من (نيكولا) الشك إلى (عبد الله) اليقين.. رحلة شاب سويسري إلى الإسلام

كتب بواسطة: د. سامي الماجد | في نور الهداية . بتاريخ : Apr 20 2012 | العدد :71 | عدد المشاهدات : 7825

من (نيكولا) الشك إلى (عبد الله) اليقين..  رحلة شاب سويسري إلى الإسلام

نسخة للطباعة
(نيكولا أندريف بلا نشو) شاب سويسري وجد طريقه إلى الإسلام، وسمّى نفسه (عبد الله). رحلته إلى الهداية جاءت مصادفةً عندما قادته خطاه مع مجموعة من الشباب إلى مسجد في منطقتهم. وطُلب منه القيام بترجمة درس إسلامي كان يلقيه بعض الطلبة. هذه الترجمة فعلت فعلها في نفس الشاب السويسري؛ فعندما كان ينقل الحديث إلى اللغة الفرنسية كان في الواقع ينقل المعاني إلى نفسه أولاً وليس إلى غيره.. فأحس ارتياحاً وغبطة لم يحسهما من قبل... ومن هنا كانت بداية التحوّل من (نيكولا) إلى (عبد الله) شاب مسلم، عامل، واعٍ بدينه وبواقعه. في هذا الحوار يحكي (عبد الله السويسري) كما يُسمّى عند الجالية المسلمة، تفاصيل تلك الرحلة الإيمانية.
 قبل إسلامك كنت تُسمّى (نيكولا أندريف بلا نشو) وبعده سمّيت نفسك (عبد الله). فهل كان تسّميك به عن محض اختيار أم أنه اقتراح عُرض عليك كما هي العادة مع معتنقي الإسلام؟
في الحقيقة، كنت يوماً جالساً مع بعض الشباب الأتراك والألبان، فدار الحديث عن الأسماء والألقاب في جوّ من المزاح والطرفة، واقترحوا أن تذكر الأسماء العربية، فوقع في قلبي "عبد الله"، وأعلنت حينها أني عبد الله، واشتهرت به، فالحمد لله على ما يسّر. 
 هل لتغيير الاسم دلالة تلقي بظلالها على شخصيتك أمام الناس؟
الاسم علم الانسان وشعاره، وقد أيقنت أنه رابط قوي يزيد حامله اصطباغاً بما يعتقده، فبمجرد سماع اسم "الله"، هذا يحدث في النفس تذكرة ويقظة، كما أن فيه نوعاً من الإلزام  بإكرامه وعدم امتهانه؛ فهو شرف لي من جهة، ومسؤولية ثقيلة من جهة أخرى.
حاولت إثباته على وثائق الهوية الرسمية، لكنه تبين لي أن الإجراءات الإدارية نوعاً ما مكلفة، وتستوجب الإدلاء بسبب "معتبر" للموافقة على الطلب.
*ألم يخطر على بالك أسماء أخرى؟
توجد أصناف من الأسماء ربما تسدل ثوب ثقافة أو قومية أو رقعة جغرافية معينة، لكن التحرر من القيود لا يكون إلاّ بالدخول تحت مظلة العبودية لله تعالى وحده، والانتماء للإسلام أولاً وأخيراً، والذي قوّى اختياري  ورود "عبد الله" في قائمة التفضيل النبوي للأسماء.
 لكن الجميع هنا يلقبك "عبد الله السويسري"، فهل بالإمكان الجمع بين هويتين وانتماءين لثقافتين؟
نعم، ولدت في سويسرا من أب فرنسي وأم سويسرية، فكانت لي الفرصة متاحة للتعرف على طبائع الشعبين، سافرت لفترات مؤقتة خلال الإجازات لزيارة الأعمام والجدة في فرنسا، ولا أكتم الحديث إذا قلت بأنني كنت في بداية نشأتي أشعر بغلبة الميل إلى الشق الفرنسي، ربما كان الباعث هو التأثر بجهة الأبوة، لكن عامل البيئة وعنصر المكان الذي عشت فيه عاد لترجيح الميل إلى الوجهة الأخرى.
