حقيبة مدرستين

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 2410

حقيبة مدرستين

نسخة للطباعة
خرج الثلاثة الصغار من منزلهم البسيط الذي ألفوه إلى منزل طيني آخر، أصبح يُسمى "مدرسة البصر".. كانت مغامرة جديدة يفغر الصبيان لها أفواههم في شيء أشبه بالنقلة الحضارية.
الثياب السوداء الثقيلة تحميهم من البرد القارس، والخفاف التي على أقدامهم أصبحت مثار تندّر وتضاحك فيما بينهم، بعدما وصفها كبيرهم "عبد الله" بأنها تشبه القطط!
لقد اشتراها الأب منقّطةً بطريقة لافتة على غير ذوق الصغار، وربما لأنها كسدت في المتجر؛ أصبح محتّماً أن يستعملها للأولاد!
الأزقّة الضيقة تُسْلمُهم إلى المدرسة، وكل الأزقة ضيقة، حيث لا سيارة تقتحم سكون القرية.
 افتتاح المدرسة كان حدثاً غير معتاد، احتفلت به القرية وتفوقتْ على منافساتها، فلا "المنسي" ولا "النخلات" ولا "العاقول" حازت أسبقية أن تكون حاضنة لمدرسة الأولاد، أما مدرسة البنات فهذه خارج نطاق التفكير ، ولم يسمع به أهل القرية من قبل!
بيت الغمّاس، أمام مزرعة السويد، مقرّ هذه المنشأة التي فتحت القرية على الدنيا ووضعت تلك القرية الوادعة على ما كان يظنه الفلاحون فوهة بركان التقدم الذي لم يكونوا على علاقة متوترة معه.
ومن هنا بدأت الحداثة، فمكينة السويد (البلاكستون) بصوتها المدوي، الذي يشق سكون القرية؛ كانت تعزف لحناً لا تعرفه الذاكرة يحسّون بأن تغيّراً إيجابياً يقتحم حياتهم، وأمامها الحقل التعليمي الذي يحضّر الأطفال نحو المدينة .. حيث يكبر الصغار هناك كمتداد للمعرفة.
1374هـ هو تاريخ الافتتاح، والمدرسون ستة، ومنذ اليوم الأول كانت الدروس والفُسَح منضبطة في مواقيتها، والحماس سيد الموقف. حصتان، ثم فسحة طويلة، يذهب الأولاد لأهليهم، ربما وجد الثلاثة كأساً من الشاي مع شيء من الكعك، أما الغالبية فشيء من التمر ولبن المعز، حيث يقاسمهم المعز المنزل والطعام ويكمل البرنامج المدرسي.
هذا هو المتغير الاقتصادي الهادئ، ينقل الأسرة من الاعتماد على منتجها الذاتي إلى حالة استهلاكية صغيرة مستحدثة.
الضرب على إناءٍ معدني، مع صوت المراقب؛ هو الذي يعيد الأطفال إلى مدرستهم، قبل أن يتطور الأمر إلى الصافرة، ثم الجرس.
حين يَقلّ عدد الطلاب في سنة دراسية؛ تلغى الدراسة في ذلك المستوى، ولهذا اضطر الصبي الأكبر "عبد الله" إلى أن يتردّد في السنة الخامسة على قرية مجاورة هي "ضِراس"، وأن يتردّد في السنة السادسة على قرية "الغمّاس".
توجّعُ الأم وحنينها، وخوفها على الصبي؛ يجعلك تنطبع بأن ثمّ معاناة ضخمة ترهق هذه الأسرة الصغيرة الناشئة، ويجعل الصبيان الصغار يظنون أن تلك المسافة التافهة مسيرة شهر!
هو يتذكر تلك القصة الوداعية الحزينة في أمٍّ تندب حظ ابنتها تلك التي تزوجت، ثم كان قدرها أن ترحل من (البصر) مقرهم لـ(القويع)، وتلك رحلة في موازين الغابرين دونها المفازات.. بيد أن بين تلك القريتين بضعة كيلو مترات!
نغمة أم الصبيان الحزينة على عبد الله كانت شبيهة بتلك.. نغمة واضحة يسمعها الجميع، وتصنع لهم شجواً لم يصنعه لهم الحدث ذاته.
وحتى الذين يتذمرون من أخ أكبر يصرخ عليهم لا يملكون إلاّ أن يشاطروا الأم أحزانها!
