د.العودة: رأيت تكريمًا وحفاوة لا تصفها العبارات ولا تستوعبها الألفاظ

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في تغطية خاصة . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :69 | عدد المشاهدات : 3131

د.العودة: رأيت تكريمًا وحفاوة لا تصفها العبارات ولا تستوعبها الألفاظ

نسخة للطباعة
طوال ثمانية أيام قضوها في ليبيا، متنقلين ما بين طرابلس العاصمة وبني غازي والبيضاء ودرنة، كان الشيخ الدكتور سلمان العودة ـ المشرف العام على مؤسسة “الإسلام اليوم” ـ وصحبه، متفقين على أن ما شاهدوه وعايشوه في رحلتهم الدعوية تلك فاق كل ما توقعوه من حب وترحاب وتكريم، فحفاوة الاحتفال الرسمي والعلمي لم يضاهها سوى مشاعر الحب والسرور التي فاضت من وجوه رجال ونساء توافدوا بغزارة من أجل الترحيب بالشيخ ورفيقه الدكتور عبد الوهاب الطريري، والإنصات لخطبهم ومحاضراتهم، وذلك في مظاهرة حب قال الدكتور العودة إنها “لم يشاهدها من قبل”، وزاد عليه الدكتور الطريري قائلًا: “ولن تشاهده مجددًا”.
زيارة الدكتور العودة والطريري جاءت تلبية لدعوة من رئيس مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي معمر القذافي، وراعي المراجعات الفقهية والفكرية الذي أطلقها قادة الجماعة الليبية المقاتلة، وأعلنوا خلالها تخليهم عن العنف وفقهه، لينهوا بذلك حقبة طويلة من الصدام المسلح مع السلطات الليبية.
وكان د.العودة ضمن نخبة من العلماء اختارهم قادة الجماعة كي يراجعوا ويقروا هذه المراجعات قبل طرحها للعلن، حيث أثنى عليها، مشددًا على أنها تعدّ “شجاعة محمودة” لأصحابها، وأن “ما ورد فيها يتفق مع ما قرره أهل العلم والسنة”.
وإذا كانت المراجعات قد وضعت نهايةً لحقبة العنف وفكره، فإن زيارة د.العودة تشكل بداية لمشروع جديد يستهدف نثر بذور الفكر الإسلامي الوسطي في أوساط الشباب الليبي، حيث كشف الدكتور علي الصلابي، الذي تولى الوساطة بين الدولة وقادة الجماعة المقاتلة لإخراج المراجعات للنور، عن وجود خطط لدعوة نخبة من رموز هذا الفكر لزيارة ليبيا وعقد محاضرات وندوات عامة، ومن بين هؤلاء العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والفقيه المغربي الدكتور أحمد الريسوني، والعلامة الموريتاني محمد الحسن الددو، والثلاثة كانوا من بين من أقروا المراجعات.

تخطيط جيد
ويلاحظ أن واضعي برنامج الزيارة قد حرصوا على تحقيق أكبر فائدة ممكنة وفقًا للهدف الموضوع لها، حيث جمعت فعاليات الزيارة ما بين المحاضرات والندوات التي يحضرها المتخصصون والنخب، وبين اللقاءات العامة المفتوحة لكل من يرغب، كما أن البرنامج لم يقتصر على العاصمة كما هو المعتاد في مثل هذه الزيارات، بل شمل كلًّا من “بني غازي” و”البيضاء” و”درنة”، هذا فضلًا عن وجود تغطية إعلامية مكثفة، تلفزيونية وإذاعية وإلكترونية، نقلت تفاصيل اللقاءات والمحاضرات لكل من لم تسعفه ظروفه بالحضور.
وبدأ برنامج الزيارة، الذي أعدته وأشرفت على تنفيذه جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، بلقاء بين د.العودة والمهندس سيف الإسلام القذافي، ثم في اليوم التالي ألقى د.سلمان العودة محاضرة للأئمة والخطباء والوعاظ في مدرج أكاديمية الدراسات العليا بجنزور، بعنوان "كن إيجابيًّا"، شدد خلالها على أن الاندماج مع الآخرين في مشاريع إيجابية لا حرج فيه، لأننا بذلك نستطيع أن ننشئ ما يسمى بروح الفريق الذي يجعل الناس يتعاملون فيما بينهم بشكل إيجابي، ويتعاونون على البر والتقوى ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر. كما أوضح أن هناك مشاريع دولية أو إقليمية يمكن أن نكون مساهمين فيها، أو في جزء منها، أو حتى تابعين، مؤكدًا أنها مادامت مشاريع إيجابية فإنه لا حرج على الإنسان أن يستفيد منها.

