العولمة «طبيعتها – وسائلها – تحدياتها – التعامل معها»

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في مطالعات . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 5691

العولمة «طبيعتها – وسائلها – تحدياتها – التعامل معها»

نسخة للطباعة
الدكتور عبد الكريم بكار الباحث الجادّ والمفكر الدقيق لا تكاد تعدم الجدة والمواكبة في أي مؤلف من مؤلفاته، والعولمة ظاهرة الظواهر، ومشكِّلة الأطر التواصلية للتلوث، وسهولة الاتصال وحياة القرى الصغيرة المتجاورة بشوارع ذكية ومتاجر استهلاكية وترفيه شائع الحضور في كل نفس بشرية لا تستطيع منه فكاكاً، ولا أن تتخيل العالم بدونه سواء طغت إيجابياته أم سلبياته؛ فالمسألة بعيدة كل البعد عن حساب الخسائر و الأرباح على مستوى الهوية والتراث.فهواء العولمة حيث أصبح العالم قرية واحدة هواء نعيش عليه ونسبّه في آن، ونحن هنا نتكلم عن مكنونات الصدور، أما ما تلوكه الألسن وتتشدّق به الأفواه من تذمّر مصطنع وتنديد بالحياة المادية التي طغت على الروح ما هو إلاّ تظاهر بالضجر سببه عدم الحصول على أكبر قدر ممكن من الرفاه والسيادة في ظل عالم متحضر؛ فالناس يذمّون العولمة ويتنعمون بمنتجاتها، ولا يطيقون عنها صبراً، والهجرة من الأرياف إلى المدن ظاهرة قوية لا يستطيع أحد إنكارها.
لقد تعامل الدكتور مع المفهوم تعاملاً جيداً؛ فقد وصفه أكثر من أن يعرفه وهكذا الظواهر الحديثة التي لا تاريخ لها؛ لا سبيل لتعريفها تعريفاً مفيداً كما ورد في هوامش الكتاب؛ لأنها بلا سابق يُقاس عليه اللاحق، وقد أحسن الدكتور عندما قارنها بمفاهيم تلتبس بها كالنظام العالمي والتجارة العالمية وغيرها مما يجلّي هذا المفهوم أكثر ويقرّبه للفهوم. لقد استقرى المؤلف العولمة كواقع معيش وحاضر ماثل، ولم يتعامل مع العولمة كمشكلة بل كظاهرة تاريخية قد يُستفاد منها لنشر الإسلام، ومع ذلك فقد تعامل المؤلف مع العولمة بعمق وتحرّز من الوثوق والمباشرة؛ فهي العولمة حيث التعقيد والصعوبة والصدمة المتجددة، وكأنك في مدينة الأبواب كلما فتحت باباً بدا لك باب آخر، وكلما دلفت مع دهليز التفّ بك دهليز غيره، فكيف يطالب المربي أو الداعية أو المفكر بوصفة سحرية تحل مشكل التعريف بالعولمة في سطرين والموقف من العولمة في كلمتين؛ فهذا من العبث والاستخفاف بالمتلقي، والمؤلف يعي ذلك بشكل واضح من خلال كتابه ..
