المواجهة مع اليهود: أسلوب جديد

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :69 | عدد المشاهدات : 2135

المواجهة مع اليهود: أسلوب جديد

نسخة للطباعة
وصف الناس عصرنا بأوصاف عديدة منها: عصر الاتصال والإدارة، وعصر تقنية المعلومات، ويمكن أيضاً أن نصفه بأنه عصر القوة الناعمة، وعصر المناورة والخداع...
قصة صراعنا مع الصهيونية على أرض فلسطين تحتمل أن نكتب عنها ألف رواية ورواية؛ لأنه يشكل نموذجاً للحق الذي لا يعرف أهله كيف يدافعون عنه، ونموذجاً للباطل الذي يمكن قلبه إلى حق.. يلقى المناصرين، ويكسب الأتباع.. 
الذي دفعني إلى هذا الحديث في هذا المقال ذلك العدوان السافر الذي ارتكبه الإسرائيليون ضد ناشطي( أسطول الحرية)، والذي نتج عنه إزهاق أرواح بريئة، رفض أصحابها استمرار الظلم والعدوان على النساء والأطفال في غزة؛ وأود أن أبدي حول هذا الموضوع الملاحظات الآتية: 
1 ـ يقدِّم اليهود أنفسهم للعالم على أنهم الشعب الذي استطاع إقامة دولة ديموقراطية متقدمة في بحر من الدول المستبدة والمتخلفة، كما يقدمون أنفسهم على أنهم مستضعفون ومهدّدون، يحيط بهم الأعداء من كل مكان، وكثير من الدول والشعوب انطلت عليهم الخدعة، وصاروا يُظهرون التعاطف مع الإسرائيليين، ولا شك أن بعض الغربيين لا يحبون اليهود، ولكنهم يخافون منهم، ولهذا فإن تعاطفهم معهم عبارة عن نفاق ليس غير..
إسرائيل دولة ديموقراطية، لكن من غير ديموقراطيين، ورجالاتها بعيدون جداً عن النزاهة، ويكفي أن نعلم أن نحواً من 20% من أعضاء الكنيست ملاحقون من قبل القضاء بسبب الفساد المالي. 
2ـ إسرائيل تقدم نفسها على أنها مهدَّدة، والعجيب أن هذا المهدد المستضعَف هو الذي يغتصب الأرض ويسرق المياه، ويقتل الصغار والكبار، ويحاصر الملايين.. فلو لم يكن اليهود مهدّدين، فما الذي يمكن أن يفعلوه إذن؟! 
3ـ المجتمع الإسرائيلي مجتمع هشّ، والجنسية المزدوجة التي يحملها كثير من أفراده هي ميزة شخصية للفرد، لكنها نقطة ضعف كبيرة بالنسبة إلى الدولة؛ إذ إن كثيراً من مواطنيها قد يهاجرون إذا تعرضت البلاد لأزمات خطيرة، ولهذا فإن حساسية اليهود نحو الأمن عالية جداً، وحكوماتهم المتعاقبة تبقيهم على حالة عالية من التوتر حتى لا يتفسخ المجتمع من الداخل. 
4ـ يقولون إذا أردت أن تنتصر فصارع في المجال الذي تملك تفوقاً فيه، وإن اليهود متفوقون على جيرانهم في المجال العسكري، ولهذا فإن إشعال الحروب وكسبها هي لعبتهم المفضلة، وأعتقد أن من المهم في هذه المرحلة ـ على الأقل ـ حرمانهم من هذه الميزة ومنازلتهم في المجال الذي لا يملكون فيه أي عتاد حقيقي، وهذا المجال هو مجال الاحتجاج المدني المتواصل، واستخدام الإعلام، وتنظيم القافلة تلو القافلة على شاكلة (أسطول الحرية) حتى يعرف الناس كيف حولت إسرائيل قطاع غزة إلى  أكبر سجن في العالم، وهو سجن فريد لا أبواب له، بل له باب واحد نحو السماء! وحتى يعرف الناس المعاناة اليومية لأهل الضفة الغربية من جرّاء تقطيع أوصالها بالجدار العازل، وهل هناك أدلة على معاناة أهل الضفة أبلغ من أن بعض الشباب خطبوا فتيات من بعض القرى المجاورة، ولم يستطيعوا إقامة حفل الزفاف إلاّ في الأردن بسبب استحالة التنقل داخل الضفة؟! 
إن على السفارات العربية في العالم أن تخصص 2% فقط من ميزانياتها الضخمة لتنظيم حملات إعلامية تكشف حال الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون، أما الشعوب فإنها تملك الكثير من القدرات والخيارات، وإن ثرياً واحداً من أثرياء المسلمين يستطيع أن يسيِّر كل ستة أشهر قافلة كقافلة الحرية بشرط واحد هو أن يضع كسر الحصار عن غزة وتعريف أحرار العالم بقضية فلسطين ضمن خمسٍ من أولوياته. 
لقد فتح أسطول الحرية حقلاً جديداً للممارسة، وأيقظت الدماء الزكية وعينا على الإمكانات الهائلة التي نملكها في سبيل نصرة قضايانا العادلة. 
أسطول الحرية مدرسة لتعليم النبل والاهتمام والتضحية ولشرح الوضعية التي تنتصر فيها القوة الناعمة على القوة الغاشمة.