تجربة رائدة
وفي مساء نفس اليوم شارك د.العودة ود.الطريري مع نخبة من العلماء الليبيين في ندوة نظمتها جمعية الدعوة الإسلامية في مسجد جمال عبد الناصر، ودار موضوعها عن مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة، والتي صدرت بعنوان "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس"، وكان لافتًا حضور عدد من قادة الجماعة الذين تم الإفراج عنهم مؤخرًا للندوة.
د.العودة أشاد خلال الندوة بالمراجعات، معتبرًا أنها تجربة تصلح منطلقًا لمشروع تنموي حضاري يندمج فيه الجميع، حاكمًا ومحكومًا، لأجل تصحيح الكثير من أوضاع مجتمعاتنا، كما توقف فضيلته أمام نقطتين: الأولى هي الثقة التي أبدتها الدولة بهذه المراجعات رغم أن القضية معقدة وتحوطها الشكوك. أما الثانية فهي الشجاعة والجرأة التي أبداها قادة الجماعة، حيث امتلكوا القدرة على أن يراجعوا مواقفهم ويعلنوا ذلك رغم ظروف الإحباط والاستفزاز التي تعيشها مجتمعاتنا، منتهيًا إلى أن المراجعات تشكل نجاحًا سياسيًّا كما هي نجاح دعوي.
من جانبه دعا د.عبد الوهاب الطريري إلى نسيان الماضي وآلامه، لافتًا إلى أنه جرت مواجهات بين الحكومة وأفراد الجماعة، ولا شك أن كلًّا منهما يحتفظ بذكريات، ولذا فلنتذكر سيرة النبي الذي علمنا كيف نتخلص من المشاعر السلبية، وأن نتجاوز آلام الماضي، مشبِّهًا الوضع بعد المراجعات بأنه "ولادة من جديد".

خطيب الجمعة
وفي لفتة ترحيب واحتفاء، كان د.سلمان العودة هو خطيب الجمعة في مسجد مولاي محمد بطرابلس، حيث جرى نقل الخطبة على الهواء عبر قنوات الجماهيرية الأولى والثانية وليبيا الرياضة، ودار موضوع الخطبة حول الجريمة الإسرائيلية بحق "أسطول الحرية" الذي كان ينقل مساعدات إنسانية لقطاع غزة الحصار؛ إذ لفت د.العودة إلى أن هذه المحنة قد تحمل في طياتها العديد من الإشراقات والمنح، التي ربما تكون مؤشرًا على نوع جديد من المقاومة، يستحضر المشترك الإنساني بين شعوب وأشراف وأحرار العالم، بعد أن زال الكثير من اللبس والتضليل حول حقوق الشعب الفلسطيني.
ورأى أن ما حدث لأسطول الحرية يدل دلالة قاطعة على ما تعانيه إسرائيل من حالة اهتزاز داخلي وارتباك وضعف وهلع وضياع، فهذه الدولة التي تتشدق بالديمقراطية لا تستحق أن تكون حتى من دول العالم الثالث.
كعائد بعد غيبة
ربما دار في خلد د.العودة وصحبه أن الحفاوة البالغة قد انتهت مع انتقالهم من العاصمة طرابلس إلى مدينة "بني غازي"، باعتبار أن المسئولين والنخب يتمركزون في العواصم، لكن ما حدث فور هبوط الطائرة التي كانت تقل الشيخ في مطار بني غازي كان مفاجئًا، ويصف مراسل صحيفة "ليبيا اليوم" المشهد قائلًا: "وكأنه غائب عاد بعد طول انتظار، فكل من تواجد في المطار من عناصر الشرطة ورجال الأمن وطلبة القرآن والمشايخ كلهم يرحبون بالشيخ سلمان ويعانقونه ويقبلون رأسه في مشاهد ترحيبية، خاصة عندما اصطفت مجموعة من طالبات القرآن ينشدن قصيدة بعنوان (مرحبًا بالعودة)".
بدوره وصف د.العودة المشهد بقوله: "رأيت تكريمًا وحفاوة لا تصفها العبارات، ولا تستوعبها الألفاظ والكلمات"، مؤكدًا "أن زيارته إلى ليبيا تعتبر من أفضل الزيارات التي نفذها في حياته".
تلك الحفاوة قابلها د.سلمان العودة "بمثلها أو أحسن منها"، حيث افتتح المحاضرة التي ألقاها في كلية العلوم بجامعة قاريونس بقصيدة في حب "بني غازي"، عنوانها "أهوى هواكم يا بني غازي"، يقول فيها:
شوقي إلى أهلي الكرام حجازي
أهوى هواكم يا بني بنغازي
الشعر حار فما القصيد بمسعفي
وكأنه ضرب من الألغاز
ها قد أتينا داركم وعيوننا
في جنة من صنعة الإنجاز
أنا ما وقفت على الحياة بحبكم
 فلينعتوني الدهرَ بالمنحاز
أنتم هوايَ أحبُّكم مهما نأَتْ
داري ولو ما كنت بالمتجاز
أهوى هوى الأحباب في بنغازي
كهوى القصيم وعارض وحجاز
وخلال المحاضرة، التي جاءت بعنوان "صناعة المستقبل"، شدد د.سلمان العودة على أن "حدوث المشكلات شيء طبيعي، ولكن لابد ألا تُحدِث فينا إحباطاً، بل يجب أن تحثنا على الصبر"، معتبرًا أنه "علينا ألا نختصر أمتنا في مشكلة واحدة، مثل مشكلة غزة وما وقع فيها مؤخراً، لأن هناك نقاطًا لابد أن تقرأ بصورة إيجابية بدلاً من اليأس والإحباط"، داعيًا إلى الاندماج في مشروع نهضوي حضاري. كما طالب بالاهتمام باللغة العربية والتخطيط للمستقبل، فمن لا يخطط للنجاح فهو يخطط للفشل، كما أن هذا لا يتناقض مع أهمية دراسة التاريخ، لأن من لا تاريخ له لا مستقبل له، محذرًا من الاستماع للأصوات التي تقلل من قيمة التاريخ.