هناك من يزعم أن المتلبس بالمنتج التقني الغربي لا بد أن يتلبس بالمنتج الثقافي الغربي، ومن ثم يأتي اليوم الذي يتحول فيه العالم إلى مدينة واحدة يمشي الناس في شوارعها.. نسخ هائلة لشخص واحد وهو الإنسان العولمي ..وهناك من يسيطر عليه الخوف لمثل هذه الخيالات، فينطلق لا يلوي على شيء إلاّ للتحذير من مغبة العولمة ونتاج العولمة، صارخاً مولولاً، وهكذا تدور الرحى بين هؤلاء وأولئك وبينهما من يقول بوهم الهوية، ومن يقول بالخوف عليها بنسب تزيد وتقصر..وقد تميز المؤلف في طرحه حول هذه المسألة، فكان طرحاً هادئاً متزناً يعترف بالخسائر السلوكية والثقافية، ولكن لا يستسلم لها ويثق بأن التعامل الصحي مع وسائل ومنتجات العولمة سبب من أسباب القوة لدرجة انقلاب السحر على الساحر.هناك من يقول دعاة العولمة، وبعضهم يجعلها رديفة للتغريب، وبعضهم يقول رياح العولمة النتنة، وهكذا فنحن إزاء العولمة كمن يخبط الهواء بيديه، ويصرخ في غرفة خالية سوى من صدى صوته، فما هي العولمة؟ هل صحيح أنها خطر ومؤامرة أم أنها ظاهرة تاريخية بريئة وعفوية وغير موجهة..؟ولم يتعامل المؤلف مع العولمة بهذا النفس أيضاً بل وضع العولمة في موضعها الصحيح، فليست فكرة شريرة فقط، وليست مؤامرة فقط.. إنها ظاهرة تاريخية طبيعية يحاول البعض السيطرة عليها وتوجيهها، وتعميم نموذج موحد على العالم.فما هي العولمة؟ نعم جديرة بأن نطرح الأسئلة ونضع المقدمات، ونلف وندور، ونعوّد عقولنا على الفحص والتفكير وعدم الاستسلام للتميّع، ولا التشنّج ولا المواقف الحدية؛ لأننا أصحاب رسالة عظيمة، والموقف من العولمة لا بد من أن يغربل، وينقد ويسائل للوصول لا إلى صيغ نهائية نضع فيها النقاط على الحروف، وننام وهكذا نتعشق التعامل مع الظواهر والأشياء.إننا نحرص أشد الحرص على إعطاء الجواب النهائي، ووضع القضية في أحد الأدراج بل للوصول إلى صيغ مفتوحة نطرح حولها الأسئلة، ونستقبلها بثبات متكئين على تراثنا المجيد، ومفعلين لقضاياه الكبرى في سبيل تفصيل الثوب المناسب لجلدنا وطولنا وعرضنا. فأين المسلمون عن الفعل والتفكير والمشاركة؟ لماذا لا تنطلق أفكارنا عبر وسائل العولمة كحلول لمآزق البشرية الحائرة المترنحة اجتماعياً واقتصادياً.لقد فتح المسلمون الدنيا وتعايشوا مع أنماط وأشكال من سبل العيش، وتعاور المواعين، وتبادل الصناعات بلا خوف ولا وجل، بل وقبل هذا في العهد النبوي هناك صور تؤكد السلام مع الحياة ما لم ينص الدليل على الحظر؛ فالأصل في العادات الحل، وقد نقل أهل السير لنا استفادته -صلى الله عليه وسلم- من ثقافة الفرس يوم حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وقد لبس -صلى الله عليه وسلم- جبة من صوف رومية، وعرف الإستبرق وأصله أعجمي، ورمى الصحابة بالمنجنيق وهي فارسية، واستعملوا سيوف الهند، وعرفوا الصولجان، وأقر نبينا -صلى الله عليه وسلم- الدركلة، وهي ضرب من لعب الحبشة. 
         و لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا؟) قال: يا رسول الله، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك. قال: (فلا تفعل)(2). [رواه ابن حبان في صحيحه 9/479، والحاكم في مستدركه 4/190].
"بل أكثر من ذلك كان عندهم نوع استقراء وتحليل للثقافة الوافدة، فقد تصوّروا بعضها، وحكموا عليها -حكماً خاصاً- قبل أن تفد، ومن ذلك ما جاء في البخاري: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يُقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة -رضي الله عنهما- أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها و تصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: (أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله).
  ومن المصطلحات التي تشتبك بالعولمة (الأمركة) 
فلأن أمريكا هي من يقود دفة العولمة والمستفيد الأول ممّا يُسمّى [النظام العالمي الجديد] قيل العولمة تعني الأمركة، ولا نستطيع ولا ينبغي لنا أن نتحدث عن العولمة، ونغفل الأمركة، وقد أورد المؤلف صوراً من محاولات أمريكا لإعطاء العالم صبغة واحدة متناسقة مع الروح الأمريكية بكل الوسائل الفضائية والتقنية والإعلامية والإعلانية.
