يا سيدي عمر

كتب بواسطة: د. عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : May 3 2012 | العدد :69 | عدد المشاهدات : 2040

يا سيدي عمر

نسخة للطباعة
لا تزال تلك الشحنات الوجدانية تسري في نفسي كأنما هي موجات متوالية تتحرك في كل شغاف النفس، وتجري في كل مسام الجسد، وأنا أحدق في الصورة التي تكاد تتحرك بين يدي ويوشك أن تنطق بكلام يملأ أذني.
فهذه صورة الشهيد أمامي وهذا ابنه بجانبي وهؤلاء أبناء المجاهدين معه يقصون ما روى لهم أباؤهم من مدهشات المواقف، كانت مفاجأة لا أشعر أنني سأفارق مناخ التفاعل والتأثر بها  بحيث لم أدع الحديث عنها في كل لقاء بعدها.
لقد كنت أرويها ليس كحدث سمعت عنه، بل ولا كحدث رأيته ولكن كأنما أروي حدثاً عشته، امتلأت عيني بتفاصيل تفاصيله، وامتلأ قلبي بازدحام دلالاته.
لقد كانت هذه واحدة من المفاجآت ولكنها لم تكن الوحيدة لقد بدأ مسلسل المفاجآت منذ أن تنفسنا هواء هذا البلد المبارك الطيب أهله، لقد ذهبنا إلى ليبيا ونحن نتوقع استقبالاً جميلاً وتعاملاً رائعاً ثم كانت المفاجأة إلى حد الإدهاش أن ما لقيناه كان أجمل مما توقعناه وأروع مما تخيلناه.
لقد رأيت الحب يلمع في العيون، والترحاب تنطق به كل قسمات الوجوه، وكم استثيرت دهشتي وأنا أرى أعذب مشاعر الانفعال الصادق عندما يصل شيخنا إلى الاجتماع فأرى  الصدق في الانفعال الفجائي بمجرد أن تقع عيونهم على شيخنا، كنت أقرأ صوراً من الحب أراها في طفرة الفرحة تطل على الوجوه فتتحدث بألف لغة حب، بريق العيون، وابتسامة الفرح، واستطلاق كل أسارير الوجه،  وطيش الانفعال اللاإرادي وثوباً إلى الشيخ، كانت احتفالية  من الترحاب جعلتني لا أحفظ كلمات الترحاب الصادقة لان انفعالات البشر والاستبشار كانت أبلغ وأصدق من كل تعبير.
وكان من الفجاءات الجميلة ما رأيناه من وفاء أهل هذا البلد لدينهم؛ فقد لمست التدين الفطري الصادق  في عامة الناس تراه في المسؤول الكبير وطالب المدرسة والتاجر ورجل الأمن ورجل التعليم تلمس هذا التدين في حفاوتهم بأهل العلم، في أسئلتهم المستبرئة للذمة، في صلتهم الوثيقة بالقرآن، في طلبهم الدعاء بيقين وصدق ممن يظنون به الخير ، وتتدافع المفاجآت الجميلة والتي كان من أكثرها تأثيراً يوم زرنا وادي الكوف عرين عمر المختار لقد كنت أتجول في هذا الوادي برفقة شيخنا والمشايخ  والأساتذة الذين استقبلونا ولكني كنت أشعر بأني أتجول لوحدي مستغرقاً مع مشاعري كنت أشم رائحة شيخ المجاهدين وأرى طيفه، تراءا لي  ضوء وجهه ولحيته البيضاء كأنما هي هالة من نور تشع من وجه قدسي.