 في سنة 1382هـ انتظم الثلاثة كلهم في المدرسة، عبد الله ومحمد وسلمان، لم يكن ثمّ تدقيق في المستويات العمرية، فيمكن لأي صبي في الخامسة من عمره أن يلتحق بالمدرسة.
 الكبير في سنه، والمتقدّم في مستواه الدراسي هو القائد الخبير المتمرس في شؤون الحياة، والمسؤول عن حماية أخويه الآخرين من العدوان الأجنبي، حيث تضمّ المدرسة أعماراً شديدة التفاوت، وحيث ملتقيات الأولاد في السوق (الطريق) تكون سبباً للاحتكاك والتصارع؛ فهو يرشد أخويه إلى ما يتوجب عليهم عمله تجاه المواقف والمستجدات، ولأن (الغُنْم بالغُرم) فمن حقه أن يَسْخَرَ بهم ويتندّر عليهم، ويضحك من وصوصة أحدهم في لسانه أو لثغته، أو أن يفتعل بعض المواقف، ويضع الآخر في إطارها، دون أن يمنحه فرصة التنصّل أو الاعتذار!
       ومن المعتاد أن يتفوّق عليهم في المعارك الحامية التي تدور رحاها في "حوش" المنزل، أو في الشارع الضيّق المسدود المتصل بفناء الدار، حيث تلاحقهم الأم متذمّرة حزينة خائفة من تطور العراك، آخذة تهديداتهم المتبادلة مأخذ الجد، متناسيةً أن الذي يعمل لا يهدّد، متسائلة عمّا ستكون عليه علاقتهم في مستقبل الأيام!
 أساتذة المدرسة كأنهم هبطوا من كوكب آخر، هذا من "البكيرية"، وهذا من "بريدة" وهذا من "مصر"، وهم الفئة الوحيدة التي تسكن بالإيجار، ولا غرابة أن يتحدث أهل القرية عن رواتب عالية يحصلون عليها، تصل إلى "ستماية" ريال، وأن يتساءلوا عن تفصيلات حياتهم وطبيعة معيشتهم، إلى حد أن الهمسات بدأت تتعالى في أن بعضهم يمتلك جهاز "رادو"، وتؤكد بعض النسوة أنها سمعت همهماته، ويقال -والله أعلم- أنه لا يلتقط إلاّ الأذان والقرآن!
هَمّ هو ذات مرة أن يسترق السمع؛ لأنه سمع حساً غريباً، وحين اقترب وجد صاحب المنزل، الأستاذ الذي هو ابن عمه في الوقت ذاته (محمد الصالح)، مسترخياً يتغنى بأبيات القاضي التي مطلعها:
يا محلّ العفوِ عفوَك يا كريم 
ناوِشَنْ برحمتك بابَ السلام
الصغار عادة يتحدثون بإعجاب عن أساتذتهم، ويقلدونهم، ويغبطونهم كيف يجلسون على الكراسي الحديدية، ويكتبون بالطباشير، ويحملون الدفاتر، ويلبسون الثياب الجميلة، والغتر البيضاء، وربما العقال.
كانت ملابس الأساتذة مصنوعة من "التترو" الثمين، وعلى أكمامهم الكبكات، بينما كان الصغار وأهل القرية عامة يلبسون ثياب "الخام" الزهيد الثمن، ثم تطور الأمر إلى "البفت" و "الدوبلين"!
ثمة خاصية لهؤلاء الثلاثة؛ إذ يقضي بعض الأساتذة مساءاتهم الهادئة المتشابهة أمام "دكان فهد"، ويتحدثون، ويشربون شيئاً من القهوة، وبهذا ترسّخت العلاقة مع والدهم ذي الطبيعة الاجتماعية الدمثة.. فكان دكان "فهد" صالوناً اجتماعياً يفد إليه الأصدقاء والغرباء، حيث يشاركه الناس قهوته وطعامه.
أبرزهم وأعرفهم أستاذه الذي أصبح بعد تلميذاً نجيباً متواضعاً، وجلس قبالته في شرح بلوغ المرام، وفي الدرس العلمي العام، وصحبه في أسفاره الدعوية وفي حجه وعمرته، ثم ناب عنه فترة طويلة في الرد على جواله الرديف؛ ذلك الشيخ التلميذ هو أبو أحمد محمد بن عبد الله الحسون.