شيخ المجاهدين
برنامج د.العودة في "بني غازي" شمل زيارة إلى منزل ابن شيخ الشهداء محمد عمر المختار، كان لها وقع خاص ومؤثر على رفقاء الرحلة جميعًا،، حيث استمعوا منه إلى قصص من بطولات الشيخ عمر المختار، رحمه الله، ورفاقه المجاهدين في مقاومة المحتل الإيطالي. وقد طغت أجواء تلك الزيارة على اللقاء المفتوح للشيخ في مسجد الأنصار، حيث تحدث طويلاً عن "بني غازي" وعن حفاوة الترحيب التي قوبل بها، قائلًا: كنا قد قابلنا من قبلُ الكثير من الشباب الليبيين في السعودية وفي أوروبا وفي أماكن شتَّى، ورأينا أخلاقًا كريمةً ونُبلًا وفضلًا، لكن عندما أتَيْنا إلى هذا البلد فإننا قد وصلنا إلى المصبِّ والمنبَع، وعلى الرغم من أننا توقعنا الكثير إلا أننا لم تصلْ توقعاتُنا إلى حجم ما شاهدنا ورأينا وسمعنا".
ثم انتقل د.سلمان العودة إلى موضوع اللقاء الذي حمل عنوان "مع المصطفى"، حيث استهله بالحديث عن شهادة القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم العتاب الرباني للرسول الأكرم، ثم تحديد المهمة النبوية، وكان الختام مع مميزات شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن "بني غازي" انتقل الشيخ وصحبه إلى مدينة "البيضاء"، حيث غص مسجد "عثمان بن عفان" بالحضور قبل وصول الشيخ بساعة تقريبًا، واضطر الكثيرون إلى أن يتابعوا المحاضرة من باحة المسجد الخارجية، فيما أغلق الشارع المؤدي للمسجد بشكل كامل، أما الشيخ فقد وصل إلى المسجد وغادره بصعوبة بالغة بسبب شدة الزحام وتدافع الكثيرين للسلام عليه والترحيب به. وفي لفتة ودٍّ خصص د.العودة جزءًا من اللقاء للحديث عن الصحابي الجليل "رويفع بن ثابت الأنصاري"، المدفون في مدينة "البيضاء"، وأسهب في سرد سيرته وتاريخه، مما لاقى استحسانًا بالغًا من الحضور، كما تحدث فضيلته عن طاقات الشباب والجيل الصاعد، وأنها يجب أن توظف في مكانها الصحيح، لإعمار الأرض والوطن، معبرًا عن فرحته بليبيا لكونه يرى شبابها يتصدرون مسابقات حفظ القرآن عبر العالم.
المحطة الأخيرة
ولم تختلف مشاهد الاحتفاء في "بني غازي" عن تلك التي قوبل بها د.العودة وصحبه في مدينة "درنة"، المحطة الأخيرة في رحلته، حيث امتلأ مسجد الصحابة عن آخره، رغم أن اللقاء عقد في العاشرة صباحًا. وقد افتتح الشيخ اللقاء بتهنئة أهالي المدينة بصعود فريقهم لكرة القدم إلى دوري الدرجة الأولى، كما ألقى أبياتًا من الشعر الشعبي الليبي تتحدث عن المدينة وتشيد بمناقب أهلها، في تحية لأهالي "درنة" وردًّا على مشاعر الحب التي غمروه بها ورفاقه. أما المحاضرة التي ألقاها فقد ركزت على ضرورة أن يكون المسلمون ممثلين جيدين للإسلام، وأن يقدموا رسالته بما تحويه من سماحة وحب للآخرين ووسطية، لافتًا إلى أن رسالة الإسلام انتشرت عن طريق التجار والأخلاق الكريمة التي تحلوا بها.
وأوضح د.العودة أنه يوجد أربعة ونصف مليار نسمة في العالم لا يعرفون عن الإسلام ولا عن نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، فلماذا لا نستغل وسائل الإعلام الحديثة من إنترنت كالـ "فيس بوك" و"يوتيوب" و"تويتر" في نشر دعوة الإسلام والدعوة له؟ مؤكدًا أننا مسئولون أمام الله عن إيصال حقيقة الإسلام للعالم، وبالتي هي أحسن وبالقدوة الحسنة، ولذا على الشباب المسلم أن ينتشر حول العالم لإبلاغ الرسالة الإسلامية كما فعل الصحابة الأوائل الذين بشروا بالدين الجديد في كل بقاع الأرض وأصقاعها.

