فقه السيادة

كتب بواسطة: د. مسفر القحاني | في رجع الصدى . بتاريخ : Apr 27 2012 | العدد :70 | عدد المشاهدات : 1914

فقه السيادة

نسخة للطباعة
 أقصد بالسيادة حصول الإنسان على منزلة يقود فيها الخلق، ويتولى على الناس بشيء من المناصب والزعامات، و عمر -رضي الله عنه- تنبّه لهذا الأمر الذي سيؤول إليه بعض الناس، ويجني المجتمع من توليهم إما المنافع أو المضار، فقال رضي الله عنه محذراً ومذكراً: "تفقهوا قبل أن تسودوا". (رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في العلم باب الاغتباط في العلم والحكمة عن عمر موقوفاً، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الأدب (5/284)، والدارمي في المقدمة (250)، والبيهقي في الشعب (2/253) )، وقال الراغب الأصفهاني كلاماً نفيساً في التعليق على هذه الحكمة العمرية: "تنبيهاً أنكم لا تصلحون للسيادة قبل معرفة الفقه والسياسة العامة، ولأن السائس يجري من المسوس مجرى ذي الظل من الظل، ومن المحال أن يستوي الظل وذو الظل أعوج، ولاستحالة أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالاً". (الذريعة إلى مكارم الشريعة، بتحقيق د. أبو اليزيد العجمي صـ92، 93 ).
عند التأمل في هذا النص العجيب لعمر رضي الله عنه، نجد التفسير لكثير من المخالفات والحماقات التي تحدث من الرواد بسبب نقص الفقه في الدين و ضعف الحكمة في التعامل مع الواقع، والفقه المطلوب هنا أعم وأشمل وأعمق من الحفظ أو الفهم المجرد للمعنى، لذا كان تحصيله شرطاً للسيادة النافعة على الخلق، والواقع اليوم يشهد حاجاتنا لمن أراد أن يتقدم على الخلق في أي ولاية أن يتحلى بالفقه والحكمة، أبسط هذه الصور عندما نكون في سوق أو مطار، ويحين وقت الصلاة فيتقدم على الناس من يريد إمامتهم، فيصلي بالناس كما لو كان في داره، ويطيل القراءة كأنما سيصلي قيام الليل، مع أن هذه الأماكن لا يصلي فيها إلاّ أصحاب الحاجات المستعجلة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس، إنكم منفّرون، فمن صلّى بالناس فليخفّف؛ فإن فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة". (رواه البخاري برقم (90) واللفظ له، ومسلم (466). ومثله ما ورد عن مطرف بن عبد الله بن الشخِّير قال: "سمعت عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- يقول: كان آخر ما عهد إليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أمَّرني على الطائف قال لي: "يا عثمان تجاوزْ في الصلاة، واقْدر الناسَ بأضعفهم؛ فإن فيهم الكبير والصغير، والسقيم والبعيد، وذا الحاجة". (ابن ماجه برقم (987)، وقال الألباني: حسن صحيح). وهذه الوصية النبوية لأميره قبل السيادة جاءت لتؤكد الفقه الواعي بحاجات الناس والمتوافق مع ظروفهم، وأن أحوال الناس ليست سواء، وأولوياتهم متنوعة حسب أعمارهم وأماكنهم وظروف حياتهم. 
هذا المثال السابق يقودنا إلى أمثلة كثيرة متدرجة في الصعود إلى جميع الولايات والريادات التي يشخص فيها الإنسان لقيادة غيره، والبروز اليوم يختلف عما مضى؛ فلم يعد حكراً على أصحاب المناصب والأموال، بل أصبح الإعلام اليوم يقدم للمجتمع شخصيات رائدة تسود بفعل القهر الفضائي الغازي عقر كل دار، ويكفي أن يلوح الفرد العادي بالغريب من الأعمال أو الشاذ من الأقوال، فيضحى في يوم وليلة، سمْع العالم وبصره.
وهذه الحرية التي منحتها تقنيات العالم المعاصر لكل فرد أن يمارس ما يريد، تتطلب في المقابل مسؤولية الإنسان عن عقله وقلبه، في أن يختار من الغث السمين، ويربأ بنفسه أن ترعى مع الهَمَل، ولا يجب أن نجهد أنفسنا ونستهلك وقتنا في تكميم الأفواه وإغلاق الآذان عن السماع، فلربما زاد من حمّى الشذوذ طلب البروز حينما تشتد أصوات الإنكار و قرارات المنع، خصوصاً في أقبية الإنترنت ودهاليزها الملتوية.
أما ما كان عاماً ظاهراً من الشذوذ والانحراف فشأنه مراعاة خصوصية النظام الديني والرسمي الذي توافق عليه أكثرية المجتمع بالمنع أو التخفيف، وهذا في غالب عقول الأسوياء من البشر.
أعود لما بدأت به أن الفقه قبل السؤدد مطلوب ليحترم الإنسان نفسه أولاً؛ ولا يقع في مغبات سكرات الظهور التي عادةً ما تقصم الظهور، تبقى هذه الفكرة وجهة نظر لكاتبها تستدعي التأمل والتمحيص من القارئ النبيه.