 هل لاحظت فروقاً بين العقليتين والطبيعتين خلال فترة حياتك السالفة عبر علاقاتك الاجتماعية؟
أما فرنسا فلم أمكث فيها مدة تمكنني من تجميع الجزئيات لاستنتاج صورة محددة يمكن إطلاق الحكم وفقها على السلوك العام أو بعض الجوانب الأخرى، ولذلك فإني أفضل الحديث عن الوضع السويسري إجمالاً.
إن الباحث عن نسيج اجتماعي أو سياسي أو فكري أو لغوي واحد يجمع كل سكان سويسرا أمر محال كما يعلمه من زار هذه البلاد أو اطلع على شيء من أخبارها؛ لأن النتيجة ستكون قائمة تضم عدداً من اللغات التي يتحدث بها السويسريون: ألماني، فرنسي، إيطالي، وبعض اللهجات المحلية الأخرى، كما أن مجاورة بعض الدول والشعوب كان له تأثير على المناطق السويسرية المحاذية.
فإذا أردنا تلخيص الحال العامة فيمكن أن نقول: إن لسويسرا وجهين:
وجه تراثي محافظ، منزوٍ على نفسه، منطوٍ على أعرافه الأولى، وأما الوجه الثاني فهو الذي يمكن وصفه بالحديث، وهو  المركب من مزيج قومي وعرقي ناتج من الجيل الأول للجاليات المهاجرة من مختلف البلدان.
والشعب السويسري شعب جاد نشيط يريد الوصول إلى هدفه المرسوم، مع ما فيه من برودة الطبع.
 كم لغة تتقنها؟   
أتقن -بحمد الله تعالى- اللغة الألمانية والفرنسية وهما اللغتان الأم التي ينشأ على النطق بهما من يقطن مدينة بيل  السويسرية التي نشأت فيها/ بيان المزدوجة اللغة، زيادة على الإنجليزية وقليل من الإسبانية.
 ماذا يعني إتقان اللغة بالنسبة لك؟
بداية، عند  تعلمها يجول الفكر في سعة علم الله الذي أحاط بهذه اللغات والألسن، وهي أداة الخطاب و التعارف الذي لأجله خلق الله الناس شعوباً وقبائل لتذوب دوافع العداوة بينهم، ولتصل رسالة  التوحيد إليهم جميعاً، و من الصعوبة بمكان مدّ جسور الخطاب مع غير المسلمين لا سيما لمن يعيش في مجتمع متعدد الألسنة، دون امتلاك هذه الوسيلة المهمة.
 فما هو نصيبك من العربية؟
شغفي شديد بهذه اللغة العظيمة.
 ما هو السبب؟
يكفي أنها لغة أهل الجنة!.. أعتقد أن تعلمها واجب متحتم لمن أراد فهم ما يريده الله تعالى منا.
 هل تستطيع القراءة من المصحف؟
نعم، بحمد الله تعالى... ولكن ينقصني الكثير.
 الطفولة والمراهقة.. كيف ذكرياتهما عندك؟
 في الحقيقة لا شئ يستحق الذكر، قضيت مرحلة الطفولة طبيعياً كأي طفل مشغول باللعب والدعابة، لكن المراهقة كما هو معلوم هي الفترة الحرجة في حياة الانسان، حيث الطيش والشطط، والمشاغبات في المدرسة مع الزملاء، والمناوشات مع الأساتذة، وما ينجر عن ذلك من متاعب للأسرة.
والأمر الذي يرهق في تلك المرحلة هو الصراع النفسي الداخلي، الذي تطرح فيه الأسئلة والإشكالات للبحث عن الوسيلة التي تسد الفراغ.
 يُلاحظ أن علاقاتك الاجتماعية كانت تحوم حول حمى المسلمين قبل إسلامك؟
       هذا صحيح، ولكن إذا قلنا شباب "مسلم"، فليس بالمفهوم الذي أدركته بعد إسلامي، وإنما نعني أبناء الجالية المسلمة الذين ولدوا هنا، وأتقنوا لغة البلد ومارسوا كثيراً من سلوكياته البعيدة عن الإسلام، ومع ذلك فهم لا يستحيون ولا يستسرون بإعلان هويتهم الإسلامية التي ورثوا منها رصيداً يشوبه كثير من الجهل، وقد كنت دائم الملازمة لهم، وعندي إحساس بأن لهم شيئاً يميزهم عن غيرهم لم أكتشفه يومها.
