من أين أتى هؤلاء الفقراء؟

كتب بواسطة: ابراهيم غرايبة | في الجهات الاربع . بتاريخ : Apr 27 2012 | العدد :70 | عدد المشاهدات : 3397

من أين أتى هؤلاء الفقراء؟

نسخة للطباعة
من أين أتى هؤلاء الفقراء؟ كان هذا السؤال شغل الكتاب والمفكرين في القرن الـ18، وصدرت مجموعة كبيرة من الكراريس والدراسات التي كانت تزداد كثافة على مرِّ الأعوام، بعدما بدأت تتدفق أعداد هائلة من الناس من الريف إلى المدن، وتضيق بهم الأماكن، وهم لا يجدون مأوىً ولا عملاً، ولكن ربما كانت فضلات الشوارع أرحم من الريف البائس الذي عجز عن إطعامهم، فعندما بدأت الثورة الصناعية تحل على العالم من دون إعلان، قلبت كل شيء رأسا على عقب، وفي دراسته للأزمة الاقتصادية في الثلاثينيات يراجع كارل بولانيي التاريخ الاقتصادي المصاحب للثورة الصناعية، ورغم أن الكتاب صدر عام 1944 فإنه يُستعاد اليوم على نطاق واسع، ويجد فيه المفكرون والمؤرخون الاقتصاديون والاجتماعيون مختبرا لدراسة واستعادة حالات شبيهة ومماثلة لما يجري اليوم في الأزمة الاقتصادية العالمية والأزمة الكبرى التي شهدها العالم منذ سيادة المعلوماتية.
فقد ارتفعت أسعار الحبوب والمواد الغذائية أضعافا مضاعفة، وانخفضت أجور العمال، واختفت طبقة صغار المزارعين، وبدأت الآلة تحل محل اليد العاملة على نطاق واسع، وضاقت المساكن في المدن بأصحابها، وانتشر التشرد والإدمان والجريمة على نطاق واسع.
وتجنبت الحلول والاقتراحات والتفسيرات التحولات المصاحبة للثورة الصناعية، وقدمت اقتراحات وتصورات من قبيل تخفيض عدد الكلاب، وبعض فصائل الأغنام والخيل؛ لأنها بحاجة إلى طعام كثير، ووجهت الدعوات إلى الفقراء (الفقراء فقط!) للتقليل من الطعام والتقشف، والتقليل أو حتى الاستغناء عن الشاي كوسيلة لتخفيف الفقر والحاجة. 
والأكثر ذكاء أو جرأة من الدراسات اتجهت إلى القوانين والتشريعات السائدة لتحميلها المسؤولية عن الفقر، لماذا غابت الإشارات التي تنبئ بالتحولات الوشيكة والحتمية المصاحبة للصناعة؟ يتساءل المفكر الاقتصادي بولانيي، بل يؤكد أن المراقبين المعاصرين أيضا كثير منهم أغفلوا التحولات المصاحبة للصناعة في فهم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الذي تشكل وغيَّر العالم، وذلك رغم الإجماع والبداهة اليوم على الأثر الذي أحدثته الصناعة في حياة العالم وموارده وتشكلاته الاجتماعية والثقافية.
كانت الآلة تغير جوهريا في المهن، فتزيد البطالة، ويجري استيعاب بطيء للأيدي العاملة في ظل الآلة واحتياجاتها وتعقيداتها برغم التسهيلات الكبرى التي منحتها، اختفت مهن كثيرة، وكانت المهن الجديدة بحاجة إلى تأهيل وخبرات مختلفة لم يكن معظمها متاحا للراغبين في العمل، وتطورت المدن والتجارة الخارجية تبعا لتطور الصناعة، ولكن لم يتشكل تفكير وتخطيط اجتماعي يستوعب هذه التحولات، فهذا الانسلاخ الكبير والفجائي عن المواطن الأصلية في الأرياف والقرى والدخول في عالم جديد بأنظمته وعلاقاته وأسلوب حياته بدل كثيرا في المنظومة الاجتماعية والثقافية التي كانت على نحو غير منظور وربما غير مكتشف تمنح الأفراد والمجتمعات قدرا كبيرا من الاحتياجات والأمان والتنظيم، وكانت الخسائر الاجتماعية أكبر من المكاسب الاقتصادية.
تشكلت تجمعات صناعية جديدة تمنح أجورا أعلى وشعورا أفضل بتقدير الذات، وصحبت ذلك موجة سخط كبير على الواقع المتردي في الريف، وكراهية شديدة للزراعة والأعمال الزراعية، وكانت المناطق الصناعية تشبه بلادا جديدة تجتذب المهاجرين بالجملة، وكانت العودة إلى الأوطان الأصلية لبعض الوقت والنقل المتبادل بين الريف والمدن الصناعية الجديدة يشحنان الناس بالشائعات والآمال والأوهام، وهكذا بدأ الريف يخلو من ساكنيه، والمدن تنمو وتتضاعف في نموها، وصارت هناك المدن العملاقة!!
في الوقت نفسه، فإن المجمعات الصناعية كانت تخلو من التنظيم والقوانين والوضوح، فالعمال الذين يشتغلون اليوم بكامل طاقاتهم قد يكونون غدا في الشارع يتسولون خبزهم، وعندما تفقد مدينة صناعتها التي اشتهرت بها، فإنها تتحول إلى مجاميع هائلة ومشلولة في الوقت نفسه، يتحول السكان فورا إلى عالة، وإذا عاد العامل إلى قريته فإن المأساة تزيد أيضا، فقد تعلم الناس أعمالا ومهنا لا مجال لها في الريف، ولم يعودوا قادرين على العمل في الزراعة، وظهرت مجموعة رائعة من الأعمال الأدبية مثل أعمال تشارلز ديكنز وتولستوي، وتعبر عن انتفاضة الألم والغضب، والانشغال الجميل بتشوه صورة الإنسان، وظهرت دراسات مهدت للتنظيم السياسي والاقتصادي الجديد للعالم، مثل آدم سميث «ثروة الأمم» وجان جاك روسو «العقد الاجتماعي» وظهرت أيضا دراسات وفلسفات تعبر عن الصمت الجليدي مثل أعمال مالتوس وريكاردو.
لماذا نستعيد التاريخ الاقتصادي اليوم؟ وهل يصلح لفهم وتفسير ما يجري من تحولات وأزمات كبرى؟ على أية حال لقد اعتادت الأمم بعمومها أو بنخبها وقياداتها أن تلجأ إلى التاريخ، باعتباره مختبرا للدراسة والفهم، أو ملجأ للهروب والحنين، التطرف والسلفية على سبيل المثال يصاحبان الهزائم والأزمات في التاريخ والجغرافيا، ولكننا نستطيع بالمراقبة والمقارنة ملاحظة كثير من الكوارث والأخطاء التي تتكرر، ليس لأن التاريخ يكرر نفسه كما يقال، ولكن لعدم الرغبة في الخروج من الأزمة؛ لأنها (الأزمة) تمثل مصالح وموارد كبيرة لفئات من الناس والقوى السياسية والاقتصادية، وهذا هو مربط الفرس كما يقال!!