حدود المساعدة ومخاطرها

كتب بواسطة: ابراهيم غرايبة | في الجهات الاربع . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 1972

حدود المساعدة ومخاطرها

نسخة للطباعة
برامج المساعدات والمنح التي تقدمها دول ومنظمات دولية وإغاثية، ومؤسسات وجمعيات خيرية وأفراد إلى دول ومجتمعات وأفراد، تحتاج إلى تقييم متواصل وإعادة فهم وتحليل، لنعرف مدى الحاجة إليها، وضررها ونفعها، وأثرها على التنمية والإصلاح والتكوين النفسي والاجتماعي للدول والمجتمعات والأفراد، وتأثيرها على تشكيل النخب والقيادات، وصعود بعضها وتراجع الأخرى، وأخيراً مدى إسهامها في الفساد والثراء غير المشروع، وكيف يمكن تحقيق استفادة فعلية من هذه المساعدات من دون إضرار بالجهات المتلقية للمساعدات، بل وكيف يمكن تجنّب تحوّل هذه المساعدات إلى أداة من أدوات التخلّف والهيمنة!!
وفي تتبعها لتاريخ المساعدة تلاحظ أستاذة الفلسفة الاجتماعية الألمانية (ماريا جرونماير) أن المساعدة كان ينظر إليها في الخطاب الديني على أنها لمساعدة النفس وتطهيرها وتزكيتها (الزكاة)، ولكنها أيضاً تحظى بتأييد كبير لدوافع إنسانية علمانية؛ ففي مرحلة صعود العلمانية ظلت المساعدة قائمة من غير خوف على النفس أو لحمايتها من العذاب، وإن تغيّرت استعدادات الناس وتنوّعت لتقديم المساعدات والصدقات.
وفي المرحلة الاستعمارية بدأ تقديم المساعدة للشعوب المحتلة، ربما تكفيراً عن الفظائع التي ارتكبت بحقهم، أو لإنشاء نخب وطبقات مؤثرة في مجتمعاتها وموالية للمحتل.
وفي مرحلة قيام الدول الحديثة والاقتصاد الصناعي والخدماتي اعتبر التسوّل جريمة، بل وصار ينظر إلى الفقر نفسه باعتباره جريمة وتقصيراً، وبدأ المتشرّدون والمتسوّلون يعتبرون أعداء للدولة، وتلاحقهم عناصر الشرطة، وفي مدينة (تروا) في القرن السادس عشر اجتمع أغنياء وحكام المدينة كي يجدوا وسيلة لعلاج الأمر، وكان قرار المجلس هو ضرورة وضعهم خارج المدينة دون إخبارهم بالسبب، فبعد توزيع الخبز وقطعة من الفضة على كل منهم، يدفعون إلى مغادرة المدينة، ويُنبّه عليهم أن يذهبوا إلى الرب، ويبحثوا عن لقمة عيشهم في مكان آخر.
وصارت الإستراتيجيات المقترحة لمواجهة الفقر خليطاً بين التأديب والتثقيف الإصلاحي.
       ولم يعد صحيحاً أن المساعدة هي تلك الحالة غير القياسية التي لا يمكن التنبّؤ بها، بل لقد أضفيت عليها صبغة مؤسسية واحترافية، وهي ليست نتيجة وليست فعلاً، إنها استراتيجية، فلم يعد ينبغي ترك المساعدة للمصادفة، وفكرة المساعدة في الوقت الراهن مشحونة بهالة من التبرير، وتستمد المطالبة العالمية بالمساعدة من الحق في المساواة، كما أنها التزام واسع النطاق بتقديم المساعدة.
وفي الوقت الحالي أصبحت فكرة المساعدة وممارستها بلا حدود في اتجاهها التوسعي، وقد شقت أنعمها طريقها إلى أبعد بقاع العالم، ولم يعد هناك قطاع من قطاعات الحياة الاجتماعية أو الفردية مقاوماً لتشخيص الحاجة إلى المساعدة.
في مجال مساعدات التنمية بلغ انحراف فكرة المساعدة درجاته القصوى، بل إنه حتى التركيب باهظ التكلفة لما يصل إلى حد كون آلات للإبادة الجماعية في الأراضي الأجنبية الذي هو أمر مدمر من النواحي الاقتصادية والسياسية والأخلاقية بالنسبة للبلدان المتلقية للمساعدة يُسمّى حالياً مساعدات. إنها المساعدات العسكرية، بل بات بالإمكان مؤخراً تضمين التخلص المريح من النفايات الصناعية الملوثة وشديدة السمّية تحت العنوان العام للمساعدة الاقتصادية؛ فالنفايات المفيدة تبقى داخل البلاد في مقالب السلطات المحلية مراكز إعادة التدوير، أما النفايات الضارّة من ناحية أخرى فتشحن إلى العالم الثالث لحرقها أو تخزينها هناك.
وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع اشتداد الصراع مع الاتحاد السوفييتي وامتداده إلى الفكر والسياسة، استخدمت المساعدات باعتبارها جزءاً من الأمن القومي لمكافحة الشيوعية، ولأجل الالتزام الأخلاقي بنقل التقدم إلى الآخرين ومشاركتهم الرخاء والامتنان للقدر التاريخي الخير، ومنحت المساعدات بعداً أخلاقياً وديمقراطياً، وبخاصة بعد الخطاب التاريخي للرئيس كنيدي أمام الكونغرس في عام 1961، واعتبرت حاجة أمريكية أن تُمدّ يد كريمة إلى هؤلاء الذين يعملون من أجل حياة أفضل لأنفسهم ولأطفالهم على حد تعبير كنيدي.
وبدأت المساعدة تأخذ منحى الخدمة المقدمة للمجتمع العالمي الشامل، ثم تحوّلت من الخدمة إلى العمل الاجتماعي، ومن الشفقة إلى الاهتمام بقضية العدل، ومن المساعدات المحدّدة المعزولة إلى التغلب على الوضع القائم.
وفتحت تسمية «مساعدات التنمية» المجال واسعاً لرفع الحرج والخجل المرافق للمساعدات، وفتحت المجال أيضاً لنوع جديد من التدخل والهيمنة، فالتنمية تعني التدخل، وتعني مشكلة لا يقدر المتلقي على حلها، ولا بد من مساعدته في ذلك، ولأجل مساعدته يجرى إلحاقه بالجهة أو الدولة المانحة.
ولكنها وجهة في المساعدة كشفت بسرعة عن بشاعتها واستعلائها، فاستبدل بها فكرة المساعدة المقدمة للمساعدة الذاتية، مثل التدريب، ولكنه تدريب لأجل اللحاق أو الإلحاق؛ لأن المدرب لا يملك أفقاً ولا تجربة غير أسلوب حياته؛ فلا يكون التدريب حينها سوى شكل أكثر كياسة وأخلاقية من أشكال التدخل.