 إلى أي وجهة قادتكم أفكار المراهقة؟
إلى تأسيس فرقة موسيقية !.. فكانت لنا بعض التسجيلات الصوتية.
 وأنت تزاول العزف أو الغناء هل شعرت بأنك وجدت ضالتك؟
يلجأ كثير من الناس إلى الموسيقا طلباً للراحة أو اللذة، أو تكون نافذة للتعبير عن آمالهم وأحلامهم، وفي أحيان أخرى يعبرون عن مشاكلهم وآلامهم، ولكن أين النتيجة التي يجنونها؟ لو استمرت بهم رحلة البحث ربما وجدوا ما يحقق سعادتهم ويذيقهم لذة لا يمكن أن توصف أو أن تقارن بأي متعة في الدنيا.
 حدثنا قليلاً عن مسيرتك الدراسية؟ 
نتائجي الدراسية طيبة في العموم، فبعد المدرسة الابتدائية والمتوسطة قمت بتربص مهني في مجال الطباعة، ثم عدت إلى مقاعد الثانوية، وستكون هذه سنة التخرج إلى الجامعة، أسأل الله التوفيق.
 إلى أي الآفاق تتطلع بعدها؟
لو استطعت السفر إلى بعض بلاد المسلمين لتقوية معارفي اللغوية وكفاءتي في العلوم الشرعية فسيكون ذلك من أعز المشاريع في حياتي وأهمها. 
 ألا ترى أن واقع الدعوة في أوروبه يحتاج العناصر الفاعلة التي لديها طاقات تسخرها لخدمة الإسلام، وبخاصة من أسلم من أهل هذه  البلاد؟
      نعم، لا شك في ذلك، والسفر الذي أقصده هو الذي يتيح التزود أكثر من بضاعة العلم واللغة لفترة معينة، مع ما في ذلك من الاحتكاك بالمجتمع المسلم، ثم تكون العودة من جديد لنشر ما تم تحصيله خلال الطلب، على كل حال يبقى هذا مجرد مشروع قابل للنظر. 
   بيت القصيد في هذا الحوار، كيف كانت رحلتك من الظلمات إلى النور، وما هي العوامل التي سخرها الله تعالى لك كي تخطو أول خطواتك نحو الإسلام؟
أولاً، قضية الهداية قبل أن تكون أسباباً هي توفيق وفضل من الله تعالى وحده، ثم يأتي في المرتبة الثانية أسباب تعين الإنسان على تجاوز الصعوبات والعراقيل التي يضعها الشيطان في الطريق، ويعينه على ذلك عرف الناس وإنكارهم لما يخالف ولا يوافق نمط عيشهم المألوف.
لعل أول ما يسّره الله لي لسلوك سبيل الاستقامة هو نشأتي في حضن أسرة تركت لي الخيار والحرية منذ نعومة الأظفار، وهذا مبدأ كثير من الأسر التي لا تعمّد أطفالها في الكنيسة، و لا تلحقهم  بصفّها، ولا تسجل انتماء دينياً في سجلات السلطة الإدارية، كل ذلك يأتي في سياق خروج الناس وانجفالهم عن الكنيسة لأسباب كثيرة، وأمي ـ على سبيل المثال ـ كانت من المعمدين في الكنيسة البروتستانتية ثم هجرتها، وطلبت محو اسمها من قائمة الرواد والأعضاء، لعدم قناعتها بالاعتقاد المطروح فيها، أما والدي فلم يكن تدينه عميقاً كشأن الكثيرين، ومما زاد انفتاحه على الغير أسفاره البحرية التجارية التي مكّنته من زيارة بعض بلاد المسلمين، فأكسبه ذلك شيئاً من التفهم والتسامح وبعداً عن التعصب الذي يكون عقبة في وجه شاب يريد الإسلام، فيلقى أول معارضة من والديه، والأمر ليس باليسير؛ لأن القضية ستكون حرباً نفسية وضغطاً من محيط مجاور، ونظرات مريبة ـ هذا لمن ينشأ في أسرة متماسكة، أما إذا كان الشاب ممن يهجر العش الأسري باكراً ـ كما يفعل أكثر أبناء هذه البلاد ـ فالأمر لا يصل إلى هذه النتيجة؛ لأن الاستقلال عن سلطة البيت يعني بالنسبة لهم: "افعل ما تريد".
