أراك جميلاً..! (2-2)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : May 3 2012 | العدد :69 | عدد المشاهدات : 2422

 أراك جميلاً..!  (2-2)

نسخة للطباعة
أبناؤه : أحمد وناصر .. هل كان لأحد الاسمين علاقة بالراحل " جمال " ؟ لم لا .. والكثيرون كانوا يعيشون حلم النهضة ويعتقدون أن " مصر " خليقة بقيادة العرب نحو المجد .. وهي كذلك لو أرادت .
الشهادة أن الرجل جميل كاسمه، بريء من التعصب، شديد الوضوح والشفافية مع نفسه، غير ملتزم بأي شروط إلا أن تكون شروط الحق والصدق والإخلاص.
تعرف صاحبه النجدي جيداً إلى العائلة : " ديمة وندى " وإلى والدتهم الدكتورة سعاد جابر ووجد الأسرة النموذج في علاقتها العائلية الدافئة، الوصية بالدعاء لهم في كل مناسبة، الطيبة والصفاء والهدوء والإيمان هي القدر المشترك، وماذا عسى أن يكون الاختلاف بعد ذلك؟
امتدت المعرفة لأزواج البنات، وزوجات الأولاد، والأحفاد، علاقة راسخة ممتدة، أسر عديدة تجمعت في روح واحدة (الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)(النور: من الآية26)، خلقوا من طينة واحدة، فتمازجت النفوس وتداخلت، وتشامت فتعارفت .
الظرف والنكتة حاضرة، كيف لا يصنعها وهو الذي يعالج أعقد قضايا الاقتصاد والتنمية عبر مقال في جريدة " المدينة " بواسطة حكايات تستلقي معها ضاحكاً ودموعك تنهمر .. فهو ضحك كالبكاء .. وشر البلية ما يضحك !
قد يتندر على نفسه .. فارسي يتزوج امرأة ذات أصل وفصلٍ " عتيبية من الأردن ! " .. أين دعاوى الكفاءة والنسب .. لم لا تقام هنا ؟!
أم أحمد نموذج حي للخلق الفذ والأداء المتميز والديانة والثقافة العالية .
في هذا المنزل تكتشف للتدين صيغة عالية، هي لا تنتمي إلى التصوف، وإن أخذت منه الرقة والصدق والصفاء، ولا تنتمي إلى الوهابية وإن كانت تشاطرها التوحيد والتجريد وازدراء الخرافة المتسترة بالحضرة أو تقديس الولي .. تتعامل مع التدين من مصادره الأصلية دون حاجة إلى " تلوين " .
نمط من التدين الحجازي يتميز بالشدة والتحري في الأموال فلا يقبل قليلاً ولا كثيراً من المال تحت بند التوسع والاحتمال، والمحل التجاري المخصص لبيع الذهب يشهد يومياً حالات من النقاء السلفي في التعامل مع الزبائن بغاية الوضوح والنصح، مع قابليتهم للاستغلال لعدم معرفتهم بنمط السلعة .
وفي حالات الجدل والبحث الفقهي المجرد يميل دوماً إلى الرأي المتشدد في الورع واستبراء العرض والجيب دون أي استعداد لقبول " التأويل " .
ومن هنا تأتي الحملة على الفساد المالي في الأجهزة الحكومية متساوقة مع موقف شخصي يتسم بالانسجام التام مع المبادئ التي يؤمن بها ويصر عليها .
تدين يتميز بعفة صادقة في شأن المرأة، فمع الحضور العفوي لها في المجلس أو المائدة إلا أنك حين تصحبه ستجد إنساناً تظن أنه لن يحاسب على نظرة أو ما فوقها، أو حتى تعليقة عابرة، إذ لا شأن له بذلك كله .
في إحدى السفرات اصطدمت سيارته في بيروت، وبالذات في "سن الفيل" بأخرى، ونزلت من السيارة المصدومة فتاة في ريعان صباها كانت هي القائدة .. ما جعل سعاد تصيح به .. ألم تجد غير هذه الفتاة لتصدمها !
ويتميز بموقف مبدئي معلن ومكشوف لا يقبل الجدل في رفض كل صور النهب والعدوان للأموال والعقار، وخاصة في جدة حيث تتكاثر وتفشو أساليب الاعتداء، والشجاعة هنا حاضرة للدعوة العلنية الدائمة للعدل الاجتماعي ورد الحقوق لأهلها، ومقاطعة مهرجان المجاملة والإطراء حتى لتراه أحق بقول المتنبي :
وَلا عِفَّةٌ في سَيفِهِ وَسِنانِهِ
وَلَكِنَّها في الكَفِّ وَالفَرجِ وَالفَمِ
ذات مرة سأل شيخه عن حديث الأعرابي وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- " لقد تحجرت واسعاً " وتبيّن أنه سيوظف اللفظ لمن يتحجرون أرض الله الواسعة بغير حق !
تقوى في المال، وأخرى في النساء، مزمومة بالخوف من الله، والاستعداد للمعاد، ومنزل عامر بالخير ومجالس الذكر وتلاوة آي الكتاب الحكيم خاصة في الهزيع الأخير من الليل .
على أنك ستجد التسامح في الصور والدمى الصغيرة المبثوثة ضمن زينة المنزل وجمالياته دون مبالغة مما يذكرك بأنك في جدة ولست في الرياض فضلاً عن بريدة !
وحين يحتفل من حوله بالميلاد النبوي كان هو يكتفي بأن يجمع أصحابه ويدعو الشيخ الصديق " عبد الوهاب " ليمنحهم درساً في السيرة النبوية بطريقته الفذة المؤثرة !
