الإقبال عليها، وأنواع الإبل وألبانها والأعشاب التي تتغذى عليها، وعندما سألناه عن الفئة الأكثر قدوماً إليهم لشراء حليب (الخلفات) قال: إنهم الشباب، وإنهم (البائعون) اندهشوا في البداية للأمر كون الشباب كانوا إلى وقت قريب يقاطعون مثل هذه المنتجات، وكانوا يعتبرونها تخلّفاً أو رجعية إلى الوراء، خاصة وأن عبوات الحليب الراقية الآن تملأ محال الرياض وبقية المدن الكبرى.
      لكن كان التفسير موجوداً لعودة الشباب هذه، بعدما تبين أن الفوائد الموجودة في حليب الإبل والعناصر الغذائية العالية هي التي تدفع مثل هؤلاء الشباب إلى قطع المسافات للتمتع بشرب حليب الإبل للحصول على أجسام متناسقة وقوية، وتبين أن الشباب المهتم بالألعاب الرياضية وألعاب القوى على وجه الخصوص هم الأكثر ذهاباً للأماكن التي يُباع فيها حليب الإبل، وهي غالباً ما تتركز في المناطق الطرفية، مع ما في هذه الأماكن من مخاطر على الصحة؛ إذ تكون عمليات الحلب والبيع والشراب في أماكن مفتوحة، لاتتوفر فيها المقومات الصحية المطلوبة، وهو ما يجد تحذيراً من قبل المختصين في علوم الأغذية الذين يشدّدون على أهمية أن يسبق شرب الحليب، عملية غلي في النار تساعد في قتل الجراثيم، خوفاً من الأمراض، وبخاصة الحمى المالطية. لكن يبدو أن هذه التحذيرات تذهب هباء مع رغبة البعض في تناول الحليب فور اكتمال الحلب من الناقة، اعتقاداً منهم أن ذلك يمنحهم القوة والطاقة اللازمة بشكل أفضل.
ويقول الشاب السعودي محمد الحربي: إن الفوائد الكبيرة التي يسمع بها عن حليب الإبل هي التي تقوده مع مجموعة من الشباب إلى الاتجاه إلى الطريق الصحراوي خارج الرياض (باتجاه مدينة الخرج) لشراء حليب الإبل، وشرب كميات كبيرة منه في هذه المقاهي، قبل أن يعود أدراجه مصطحباً كميات أخرى إلى منزله.
وطالب الحربي بأن تكون هناك مقاهٍ مماثلة داخل مدينة الرياض والمدن الأخرى لبيع حليب الإبل، وأن تعمم ثقافة تناول هذا الحليب العظيم الفائدة، وسط أكبر قدر من الناس، وذكر أن جيل الآباء والأجداد كان يعتمد في جزء كبير من معيشته على حليب الإبل، غير أن السكن في المدن، قلّص من هذا الجانب، ونشأت أجيال من السعوديين لا تعرف مذاق حليب الإبل.
ويقول (فهد المطيري) إن سبب توجّهه مع رفاقه لتناول حليب الإبل هو رغبة وحب حليب "سفينة الصحراء"، وأنه يتردّد على هذه (الشبوك= مكان لحبس الإبل) التي يُباع فيها حليب الإبل في أوقات متفرقة تتراوح ما بين شهر إلى شهرين، وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع، ويرى أن هناك فروقاً شاسعة بين حليب الإبل في السنوات الأخيرة وحليبها قبل أكثر من خمس عشرة سنة، وذلك من ناحية الطعم والرائحة والطاقة التي تمد بها جسم الإنسان؛ إذ إن الإبل في الماضي كانت لا تُحجر في (الشبوك)، وتأكل عشب الربيع في البراري عند سقوط الأمطار، وهو ما يجعل حليبها أكثر فائدة.
ويذكر (علي وأحمد ومحمد) ويعملون في (شبوك) للإبل ناحية مدينة الخرج (50 كيلو من الرياض)، و هم متخصصون في بيع حليب الإبل- أن السعر يحدده حجم (الطاسة)؛ فالصغيرة بعشرة ريالات، وهناك (طاسة) أكبر منها قليلاً بخمسة عشر ريالاً، والتي تليها بالحجم بسعر (20) ريالاً، ثم بخمسة وعشرين ريالاً، وذات الحجم المتوسط بـ(30) ريالاً، وأكبر حجم بسعر (40) ريالاً، وفي السنوات الأخيرة تدفق عدد كبير من الزبائن خاصة فئة الشباب طلباً للحليب، وهم يشربونه بشراهة؛ فهناك زبائن من الشباب يتردّدون علينا في عطلة نهاية الأسبوع، وهناك من يحضر لنا يوماً بعد يوم، كذلك هناك القليل من كبار السن. 
كما يقولون إنهم يحلبون الناقة الواحدة كحد أقصى مرتين في اليوم؛ إذ لا يمكن أن تدر الناقة أكثر من مرتين، والوقت المفترض لحليب الناقة بعد المرة الأولى ثلاث ساعات على الأقل؛ لأنه لا يمكن أن تدر مباشرة بعد حلبها، وأن البرسيم هو أفضل علف تأكله الناقة، وهو يسبب إدرار الحليب للناقة، ويكون طعمه جيداً.
وفيما يتعلق بالنظرة التي ينظر بها لمن يقوم ببيع حليب الإبل، قال العاملون إن تلك النظرة اختلفت الآن، وليس لها وجود، وربما تكون متواجدة فقط في مناطق البادية؛ إذ يعتبر حليب الإبل نوعاً من الضيافة، وليس للبيع، كما يحدث في العاصمة والمدن الكبرى أو أطرافها.