"ولكن أظن بأن أهم العوامل التي  قادتني إلى هذا الدين العظيم بعد سبق اطلاعي على شيء من تعاليمه في الكتب هو: مصاحبة ثلة من الشباب المسلم، ومخالطتهم في ديارهم، وتذوّق طعامهم،  على الرغم من أنها لم تقدم لي الإسلام الصحيح، لكنها نجحت في غرس نبتة الإعجاب والتأثر بكل ما هو "إسلامي"، فمكثت على هذا الشعور زمناً، إلى أن جاء اليوم الذي لا ينساه كل من كان يوماً ما ضالاً عن الحقيقة، غارقاً في بحار المادية الشهوانية، حائراً تائهاً لا يدري عن مصيره شيئاً، جاهلاً غاية وجوده على هذه الأرض.
في ذلك اليوم عرض عليّ أحد الشباب التوجه إلى المسجد، فوجدنا مجموعة من المسلمين يتذاكرون بعض مسائل الدين، فكان من ضمن الحضور في المجلس أفراد من غير الناطقين بالعربية و لا بالفرنسية ـ من كان محتاجاً إلى ترجمة من الفرنسية إلى الألمانية، فطلب مني ترجمة الحديث، كنت أنقل المعاني إلى غيري ويخيّل إليّ أني أنقلها إلى نفسي.. 
ثم وجّه أحدهم السؤال إليّ: "ألا تحب أن تكون مسلماً"؟! 
تردّدت وتلكّأت في الجواب، ولم أستطع النطق.. بقيت لحظات كانت من أعجب اللحظات في عمري، كان يهزني شيء في كياني يقول لي: "وافق"، ولكني لم أجرؤ على النطق بكلمة، وانقضى المجلس وخرجت من المسجد في حال من الغيبوبة والتفكير المستمر، والأسئلة المتتابعة، حتى قررت، وعزمت أن أكون فرداً من أمة الإسلام وأعلنت شهادة التوحيد. إنها لحظة ميلاد جديدة، لا يمكن التعبير عن حقيقة الشعور الذي انتابني وقتها، إنه شيء عظيم!!
 بعد أن حزت مفتاح الإسلام وشهادته الكبرى، هل فكّرت في ردّ فعل الأسرة والأصدقاء إذا علموا الخبر أم أنك فضلت كتمان الأمر إلى حين؟
نعم، أصعب المراحل في درب المسلم الجديد هي التي تجيء بعيد إعلانه شهادة التوحيد، اخترت التريث قليلاً لتصيد أفضل الأوقات والأحوال فأذيع  الخبر للعائلة، وبعد مدة من التفكير والتأمّل والنظر، جلسنا جميعاً، ومهدت للموضوع بعد حوار ونقاش دار عن الإسلام، إلى أن بلغت الفرصة التي كان لزاماً عليّ اغتنامها، أبديت لهم إعجابي بالإسلام واقتناعي بمفاهيمه التي لا تصادم العقل والفطرة واستعدادي.. بل اعتناقي للإسلام صراحة! تحوّلت الأنظار إليّ تعلوها الدهشة، ثم انهالت الأسئلة والردود، وأدلى كل واحد من العائلة بدلوه، وافترضوا كل الاحتمالات، ولكن المبدأ الذي تخيروه موقفاً في تنشئة الأبناء أول مرة وهو فتح مجال الحرية لاختيار ما يريدونه دون ضغط أو إجبار: ألزمهم بما أخذوه على أنفسهم وتعهدوا به، وهكذا أذعن الأب والأم أخيراً، وأقرا بأنني قد بلغت من النضج والفهم ما يخوّلني طرق باب الإسلام، ما دمت أشعر بالسعادة في ذلك.
 بقي التحدي الثاني قائماً: الأصحاب والرفقاء!
