القليل لا يصلح لك

كتب بواسطة: د. عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 4338

القليل  لا يصلح لك

نسخة للطباعة
مرحباً بك شيخنا أبا معاذ، وصبّحك الله بالخير كلما أصبحت، ومسّاك الله بالخير كلما أمسيت، ثم أنت هكذا تفعل بنا، تبث شَجْوَكَ فتبعث شَجْونا.
إنّ الشجا يبعث الشجا
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيف من منى 
 فهيّج أشجانَ الفؤادِ وما يدري
تحدثت عن المجد وبيته، فأذكرتني جميل عهد مضى يوم كنت في بدوات الشباب وتألق المثاليات أقرأ في العقد الفريد، وعيون الأخبار والمستطرف، وكانت قصص المكرمات وفعلات الأجواد مما يشدني خبره، وأعجبت بذوي المروءات مسلمهم وكافرهم؛ عبد الله بن جدعان، وهرم بن سنان، وحاتم الطائي، وسعد بن عبادة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن جعفر، وكنت أعجب بأخبارهم، وأتعجب من حالهم، وبقيت تلك القصص أخباراً تُقرأ، وحكايات تروى كما تُحكى بطولات خالد بن الوليد، وصلاح الدين، حتى قرأتها فعالاً ناطقة تسحّ من يدي يعربي أزدي فيه نعرة العرب العاربة وأريحيتهم وسماحتهم.
ولا والله ما رأيت السماحة فعالاً كريمة كما رأيتها من يديه سحّاً غدقاً؛ فهو السمح إذا أعطى وإذا أخذ؛ تراه فترى في لحظ عينيه شواظي ذكاء خارق، ولكنه يستخدع لك بغرارة الأطفال إذا دخلت عليه من باب الكرم والأريحية.
رأيته في تعاطيه وتعامله وكرم بذله في مشاهد لا ينقضي منها عجبي، فهو الذي إذا أوسع الله عليه أوسع، وإذا رزقه الله رُزقت به أيدٍ كثيرة، وإليك عينة قليلة من كثيره، وإن قليله لكثير، فقد كان من شأنه أن يتكلم بالجوال من خلال مكبر الصوت ما لم يتوقع خصوصية في الكلام، فجاءه اتصال وعنده أحد خاصته، ففتح الجوال فإذا شاب يسلم ويحتفي ثم يقول: لقد اقترضت منك حين زواجي مبلغاً ـ وكان بعشرات الآلاف ـ وأريد أن ترسل لي رقم حسابك حتى أقسط عليك المبلغ، فأجاب سريعاً: لا تقسط ولكن انتظر حتى يغنيك الله، قال المتصل: يا شيخ يمكن أتأخر وتشغل ذمتي. قال: إذاً انسها وأنت بحلّ منها. وأُرتج على الشاب من شدة الفرح، فأغلق الهاتف؛ وهو يشكر شكراً لا يكاد يستجمع التعبير عنه، فسأله جليسه: كأنك تعرف هذا المتصل. قال: لا والله ما عرفته. ثم استكمل ما كان فيه من حديث، وكأنما أعطى بعض تفاريق العملة في جيبه، وقرأت في فعلته قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أنفقي ولَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ).
وعرفته وقد قلبه الدهر على جنباته كلها فعرفته في سعة من عيشه وأمره فإذا هو يسارع الغنى بكريم الفعال وصنائع المعروف، وكأن كل واحدة منها فرصته التي لا يريد أن تفلت منه.
ثم عرفته في حال عبرت به من نضوب الموارد وجفاف السيولة، وتحول الحال التي عرفها وألفها فرأيته كيف ليقها بحسن التجمل وجميل الستر، حتى ما عرف بما هو فيه إلاّ القليل من خاصة خاصته، وقد لبس لكل حال لبوسها، وما أسرع ما تحوّلت عنه حاله تلك فأبدله الله بالعسر يسرين، وظن من ظن أنه سيراجع أمره بعد ذلك فيسلك خطة قصداً في ترشيد الإنفاق، فإذا به يعود إلى ما كان أشد ما يكون، وكأنما كان يقضي مكرماته السابقة ويعجل عداته اللاحقة، وقلت: صدق خاله الإمام الزهري يوم قال: إن الكريم لا تحنّكه التجارب!! 
ولقد رأيت العجب العاجب من حاله وهو ينفق أوسع النفقة، ويحتال بشتى الحيل ليفاجئ صديقاً أو قريباً بما يسعده، أو يشدّ الرحال من بلد إلى بلد ليُؤازر مكروباً، ويواسي مصاباً، ويغيث لهفة.
ثم عرفت أباه، فكانت الغنيمة العظمى لمن يعدّ معرفة كرام الناس مغنماً.
عرفته فكأنما نُشر لي بمعرفته سادات العرب في الجاهلية والإسلام: العاص بن وائل السهمي، وقيس بن عاصم المنقري، وجرير بن عبد الله البجلي.
وتلك الرجالات الذين كانوا زينة حياة الناس ومثابة حاجاتهم.
رأيته فرأيت أعطاف سيد بازل؛ فهو فارع طوال ضارب في الأفق كأنه فسطاط؛ وجلست إليه فلم أرَ ما يستجيشه ويطربه ويسكره إلى الثمل مثل أحاديث المكرمات وفعالات الأجواد، ثم علمت حاله وفعاله، فعرفت السبب وزال العجب.
فقد عرفت أن هذا النهر من ذاك النبع، وهذا الفرع من ذاك الجذع، وتذكرت بحالهم قول عمهم سعد بن عبادة؛ وقد خرج ابنه قيس في سرية:
إنْ يكُ قيسٌ كما أعرفُ فسينحرُ للقوم عشرَ جزائرِ
وكان سعد يقولها وهو في المدينة، وكان قيس يفعلها لأصحابه وهو هناك على سيف البحر.
وما يكُ من خير أتوه فإنما
 توارثه آباء آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلاّ وشيجُه
وتُغرسُ إلاّ في منابتها النخلُ
فقرَّة عينٍ لك يا أبا حمد بابنك هذا الفحل القارح؛ فهو وجهك إذا حضر، ويدك إذا وصل؛ كأنما يمينه كفّ في ساعدك، وفعلاته عزمات قلبك.
وهنيئاً لنا بك يا أبا هانئ؛ فقد عرفنا بمعرفتك أن لا يزال للمروءات العظيمة، والمكرمات الضخمة رجالاتها، وللمجد بيوتاته، وأنّ ما سمعناه، وقرأناه من ذلك ليس تاريخاً وانقضى؛ لكنها مآثر كريمة، تُتداول في كل جيل على يد من يليقون بها وتليق بهم. 
وأذكرتني حالك بعمك سعد بن عبادة الذي كان يدعو فيقول: اللهم هبْ لي حمداً، وهبْ لي مجداً؛ وإنه لا مجد إلاّ بفعال، ولا فعال إلاّ بمال، اللهم لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه.
وأنت والله يا أبا هانئ لا يصلحك القليل، ولا تصلح عليه؛ فزادك الله وبارك وأتمّ عليك نعمه وأدامها، وسلام الله ورحماته وبركاته عليك وعلى والديك.