الجدران.. كشْف حال بأوضاع الشباب

كتب بواسطة: زياد الركادي | في تحقيق . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :69 | عدد المشاهدات : 2160

الجدران.. كشْف حال بأوضاع الشباب

نسخة للطباعة
بدأت فصول قصة تاريخ الكتابة من على أسطح الألواح الطينية وجدران المساكن البدائية والكهوف، وخلال سلسلة طويلة من التطور استمرت لعشرات القرون.
عرفت البشرية الوسائل الحديثة في الكتابة ابتداءً بالورق، إلى إن وصلت إلى الوسائل التقنية المكتشفة خلال القرن المنصرم. وظلت الكتابة طيلة هذا التاريخ الطويل الوسيلة المفضلة في التواصل والتوثيق لما يتم بين البشر، كما ظلت كذلك وسيلة مهمة لنقل المعارف وربط الأجيال المختلفة ببعضها البعض.
ومع كل التطورات التي لحقت بالكتابة وآلياتها، هناك من الشباب المعاصر من يدير عقارب الساعة إلى الوراء قروناً عدة، ويذهب إلى الجدران مدوناً فيها خواطره، ويودعها رسوماته التي تتراوح مابين نقد بعض المظاهر الاجتماعية – من وجهة نظره- وأخرى تشرح وضعه (هو) سواء عاطفياً أو مادياً، والأولى بحسب الكثير من الجدران التي زرناها اتضحت أنها الأكثر شيوعاً.
الخبير الاجتماعي السعودي الدكتور علي الرومي تحدّث لنا عن هذه الظاهرة قائلاً إنها قديمة للغاية بدأت منذ اكتشاف الكتابة، واستمرت حتى اللحظة، ويكمن الاختلاف في جانب أن الكتابة على الحائط كانت في الزمن القديم تُستخدم بشكل رسمي في التوثيق لطرق الحياة، وما اكتشفته البشرية في ذلك الزمن، وكثير من تاريخ تلك الشعوب وصل للمعاصرين عن طريق تلك الكتابة الجدرانية، بيد أن استخدام الحائط في الوقت الراهن للكتابة، لايعدو أن يكون ظاهرة شبابية بحتة، يحاولون فيها التعبير دون أن يعرفوا بأنفسهم، ولذلك يلاحظ أن نوعية التدوينات على الجدران غالباً ما تتناول شيئاً لا يمكن للشاب أن يعبر عنه صراحة سواء كان رأياً في الشأن العام أو رأياً في شخص معين (يحبه أو يكرهه). وربما يلجأ الشاب المعاصر للكتابة على الحائط تعبيراً عن الغضب والنقمة، والعكس يحدث أيضاً عندما يعبر أحدهم عن غبطته وفرحه بتحقيق شيء كان يتمناه.
       ويعتقد الدكتور الرومي أن الكتابة على الجدران خاصة في الدول المتطورة آخذة في التضاؤل بشكل كبير؛ نظراً للاجتياح التقني الكبير في تلك الدول واهتمام شريحة الشباب أكثر من غيرهم بهذه التقنيات مثل الإنترنت والفيس بوك والتويتر، وغيرها من الآليات الحديثة التي عززت طرقاً جديدة في التعبير دون أن يكشف الإنسان هويته إن أراد ذلك. وقال الخبير الاجتماعي: إن عدم كشف الهوية هو أحد العوامل الهامة التي جعلت الشاب يلجأ إلى الجدران، وما يجعله حالياً يلجأ إلى الإنترنت في غرف الدردشة والفيس بوك والتويتر. لكنه مع ذلك قال إن هناك عوامل أخرى تدعم بقاء الكتابة على الجدران لفترات تالية تتمثل في أن الكتابة (على الحائط) غالباً ما تكون رسالة موجهة لشخص ساكن في ذات المكان (المقصود هنا: الكتابة في حائط منزل)، أو على الأقل تُوجّه إلى شخص يتردّد على هذا المكان أو قريب منه. ويلفت علي الرومي إلى أن الكتابة على الجدران هي عبارة عن تنفيس عن الذات، وأنه متى ما وُجدت بدائل مناسبة فستقلّ الظاهرة أو تنعدم.
