اللعب بالثقافة

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 2007

اللعب بالثقافة

نسخة للطباعة
لا نعني بالثقافة المعارف والمعلومات، وإنما نعني بها ذلك الكلَّ المركَّب من الأفكار والمفاهيم والأخلاق والمعارف والنظم والعادات والتقاليد السائدة في بيئة معينة، والحقيقة أن (الثقافة)  بهذا المفهوم تعني ذاتية الأمة ووجودها المعنوي، ومن الواضح أن الموروثات الجينية تتحكم في بنية أجسامنا، وأشكالها، ولذلك فإنها توجِّه السلوك الفزيولي والتطور البيولوجي لوجودنا المادي.
أما الثقافة فإنها تشكل الأداة التي نتعرَّف من خلالها على أنفسنا وعلى العالم من حولنا، كما أنها تشكل أداة جوهرية لتعريفنا بخالقناـ جل وعلا ـ وطبيعة موقف العبودية الذي يجب أن نقفه تجاهه، وهذا يعني أن اللعب بالثقافة ومحاولات إدخال تغييرات عليها يشكِّل خطورة بالغة على حياتنا المعنوية، خطورة لا تقل في حجمها عن الخطورة باللعب بالجينات البشرية.
ومن الملاحظ اليوم أن هناك هجوماً شاملاً وشبه منسَّق على الكثير من مفردات ثقافتنا الإسلامية والثقافية السائدة في العديد من بلداننا العربية والإسلامية، ونحن نسلِّم بأن في كل ثقافة سائدة لدى المسلمين وغيرهم بعض الأجزاء المعطوبة التي ينبغي التخلص منها مثل: بعض العادات والتقاليد البالية، وبعض المفاهيم والآراء الفاسدة والخاطئة، لكن الذي يجري اليوم يمسّ في الحقيقة أطر التفكير ومرجعيات التأمّل والتفسير؛ إذ يسعى كثير من الكتاَّب الليبراليين وغيرهم إلى جعل النموذج الغربي في العيش وفي التقدم هو المرجع لكل ما ذكرنا، وذلك من خلال تمجيده وبيان محاسنه ومن خلال النقد اللاذع لكل ما لدينا.
وإني أشعر بالكثير من الأسى والأسف حين أجد من الكتَّاب من يصور الصحوة الإسلامية المباركة على أنها عبارة عن غفوة أو ورطة حضارية، وذلك بسبب ما رأوه من تصرّفات بعض الغلاة والإرهابيين، وقد نسي أولئك الكتَّاب كل إنجازات الصحوة على الصعيد الأخلاقي والوطني، ونسوا كل ما بثته في الأمة من وعي ورشاد! 
قد نختلف ويختلف معنا ممن يعدون أنفسهم في عداد الناقمين على الصحوة حول حكم صلاة الجماعة، وحول النقاب، وإسبال الثياب، وحول حكم اللحية، وبعض أشكال الغناء والموسيقا، وبعض صور المعاملات المالية.
قد نختلف في هذا وفي غيره كما اختلف سلف هذه الأمة، لكن لا يصحُّ أن يصل بنا الخلاف إلى حدود التباين الممقوت الذي لا يسانده أي أصل أو نص؛ إذ إن صلاة الجماعة ـ على نحو عام ـ تظل أفضل من صلاة الفرد، وإطلاق اللحية يظل أفضل من حلقها، كما يظل الذي لا يستمع إلى الأغاني والمعازف أفضل من الذي يستمع إليهما، هذا إذا كنا نفكر ونحكم فعلاً داخل الإطار الإسلامي، لكن بعض المثقفين يريدون إسدال الستار نهائياً على مثل هذه القضايا، إما لأنهم يرونها شؤوناً شخصية وخاصة، وإما لأنهم يرون أنها فرعيات وهامشيات لا تستحق أي اهتمام، بل إن بعضهم ينظرون إلى من لا يستمع إلى المعازف على أنه جافٍ ومنغلق وفاقد للإحساس ومستفز....!  
نحن إذن في حاجة ماسَّة إلى إجراء حوارات موسَّعة وشفّافة حول الأرضية المشتركة التي نقف عليها، وأعتقد أن قطعيات الدين الحنيف بما تشتمل عليه من كليات و أركان وفرائض تشكل أساس تلك الأرضية.
نحن في حاجة إلى حوار وإلى وضع النقاط على الحروف في كثير من المسائل؛ حتى لا تجد الأجيال الجديدة أنها تائهة بين التوجهات والتيارات المختلفة، وإن الدفق الثقافي الهائل الذي نتعرض له اليوم زاد الطين بلّة، وينبغي أن يشكل حافزاً إضافياً لنا على فتح كل الملفات وبسط كل القضايا للنقاش والبلورة.