خواطر على البحر

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في القارئ يكتب . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 2946

خواطر على البحر

نسخة للطباعة
(اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)
الله:
الله أكبر كم هو واسع ملك الله..!!
كم جميل متنوع فسبحان الله..!!
       هذه الكلمات وأشباهها هى ما دار في ذهني هناك.... بعيدًا عن أضواء المدينة الصاخبة حتى في هذه الأوقات من الليل؛ فالليلة ليلة الجمعة، وهنا في المدينة الساحلية يحرص الأهالي والزوار على الخروج حيث الأسواق والشاطئ، ولكن بحكم أن الجو ما زال باردًا حيث بدايات شهر إبريل إضافة لتأخر الوقت فقد جاوزنا منتصف الليل، و انحسر مدّ الناس عن الشاطئ إلى شوارع المدينة ومقاهيها وحوانيتها في منظر ليس غريبًا على أهلها..
       جاء بي ظرف عمل مؤقت للمدينة في هذا الوقت حيث أبدأ بعد ساعات جولة ميدانية عملية، ولما كانت تربطني بالمدينة علاقة عائلية فلم أستغربها.. ولاتستغربني في هذا الوقت، بالعكس أحسست أن داخلي يتنفس، وأن روحي المحلقة بعيدًا تقترب مني، بالذات كلما خلصت من الزحام والضجيج وزخم الناس وألوان المحلات والبضائع والمتنزهات، وخلصت أخيرًا إليه.....هناك، حيث يدقّ قلبي وأشعر بالحياة... هناك حيث المكان الذي أتوائم معه، وأشعر أني أشبهه بكل جوارحي...هناك حيث البحر...
        أحسست بالنشاط، وما التفتّ إلى أنني قطعت مسافات بعيدة عن شاطئ البحر المظلم من أنوار البشر، والمليء بكل العبر. حمدت الله على نعمة الأمان، فيا لها من نعمة؛ فقد تعوّدت المدينة احتضان زائريها وأهليها ليل نهار بلا تفرقة، وحمدت الله على نعمة الإيمان؛ فهي تكفي المرء غوائل الناس في هذا الزمان، ويبقى التحرّز بآيات الحفظ من الشيطان...
الممشى: ممهّد موازيًا للبحر وزاخر بالأنوار اللامعة في بريق أخّاذ يشي بحداثة الانتهاء من تجديدات الشاطئ، مع أرضية رخامية باهرة تعكس الأضواء الذهبية.. وتتخلّله فتحات ودرج للنزول للبحر.. تردّدت كلما صادفت فتحة للنزول؛ فقد تأخر الوقت.. وخفّ عمّار البحر تمامًا.. حتى إن أصحاب المقاهي والكراسي البحرية تركوها ممدّدة في العراء ومضوا فى انتظار الصباح؛ لعلمهم بقلة الدراجين في هذه الساعة، ولكني حسمت التردّد سريعًا، وانعطفت ناحية البحر، وكلما ولجتْ قدماي على التراب تغيّر الإحساس تمامًا... فيا له من إحساس ويالها من روعة..!! مهما كان الطريق الرخاميّ لامعًا وملونًا برّاقاً فتراب البحر يفوقه نعومة... يحتضن قدم الداخل في شوق وكأنه يستبقيه إليه... والبحر الممتد للأبدية..هناك.. حيث لا تستطيع التفرقة بين نهاية البحر و طية السماء للأرض، فسبحان من خلق الجمال قبل أن نعرف الجمال!! وسبحان من جعل الكمال طقوسًا يتعلم منها الإنسان..!! وفي السماء وقفت النجوم تلمع من بعيد... ترقب حركة السحاب في هدوء حكيم وكأنها ترشده الطريق وتجمع له الهداية، توسّط القمر السماء من ناحية ولوحة السواد الجليلة بين البحر والسماء من ناحية أخرى، وكأنه مراقب شاهد..