بدوره يسوق الدكتور عبد العزيز بن حمود الشثري أستاذ الاجتماع بجامعة الإمام الكثير من الأمثلة للكتابة على الجدران في دول العالم المختلفة، مؤكداً بأنها ظاهرة عالمية لا يكاد يخلو منها مجتمع، وإن كانت في الغرب لا ترتبط بالجانب العاطفي كما هو حاصل في الدول العربية، وإنما تكون في الغالب لتيارات سياسية وعقدية معينة مثل شباب (الهيبز) في الستينيات من القرن الماضي الذين كانوا يغمرون حوائط برلين ولندن وغيرها من العواصم الأوروبية بالكتابات الاحتجاجية والثورية على الأوضاع الاجتماعية، أو التي تعبر عن وجهات نظرهم في قضايا سياسية وعالمية. وفي الدول العربية وبالذات الخليجية يقول الشثري فإن معظم الكتابات تدور حول الرياضة والجنس والغزل والخصومات والمشاجرات بين الشباب. والتفحيط والسيارات. وأشار في السياق إلى  مضمون جديد ظهر في السنوات الأخيرة لمثل هذه الكتابات "وهو موضوع خطير، من الناحية الدينية والاجتماعية والوطنية، وهو موضوع التعصب القبلي والفخر بالأنساب والطعن في الآخرين، والسخرية من بعض شرائح المجتمع". وذهب إلى أن هذه الكتابات مضرة بالغاية بالمجتمع، ولا يمكنه أن يسكت عليها، والمجتمع إذا كان في الماضي يعتبر كتابات الشباب نوعاً من التنفيس العاطفي أو الغضب تجاه معلم أو أسرة أو نحو ذلك مما لا يضر، وإنما يذهب أثره بذهاب وقته، فإن موضوع العصبية القبلية ونحوها لها سلبيات عديدة ينبغي أن يفطن إليها المسؤولون، ويضعوا لها المعالجات المناسبة. 
وحول الشريحة الأكثر إقبالاً على هذا النوع من الكتابات قال الشثري: تتمثل في شريحة المراهقين والشباب الصغار في السن، كما أنهم غالباً من الذكور، ولم تُسجّل حالة لأنثى تكتب على الحائط في السعودية حتى الآن، وإن كانت الظاهرة متواجدة داخل الأماكن النسائية المنفصلة مثل مدارس البنات وكلياتهن الجامعية.
أما الدكتور إبراهيم النقيثان المستشار بمؤسسة (الإسلام اليوم) فقد أكد لنا بأن أكثر أنواع الكتابات الحائطية شيوعاً تلك المتعلقة بالرياضة والأندية التي يشجعها الشباب، وذلك من باب المعاكسات بينهم وبين مشجعي الأندية الأخرى، وقال: إن هذه الظاهرة امتدت لتشمل الإنترنت والفيس بوك الذي يحفل حالياً بهذا النوع من الكتابات المتعارضة بين مشجعي ناد وآخر. 
ولفت النقيثان إلى نوع مهم من الكتابات الحائطية، وهي التي تحتوي مضامين سياسية، وقال: إن هذا النوع منتشر في دورات المياه، وكتّابها في الغالب هم من فئة الشباب المتقدم في السن (ما بين 25-35) وليسوا من فئة المراهقين، كما في الأنواع الأخرى من الكتابات، لكنه أشار إلى أن الكتابات السياسية على جدران دورات المياه قلّت كثيراً عن الماضي بسبب انتشار وسائل الإنترنت، ونبّه الباحث الاجتماعي إلى أن الكتابات الحائطية بمختلف أنواعها تختلف بحسب الأحياء السكنية؛ فالأحياء الراقية ذات التركيبة السكانية الخاصة قد تكون الكتابات بها - إن وُجدت- ذات اتجاه معين يختلف عن تلك الكتابات الموجودة في الأحياء الفقيرة أو المتوسطة، والتي تكثر فيها الشكوى سواء من الحرمان العاطفي أو المادي.