حين أوشكت سعاد على الغرق في رحلة غوص تايلاندية خاصة مع شريكها كان أهم ما يعنيها في ذلك الموقف ترديد النطق بالشهادتين تجديداً للعهد مع الله وختماً للحياة بالكلمة التي يحبها، والوصية بأولادها تجديداً لعهد الترابط الأسري المقدس الذي يظلل هذه الأسر الطيبة، وتنجو بأعجوبة من براثن الموت لتزداد إيماناً مع إيمانها وشكراً للخالق العظيم على فرصة الحياة المتجددة !
ولتسجل تجربتها الفريدة في رواية فريدة " امرأة على الحافة".
أربعة هم، ذكران وأنثيان مع العناية بالتربية والتعليم، خفض في العدد، وتفوق في النوعية ما بين طبيب ومهندس وصاحبة دراسات عليا .
تعلّم صاحبنا أن حقيقة التدين واحدة في قيمها الجوهرية وأخلاقياتها السامية وصلتها بخالق الكون، وإن تفاوتت في بعض جزئياتها وتفصيلاتها وملامحها المستمدة من البيئة والثقافة السائدة والذوق الشخصي .
الأسفار تسفر عن الأخلاق (شعيب جراب) شهد واحدة من الخرجات البرية مما لم يكن يعهد في بيئته الحجازية، وبصحبة أعضاء المكتب، لم يكن يربطه بالصحراء ود أو ذكرى لكنها نشأت مع رجال الصحراء الذين عرفهم وأحبهم، وحتى الشعر الشعبي فهو عنده طلاسم وألغاز وكلمات جوفاء تستخدم للتكسب، ولكن عندما تلا عليه صاحبه أبيات (تركي بن حميد) وشرحها له وجد أنساً وراحة واستحساناً لها :
يَامَاحَلَا ياعبيدْ في وقـت الاسفارْ 
جَذْبْ الْفراشْ وشَبَّ ضَوّْ المناره
مع دلةٍ تجـذا على واهج النارْ
ونجرٍ اليـا حِّرْك تزايـَدْ عـَبَـاره
واخير منهـا ركعتينٍ بالاسحارْ 
لا طابْ نومْ الـلـي حياتِهْ خساره
تلـقاهْ في يومٍ يـضِيْعنّْ الافكار 
يومٍ على المخلوقْ ما اطولْ نهاره
قمْ في قصيرْ البيتْ حشمهْ ومقدارْ 
لو جارْ فادمحْ لهْ ولـوبهْ خساره
ترى النبي وصّى على الجارْ لو جارْ 
خذ الحذر ياعبيدْ عقبَ النذاره
وصية جميلة بقيام الليل وإيقاد النار وصناعة القهوة وركعتين في السحر، ودعوة إلى حفظ الجار (القصير) ولو تجاوز أو تعدى ...
السفر إلى لبنان حيث شقته في (حي النقاش) والتجول في جنوب لبنان وشماله ..
أخرى إلى مصر حيث شقته على النيل وزيارة المتاحف والمواقع الأثرية، والرحلة إلى الإسكندرية، وزيارة عمه (أبو هاني) ابن مدينة جدة السابقة وأمينها في منزله، براً وصلة .. والشيخ عبد الوهاب الطريري ثالث الثلاثة في كل حركاتهم وسفراتهم ومجالسهم .
رجل يحسن التعايش وإقامة العلاقات ويتجنب المشكلات، فيكافئ الحسنة بالحسنة، ويتجاوز عن السيئة .. أوليست عفة اللسان ثالثة الثلاث ؟!
كان صلة الوصل مع أهل جدة، في منزله العامر قرب الكورنيش تم التعرف على كوكبة من الأسماء الشهيرة .
أخوه المهندس زكي فارسي في حوارات طويلة وثرية .
د. عاصم حمدان الغامدي العالم اللغوي الأديب .
صديقه (محمد سعيد طيب) صاحب القلب الطيب، المؤمن بمبدئه، الصابر عليه .
أسامة ناصف، وعدنان مرداد، حيث تلتقي المصاهرة والصداقة.
ثلة من أساتذة الجامعات، وكتاب الصحافة البارزين محمد صلاح الدين، محمد المختار الفال، قينان الغامدي، عبد المحسن هلال، سالم سحاب ..، والشعراء المبدعين (عبد المحسن حليت)، وبالذات عقيب قصيدته المشهورة في القضاة .
هو أحد الموقعين على " بيان التعايش " الشهير، واختاره صاحبه ليكون متحدثاً ومدافعاً عن مضامينه في " قناة الجزيرة " في وجه طوفان المشهرين. كان جميل قد وقع على بيان التعايش ميدانياً بسلوكه الفذ وتعامله الراقي مع المخالفين مع إيمانه الراسخ بمبادئه الشرعية وقيمه الدينية قبل أن يولد ذلك البيان .
وحين ولد البيان .. كان موقعاً مبادراً .. يمثل المسلم الحر اللامنتمي فكان طرفاً في حوار حول البيان .. يعطي طابعاً شمولياً لذلك الخطاب المثير للجدل.
مثله يعد جسراً إيجابياً لتجاوز الجغرافيا المحلية، وصناعة الروابط بين أبناء البلد الواحد، والتبادل المعرفي والأخلاقي الإيجابي، حيث لا يتطرق إليه وهم التعصب لشيء أو ضد شيء، هو أنموذج في التوسط الفطري، والاستعداد الصادق للاستماع، والحوار الذي يتفق أو يختلف مع حفظ الحق في الحديث، وتقدير المنزلة. 
أراك جميلاً في فعالك كلها
أراك جميلاً حين تنأى وتقرب
أراك كماء المزن صفواً ونائلاً
بلى أنت من ماء الغمامة أعذب