       هذه هي المخلوقات التي أتناغم معها.. وهي من أحب مشاهدتها ومصاحبتها.. تلك التي أتت ربها طائعة مختارة، وبرِأت من مشاحنات الحياة وعبء التكليف وصعوبات الاختيار والقرار، وبقيت هناك تستمتع بدورها وعطائها، وتَسبح في تسبيحاتها فوق دنيا البشر.. وقبل أن يمتد لنفسي الحسد تذكّرت أن الإنسان تكليفه تشريف، وأنه حين يؤمن ويسلم، ويستسلم لقدره يكون مثلها في طاعتها يؤدي دوره في استسلام، فيستشعر الكون جماله، ويأمن الناس شرّه، فتحصل له السكينة وراحة النفس والبال في الدنيا، والاطمئنان والرضا في الآخرة. فاللهم رضنا بقضائك وأقنعنا بعطائك. سبحانك لا إله غيرك. أستغفرك وأتوب إليك...
        هدر البحر فجأة فقذف بموجاته: ساقتهن رياح طيبة.. كأنهن مرحبات.. خطوْت ناحية الموجات ولامستهن فى شغف وشوق... يا الله كم اشتقتك! مسحت وجهي بها، ونطقت لا إله إلاّ الله.. ما أروع خلق الله! أحسست بروحي المحلقة بالقرب تسكن داخلي أخيرًا، فانتعشت كميّت رُدّت إليه الحياة، وسرت في جسدي رعدة خفيفة بسبب الماء البارد: طهور البحر: ماء الحياة، ارتدّت الموجات لبطن البحر.. وعادت مرة أخرى تلاحق بعضها بعضًا تتسارع وتتصارع تبطئ وتحنو.. غريب حالك أيها البحر.. هادئ في حنان.. ثائر في طغيان.. ليس لك بداية أم نهاية لا أعرف تحديدًا الآن: أداخلك الغضب أم المرجان، أتزبد أم أنك تهديني الأمان..؟!
يا لك من قريب بعيد قوي عطوف غني معطٍ، متجبر مانع، قادر ثائر، فسبحان من خلقك!! واسع متنوع هادر أبدًا..
       في هذه اللحظة شاركني صوت صديق...نورس نشيط، دومًا أبتسم للنوارس وأتعلم منها، يا الله ما أبدعه! طائر بدرجة محترف! تراه يفرد جناحيه في اقتدار وثقة غير مبالٍ لاتساع الكون حوله، لا يستسلم لسواد الليل حوله ولا لوحدته على الطريق، ولا لقسوة الظروف المحيطة، دومًا واثق في عزيمة، متنمر في مرونة، ولا يؤذي أحدًا إطلاقًا على مهاراته وقدرته على ذلك، هل سبق وفكرت لماذا لم يهاجمك أي نورس؟ مع أن قدرته على النقر رهيبة! وسريعة ومباغتة! سبحان الله..!!
       فرَدَ جناحيه في الهواء وطار محلقًا.. تخيّلته يبحث عن ذويه، و يرنو للقاء محبيه، يطير لأعلى وأعلى عسى أن يظهروا لناظريه، كم يحب الطائر ذويه! وكم يكفيه أن يفرد جناحيه ليلاً محلقًا وقد أغلقت الدور أبوابها على ساكنيها، وبات هو يرعى المكان، ويحرس أنفاس محبيه والزمان، يزيد في التسبيحات لرب الأكوان، عسى يسترزق بها أهل المكان.... هو طائر بأخلاق فاقت الإنسان!
       أحسست أنفاسي تتسارع وأنا داخل هذه اللوحة الكونية، وفاضت عيناي شكرًا لربّ البرية الخالق البارئ المصور ذي الرحمة الإلهية، الذي أبدع لنا قبل أن نتعلم كيف نفك طلاسم الزينة الطبيعية، فسبحانك يا ربّ تباركت في علاك...!!
      جلست قليلاً على أحد كراسي البحر الذى تركه صاحبه ممددًا في الخارج للصباح، وأنا أشعر أني ذرة من الكون تمر في ارتياح، كأني شعرة في جناح الطائر الملوح بدعوة للفلاح..
أدعو لي ولكم بالنجاح في غدوة ورواح
وصلّ اللهم وسلم وبارك على محمد وآله...

نخيل الإسلام