فوجئ الكثير منهم من غير المسلمين في المدرسة، ولم يهضموا الخبر في البداية، فراح البعض يناقش وآخر يستقصي الحقيقة و يتثبت، وثالث يتندر ويمزح، لكن الموقف العام في النهاية كان "احترام الخيار" والعيش مع الواقع الجديد، أما المسلمون منهم فسرّوا سروراً كبيراً.
 ماذا عن محيط الجيران؟
تجاورت في شارعنا الهادئ مع مجموعة من الأسر لمدة سنوات طويلة، تقاربت فيها أفكارهم، واشتركوا في حمل بعض المفاهيم العامة التي كانوا يعقدون حولها جلسات الحديث والتعليق على الأخبار، فكان مما عرفت عنهم: رفض الظلم، محبة الحرية، المحافظة على البيئة...، ولهذا بقيت العلاقة معهم مستقرة حتى بعد اعتناقي الإسلام، فهذه بعض العوامل التي أحاطت بي عن كثب (وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
 ما هو أفضل جواب مختصر أدليت به وأنت تحاول شرح أسباب إسلامك؟
        قد تكون تلك الدهشة أمراً طبيعياً، لكنني أعتقد أن أفضل تفسير يقدم لهم هو إثبات أن التغيير الذي عجبوا منه هو تغير نحو الأفضل والأنقى والأطهر، هذا هو الأجدى والأنفع ربما من كثير من الكلام، إثبات حقيقة التحوّل على ميدان السلوك والتعامل اليومي، كأنك تقول لهم: انتظروا وانظروا إلى الأيام القادمة.
 كم مضى على إسلامك الآن؟ 
تقريباً، خمس سنوات 
 كيف تصف علاقتك بوالديك وإخوتك في البيت؟
لي أخت وحيدة، ولا أزال من تلك الساعة أعيش معهم بشكل طبيعي. كانت تجربة ناجحة ولله الحمد.
 في حالات أخرى  ليس الأمر دائماً كالذي ذكرت؟
لا بد للمسلم أن يبذل جهداً على صعيد الأخلاق ليخفف من حدة الوضع، فماذا عسى الوالدان قوله مع ابن بار بهما محسن إليهما حتى مع اختلاف الدين؟! لقد لاحظ والديّ أن الإسلام قدّم لي الكثير؛ لأنهما أول من يستفيد من هذا التحول الذي يرجوه كل والد يرى أبناءه فريسة لعلل المجتمع المدمرة، ولذلك فقد بذلا جهداً في معرفة ما يحرم عليّ أكله من الأطعمة، فصار أمراً مألوفاً أن أقوم بهذا الشيء، وأمتنع عن شيء آخر، كذلك لا بد من تأكيد  قيمة الحوار الدائم بالأسلوب الحسن، وأخيراً التضرع إلى الله بالدعاء حتى يمنّ عليهم بما منّ به عليّ، هذا ما في الوسع بذله!
 يُقال بأن الفترة التي تعقب إعلان الإسلام تكون مقياساً ومؤشراً على صحة البداية، كيف استطعت أن تستزيد من معارفك خلال هذه المدة المحدودة؟ 
في البداية لاقيت صعوبة في إقامة الشعائر، ولم أستسغ الخلاف المذهبي بين المسلمين لا سيما في بعض هيئات الصلاة، ثم بطول المطالعة والتعرف على بعض الإخوة الناصحين الذين بذلوا من أوقاتهم للتعليم والإجابة على ما كان يعترضني من أسئلة وشبهات، ومع حضور الدروس والمحاضرات وبعض المؤتمرات، ثم التحاقي بأحد المعاهد الأوروبية التي تدرس بعض علوم الشريعة عبر المراسلة البريدية، وفي كل يوم أتعلم شيئاً جديداً عن هذا الدين العظيم، أشعر أن الطريق ما زالت طويلة.            
 هل حفظت شيئاً من القرآن؟ 
نعم، بعض السور، بمساعدة إخواني.
 ما أكثر السور التي أثرت فيك؟
سورة البقرة، وسورة ق، و... القرآن كله عظيم، لأنه كلام الله، و... كفى. 
