الموارد والحلقة المفقودة

كتب بواسطة: ابراهيم غرايبة | في الجهات الاربع . بتاريخ : May 3 2012 | العدد :69 | عدد المشاهدات : 2285

الموارد والحلقة المفقودة

نسخة للطباعة
تواجه المشتغلين بالإصلاح والتنمية (وهم يجب أن يكونوا جميع الناس بلا استثناء) باستمرار معضلة فكرية وجدلية متعلقة بالموارد التي لا تؤدي وفرتها إلى تنمية وتقدم، أو ندرة الموارد التي تستخدم عادة لتفسير سياسات اقتصادية واجتماعية فاشلة.. لماذا لا يؤدي النمو الاقتصادي والثراء دائما إلى تحسن في الحياة والتعليم والصحة والسلوك والثقافة وارتقاء بالصناعة والتقنية؟ ولماذا لا تتفق أساليب الحياة والإدارة الاقتصادية والسياسية مع حالة ندرة الموارد عندما لا تتوافر على النحو الذي يعظّمها ويفعلها وينشئها أيضا؟ 
لدينا دول ومجتمعات كثيرة تملك وفرة مالية هائلة، وتملك قدراً واسعاً من الموارد البشرية والطبيعية والمياه والأراضي الخصبة والواسعة، ولكنها تعاني من ضعف التعليم والإبداع، وترهل المؤسسات الخدماتية، والفساد والتخلف السياسي والاجتماعي والثقافي، ولدينا أيضا دول ومجتمعات تنشئ منظومات اقتصادية وسياسية على النحو الذي يتجاهل الموارد المتاحة ويبددها ولا يفيد سوى أقلية ضئيلة من المجتمع ويدع الأغلبية في حالة من الفقر والتهميش، وبالطبع هناك حالة مرافقة من الفساد والتخلف والنهب للموارد. 
يبدو أن ثمة حلقة مفقودة في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية تحول دون تحويل الموارد إلى تنمية وتقدم أو تمنع تعظيم الموارد المتاحة والقليلة وتنظيمها على النحو الذي يحقق التنمية، وهذا هو السؤال، وفي تقديري أن الحلقة الغائبة هي أسلوب الحياة المتفق مع الموارد والقائم عليها أيضاً. 
فيفترض أن تكون ثمة علاقة منطقية ومتفاعلة بين عمل الإنسان وموارده، وبين مكان إقامته، ومكان تعليم أطفاله، وعلاقاته الاجتماعية وصداقاته وهواياته وأماكن وأساليب الترفيه، وهذا هو المطبق في التاريخ والجغرافيا، وهذا ما يفسر نشوء المدن والتجمعات السكانية والقضايا والأعمال الاجتماعية والسياسية والثقافية. 
فالإنسان يختار مكان إقامته قريبا من عمله، أي أن الأعمال من الأسواق والمؤسسات الخاصة والعامة يفترض أن تنشئ حولها بتخطيط مسبق (السكن الوظيفي) أو على نحو تلقائي مجتمعي تجمعات سكانية من أحياء ومدن وبلدات، فهناك مدن وأحياء أنشأتها مشروعات اقتصادية وتجارية، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح حول الموانئ والمناجم والجامعات، ويفترض أن توفر هذه التجمعات السكانية مدارس للأولاد وحدائق وأسواقاً وأماكن ترفيهية وأندية على النحو الذي يتيح للمقيمين القدرة على الذهاب إلى العمل والمدارس والأسواق مشيا على الأقدام أو على دراجاتهم الهوائية أو في دقائق قليلة بوسائل النقل، وهذا لا يحل فقط مشكلة المواصلات، ولكنه ينشئ منظومة اقتصادية واجتماعية تتشكل حول الأعمال، فالأسر في علاقتها وحياتها اليومية في المدارس والأسواق والأندية تنشئ قضايا وأعمالا مشتركة تقوم عليها المنافسات الانتخابية والأعمال التطوعية والنقابية وتنظم العلاقة مع القطاع الخاص وموردي الخدمات. 
وينشئ الأطفال في تجمعهم في المدارس وفي حياتهم المسائية عندما يكون بإمكانهم التجمع والالتقاء بسهولة دون عمليات لوجستية معقدة عالما أكثر إبداعا وروابط جديدة تتشكل في الحي/ البلدة، من الأندية والفرق الرياضية والفنية والذكريات المرتبطة بالمكان، وقيم الانتماء والمشاركة والخصوصية المتعلقة بالمكان نفسه الذي يعيشون فيه، وقصص الحب والزواج، وهكذا تكون الهوية والثقافة، وهكذا يفترض مع نضوج الجيل الثاني ممن نشأ في المكان أن تنشأ روابط اجتماعية وثقافية تميز المكان وتنشئ روابط وأعمال متعلقة بالاقتصاد والسياسة والثقافة والحياة. 
وفي غياب هذه العلاقة، تغيب الحلقة الناظمة للأعمال والإنجازات المفترض نشوؤها وتشكلها، ويغيب معنى الانتخابات والنقابات والبلديات والأمكنة، ولا تتشكل هوية واضحة ولا علاقة صحيحة مع المكان، وتنشأ أيضا معاناة كبيرة في التحرك والنقل بين أماكن الإقامة والعمل والدراسة ذهابا وإيابا، وفي ذلك هدر كبير للأوقات والطاقة، ولا تنشأ أي علاقة بين أهل الحي من الكبار والأطفال، وتكون عمليات الترفية والروابط الاجتماعية أيضا معقدة تحتاج إلى إدارة معقدة، وتكون الفجوة الهائلة مع المكان والغربة وفقدان الانتماء والمشاركة. 
أسلوب الحياة الناجح والمؤدي إلى التقدم يبدأ بإقامة الناس قريبا من أعمالهم، وأن يدرس جميع أطفال المكان وبخاصة في المرحلة الأساسية في المكان نفسه، وأن ينشئ الناس بأنفسهم في مكان إقامتهم أدوات التعليم والصحة والحياة اليومية، من المدارس والحدائق والخدمات والمرافق، والانتخابات البلدية والنيابية، وبذلك فإن الناس يتجمعون حول احتياجاتهم وأولوياتهم، وتكون الإدارة والسياسات الحكومية متصلة بحياتهم ومصالحهم على نحو مباشر، فيملكون الرؤية والدوافع والمصالح لمراقبة وإصلاح الموارد والضرائب والقرارات والتشريعات. 
وفي المقابل فعندما تنتفي العلاقة بين مكان الإقامة والعمل وتعليم الأطفال وتوفير المياه والخدمات، وبين حياة الناس وإدارة الموارد والمرافق وتنظيمها، تتشتت الرؤية والمصالح وفرص التجمع وتنظيم الناس.