"أبو محمود" أستاذ من مصر يحضر، وتحضر معه الصبية "فاطمة" ذات الخمس سنوات، والتي طالما تحدث إلى الجلساء أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي سمّاها بهذا الاسم الجميل.
وحين غضب عليها ولعنها؛ عاتبه فهد ضاحكاً: هداك الله أبا محمود، كيف تلعن صبية سماها محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ فأجاب فوراً بأنه كان يدعو الله أن "ينعلها" أي: يلبسها النعل، وهذا تعبير عن الغنى والرفاه والإسعاد عندنا في مصر!
وانتهى الموقف بضحكة لا تخلو من خبث!
العلاقة بين المدرسة والقرية حميمية، والأساتذة يشاطرون أهل القرية صلواتهم ومناسباتهم التي تكاد تختصر في عشاءات الأعراس، والتي عادة ما تكون بعد صلاة العصر، ولا غرابة أن ينادي المدرسون صبيان القرية بالألقاب والمعايير الساخرة التي تعارفوا عليها، وليس بالأسماء الرسمية الحقيقية، وأن يحتوي الأساتذة مشكلات الصغار التي هي بطبيعتها صغيرة، مثل أن يأتي أحدهم إلى المدرسة وقد لبس ثوبه بالمقلوب؛ فيقوم الأستاذ بتصحيح الوضع، أو أن يعيد ترتيب الحذاء.
افتتاح المدرسة لم يحدث أي انطباع سلبي في القرية، حتى "المطوع" إمام المسجد، و"النائب" المحتسب الذي ينفّذ العقوبات على المتخلفين عن الصلاة أو المشتبهين بتدخين مثلاً، أدخلوا أبناءهم المدرسة، وتعاملوا مع هذه المؤسسة الجديدة بدفء ورضا وثقة، كانت العفوية تحكم الموقف، خلافاً لما حدث في أوقات أخرى ومناطق مختلفة؛ أصبحت  فيها الشكوك تغلّف كل جديد، والرفض هو الموقف المبدئي حتى يألف الناس الأمر ويقبلوه، ويسكت بعضهم على مضض، أو يتخذوا موقفاً ذاتياً يفرضونه على أسرهم ولا يبشرون به في الأوساط العامة!
  
تلك الذكريات الجميلة والتفصيلات الدقيقة، كانت مثار ضحك وتراشق في جلسة أَرْيَحيّة مسترخية، من أواخر زيارات الشركاء في صناعة الأحداث إلى حيث يقيم شريكهم في "لحاير"!
 لا يدري لماذا تداعت كل تلك الأحداث الصغيرة إلى الأذهان في غرفة الزيارة الحائرية، بيد أن وجود الأطراف كلها، وغياب القلق هذه المرة؛ إذ يتشبع الجو العام في النُّزُل الإجباري بأن ثمّ انفراجاً وشيكاً يتم التحضير له!
وجود الأم التي هي محور تلك المرحلة، وكل مرحلة، وهي شاهد وثيق قوي الذاكرة على أدق التفصيلات، والمرء يرى نفسه صغيراً بحضور أمّه، إذا فقدها هَرِمَ فجأة.
كان حديثاً مستفيضاً عن المدرسة الأولى، يتلبّس به حديث غامض عن مدرسة ثانية يوشك أن يتخرج منها.. وحين كانت المدرسة الأولى تعليمية نظرية كانت المدرسة الثانية عملية تجريبية.. كانت الأولى دون حِبس"البصر" والثانية دون حَبس "الحائر".
ذهب للأولى راضياً محبوراً، وذهب للثانية مكرهاً مأسوراً.
وتخلل الأولى فُسَح وإجازات، وامتدت الثانية لخمس سنوات دون انقطاع.
تعلّم في الأولى حروف اللغة ومبادئ المعرفة، وتعلّم في الثانية لغة الحياة وطبائع النفوس.
في الاولى كان يدرس ليدخل الاختبار ، و في الثانية يدخل الاختبار ليأخذ الدرس.
فَفَي كُلِّ يَومٍ يُولَدُ الْمَرءُ ذُو الْحِجَى 
وَفِي كُلّ يَومٍ ذُو الْجَهَالَةِ يُلْحَدُ
غياب الرقيب هذه المرة سمح بالاسترخاء.