 ما هو أثر الأذان عليك وقد صرت مؤذناً  في "مسجد الرحمن"؟
إنها سعادة عظمى  حينما تدوي بصوتك بتلك الكلمات الصادقة، أتمنى يوماً أن أرفع الأذان خارج المسجد وعلى شرفات المدينة، حتى يسمع الناس كلمة الحق!
 بعض الإخوة في المسجد يقول: "من أراد أن يبحث عن عبد الله السويسري فسيجده يصلي"، كيف تصف حالك في الصلاة، أو في أي عبادة أخرى كالحج مثلاً؟
حال لا توصف، ومن الصعب أن نقول هذه العبادة أفضل من تلك... كل الإسلام عظيم، وأما الحج فأيام لا تنسى، ويكفي وصف رحلة الحج أن الأقدام تطأ أرضاً مشى عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخير أجيال هذه الأمة، كما يمتد البصر إلى أعراق وأجناس وشعوب من الأرض اجتمعت لتعبد إلهاً واحداً، إنه منظر رائع، لا أملك التعبير عن وصفه مرة أخرى.
 هل ترى بأن الظهور بالزي الإسلامي يحقق فائدة مرجوة، وبين المظهر والمخبر أيهما الأولى بالعناية، خصوصاً في أوروبا؟ 
أظن أن الأولى هو الاهتمام بالباطن؛ لأنه يشكل جانب العلاقة بالله سبحانه، أما الشكل الخارجي فله نصيب من الأهمية أيضاً، أحب كل شيء يذكرني بحال الصحابة والصالحين، لكن ذلك يحمل المسلم مسؤولية أكبر تجعله يفكر في كل تصرف يريد الإقدام عليه.
أما النظرات  فبصدق أقول: أحياناً يعتريني شيء من ذلك، ولكن ما إن أتذكر أني مسلم إلاّ ويتجدد الشعور بالاعتزاز.
 بعد مضي هذه السنوات على التحاقك بركب الأمة المسلمة، هل بلغت مستوى يؤهلك لتشخيص العلل التي يعاني منها المسلمون، وما السبيل إلى الخروج من هذا الوضع المؤلم؟
أنا واحد من هذه الأمة، ولا أجرؤ على نقد غيري.
 لكن النقد إذا ورد ممن يبتغي النصح قد  يكون نقداً ينتفع به الغير، وقد تكون رؤية من أسلم من أمثالك للأوضاع غير نظرة من ولد في أحضان الإسلام، وشبّ وشاب في بلاد المسلمين، ألا توافقني الرأي؟
صحيح، إذا كان النقد أخلاقياً ولا ينتج عنه مفاسد وشرور... على كل حال، لا بد من المراجعة والمحاسبة الدائمة، قبل وبعد كل عمل ومشروع، ألاحظ أن لدينا نوعاً من الحساسية إذا بين لنا الخطأ، فليس الخلل أحياناً في إسداء النصيحة ونقد الغير، ولكن في قبوله وتنفيذه.
 هذا خلل موجود فعلاً، والقائمة طويلة، ولكن إذا أردت تلخيص أسباب الضعف دون تفصيل الجزئيات، بحيث يكون التوصيف جامعاً ملمّاً بكل عوامل الانحطاط، ماذا بوسعك أن تقول؟
أول المفاهيم التي أدركتها من الإسلام كان من خلال حقيقة ومعنى اسمه: الإسلام هو الاستسلام، ربما يكون التهاون في مفهوم الانقياد والطاعة والاتباع للشرع هو محور المشاكل... اعتقاد أن مخالفة الأمر: شيء هين!
للأسف، إنه تناقض يعيشه البعض بين واقعهم وبين حقائق الدين، بين أيدينا خطة نبوية اتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن مطالبون بالسير على دربها ومراحلها لنصل إلى النصر إن شاء الله تعالى.
 بين "نيكولا" و "عبد الله": أي فرق تلحظه بين الشخصيتين؟
فروق كثيرة... أما "نيكولا": الحيرة، التيه، البحث عن المجهول، السعي لنيل كل شيء ثم الحصول على لا شيء، بؤس، شقاء..."عبد الله": النظر إلى حقائق الأشياء لا الوقوف عند المادة فقط، الشعور بمسؤولية الإحسان في العمل، رجاء الثواب من الله تعالى..