كنت أسير في وادي الكوف وأشعر بأني أسير على أرض معطرة بدماء الشهداء الذين واجهوا سلاح المعتدي الغاشم بلحم أيديهم، فشربت هذه الأرض دماءهم واحتضنت أشلاءهم، ولا أحسب إلا أنهم عبروا منها إلى الجنة، وأحسست في وادي الكوف بنقلة وجدانية عندما يرحل بك المكان عن الزمان، هناك ارتعشت يدي وكأنني لا زلت في بيت الحاج محمد عمر أحتضن صورة أبيه الشيخ عمر المختار لحظة إلقاء القبض عليه،  من قبل عدو غاشم باطش طلبه وأمعن في الطلب، صورته وقد أمسك الجنود الإيطاليون بذراعيه  جعلت أتفرس في صورة وجهه والتي كانت واضحة تمام الوضوح فإذا أنا أنظر إلى وجه صلب كأنه صخرة، جعلت أتفرس فيه أقرأ  سطور المعاني في تجاعيد وجهه فو الله ما قرأت في ذاك الوجه الصخري الصلب كلمة تنبئ عن تضعضع أو وهن ، وإنما كانت أخاديد وجهه تنطق بلغة كلها تحدي وصلابة وكأنما عيناه تشعان لهباً، لم أقرأ في عينيه ضراعة ولا استجداء لأعدائه ولكني قرأت فيها ضراعة لربه كأني أقرأ هتافها تقول يا رب هذا جهدي فهل أعذرت.
كان جسده يشيخ و يضعف وأما روحه و نفسه  فلا تزداد إلا قوة وصلابة، أدخلوه يرسف في السلاسل على الجنرال غراسياني سفاح برقة فكتب الجنرال في مذاكرته رأيت وجهاً عليه هالة قداسة وشعرت وأنا الذي خضت الحروب حتى سميت أسد الصحراء بمهابة لهذا الرجل الذي لم يدخل كلية عسكرية.
سئل بعد أن حكم عليه بالإعدام عن طلبه فقال لي طلب وحيد وهو أن لا تزوروا التاريخ فتكتبوا عني أني طلبت استرحاماً  أو عطفاً، قالوا له: لو أطلقنا سراحك فكم من الوقت سوف تكف عن قتالنا قال: بقدر ما أصوب بندقيتي إليكم.
ظل صليل كلماته يدوي في رأس الجنرال غراسياني وهو يقول إني أقاتل من أجل ديني ووطني، ثم قتل شنقاً فقضى نحبه شهيداً صادقاً، ولا أحسبه إلا من أهل قوله تعالى: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً).
يدي ترتعش وأنا أقرأ في الصورة ملامح وجهه وتمنيت أني قبلت جبينه المعظم بالسجود ويده المعطرة بغبار الجهاد وأني قلت له يا سيدي عمر لقد نثرت دمك من أجل دين حقيق بجهادك، ونثرت دمك لوطن يستحق دمك، ولشعب يحيا بموتك.
      يا سيدي عمر لو  رأيت أبناءك وأبناء أبناءك لقرت عينك وسعد  قلبك  فأبناؤك لا زالوا أوفياء لقضيتك ودينك وقرآنك.
 يا سيدي عمر إن القرآن الذي كنت تختمه كل خمسة أيام تزدحم ليبيا اليوم بحفظته فهي بلد المليون حافظ، يا سيدي عمر  إن دماءك تجري في عروقهم وإن روحك تخفق في قلوبهم، قد رأينا الأطفال والفتيان والشباب يترنمون بالقرآن الذي حفظته ويحبون الدين الذي مت من أجله. 
    يا سيدي عمر لقد نظرت إلى وجوه الفتية من أبنائك فشعرت أن أعمارهم امتداد لعمرك، وأعمالهم امتداد لعملك، فقرة عين لك فو الله إني لأحتسب أننا نمشي على أرضك وأن روحك قد انتهت إلى موعود الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن.
يا سيدي عمر؛ لقد كنت أعلم أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ولكني اليوم علمت أن حياتهم تسري في حياة الأجيال من بعدهم.
يَسْتَنْهِضُ الغاوي صَبَاحَ مَسَاءَ
رَكَزُوْا رُفَاتَكَ فِي الرِّمَالِ لِوَاءَ
يَكْسُو السِّيُوْفَ عَلَى الزَّمَانِ مَضَاءَ
يَا أيُّهَا السَّيْفُ المُجَرَّدُ بِالفَلاَ
أبْلَى فَأحْسَنَ فِي العَدُوِّ بَلاَءَ
تِلْكَ الصَّحَارَى غِمْدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ
لَمْ تَبْنِ جَاهَاً أوْ تَلُمَّ ثَرَاءَ
خُيِّرْتَ فَاخْتَرْتَ المَبِيْتَ عَلَى الطَّوَى