فكما أنه يُقال: العالم ما قبل وبعد الحداثة، فكذلك يُقال: العالم ما بعد أمريكا، والدليل من كتاب الله الكوني أنه يُؤرخ للعالم اليوم بسقوط برجين في ضاحية من ضواحي نيويورك، وحتى وإن كانت بالمنطقة الدبلوماسية، فتظل ضاحية وتظل بنيويورك، فيُقال: العالم ما قبل وما بعد 11 سبتمبر..
       لو استلقيت في (الهايدبارك)، أو مررت بـ(الشانزلزيه)، أو تسوّقت بمركز خليجي أو مخرت عباب النيل، فستجد شعار ماكدونالد شامخاً كصنم من أصنام العولمة. أقول صنماً تساوقاً مع الكناية العربية، هذه اللحمة الملتصقة بكيمياء اللغة العربية، إذاً فقط تساوُقاً مع الكناية وليست القضية مع أو ضد العولمة، فهي -أي العولمة- ليست قيمة يُدعى أو ينهى إليها وعنها، إنما هي ظاهرة تاريخية اجتماعية ووجه العالم الجديد، وهذا الوجه يمتد خلفه ظلال من المنتجات الثقافية والحضارية المتباينة زماناً ومكاناً ..
-إذن نحن نتناول العولمة كما هي مفهوم دارج الآن شيء ينفذ لأعماق كل شيء، فيعيد صياغته حسب شروط العصر ...
 العولمة كعكة طهتها الأمم القوية في مرحلة أذن لها التاريخ بذلك، ومتى ما تحولنا إلى قصعة تداعت علينا الأكلة بما فيهم من كل منتج وكل متجدد...
 ولا أرى أن هناك ما يدعونا للبحث عن أسباب تعميم نموذج موحد على العالم، بقدر ما نحتاج للتساؤل عمّا بعد العولمة، والسبب بسيط جداً هو أن هذه الأسباب المعمّمة لنموذج واحد لو احتذيناها كقدوة حذو القذة بالقذة، إلى درجة الدخول في جحر الضب لحققنا شرط (العولمة الموجهة)، وتحولنا شئنا أم أبينا إلى جنود في معسكر غيرنا، بينما نحن في الحقيقة ننتمي لثقافة تتجه للإنسان كإنسان، لا للإنسان ككائن مادي بحت (الأزياء – المطاعم – كمال الأجسام – الترفيه ......).
لا ننكر تأثرنا بهذا إلى حد ملحوظ فأصبحنا نتجه للقوة أكثر من الرحمة، وللذات أكثر من الآخرين (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)    (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). 
بطبيعة الحال لا يمنع هذا من طرح الأسئلة على المنتجات العولمية حماية للذات المحرجة من أسئلة العولمة.. ولا يمنع من محاولة صياغة موقف مناسب للمسلم لينخرط في الحركة العالمية بثقة وثبات، وإلاّ فهو منخرط شئنا أم أبينا بأسلوبه وبساطته، فينصدم بالحضارة من كان يحلب الخلفات بالأمس القريب صدمة تحيله إلى تشويه من تشوّهات الحضارة، ومن راقب تصرّفات المسلم في السياحة الخارجية عرف المقصود.
 كذلك لا يمنع هذا من فتح عين على خصوصية الحضارة الوافدة وعمومية النزعة الإنسانية فيها بمعنى، وهذا مثال للإيضاح ألاّ نسمح لكل أحد ونحن نتفرج أن يتبنى حقوق الإنسان، وإن لم يكن ذلك التبني منهم إلاّ لغويات جذابة فلننازعهم جبة المثُل بالقول والفعل..
لقد صعد الدكتور في هذا الشأن، وخفض وطرح حلولاً منطقية للتعايش مع هذه الظاهرة الحتمية، بعدما تحدث عن نشأة العولمة ومن يقودها وطبيعتها وأدواتها، والفرص التي تتيحها وتحدياتها والتعامل معها مما يثير الفضول الفكري لقراءة هذا الكتاب المتميز من بين الكتب التي أُلّفت عن العولمة سواء في الغرب أم في الشرق عن دار الأعلام في (163) صفحة من القطع المتوسط..