وقفات مع الزيارة
من المؤكد أن حفاوة الاستقبال الرسمي والشعبي، التي قوبل بها د.سلمان العودة والتي فاجأه هو نفسه زخمها ودفئها، أمر يستحق التوقف، فالشيخ القادم من السعودية ينتمي إلى مدرسة فقهية تختلف عن تلك السائدة في ليبيا، فالعودة ينتمي إلى المدرسة السلفية، في حين تشكل ليبيا أحد المعاقل القوية للطرق الصوفية، كما أن نظامها الحالي لا يتسامح مع التوجهات السلفية وتاريخه معها بالغ العنف. لكن ذلك التناقض يمكن فك التباسه بالإشارة إلى أن د.سلمان العودة أصبح أحد رموز تيار "الوسطية" في العالم الإسلامي، وهذا التيار يتميز بانفتاحه على كافة المدارس ويأخذ منها طالما أنها لا تخالف صحيح الدين، كما أنه يبدي تفهمًا للفروق والاختلافات بين تلك المدارس، ويشدد على ضرورة قبول الخلاف باعتباره سنة كونية، وطالما أن موضوع الخلاف لم يتعلق بأصل ثابت من أصول الشرع.
ويحسب للشيخ العودة أنه أجاد التعبير عن آرائه وطروحاته من خلال المنابر الإعلامية المتعددة التي يطل عبرها، مما جعله طرفًا مقبولًا من جانب قادة الجماعة الليبية المقاتلة، كي يقر مراجعاته، ثم من قبل الدولة الليبية، ممثلة في مؤسسة القذافي العالمية، كي يشارك في نثر بذور الفكر الوسطي المعتدل وسط الشباب الليبي، كما أن المواطن الليبي العادي الذي يتابع الشيخ عبر وسائل الإعلام كان هو الآخر لديه انطباع إيجابي وتقدير عالٍ، عكسته أجواء الزيارة.
وكانت لفتة ذكية من د.سلمان العودة عندما حذر بإحدى محاضراته في ليبيا من قيام طالب العلم الشرعي بتقليد شيخه بشكل أعمى، حتى يقلدَه في لباسه وهيئته وشكله وحركات يده وطريقته في الكلام، ضاربًا المثل بعدد من الشباب الليبي الذين تعلموا في السعودية، حيث وجد بعضهم يلبسون الثياب السعودية تأثرًا بشيوخهم، مع أن الأوْلى في الإنسان أن يكون موافقًا في لباسه لأهل بلده.

تطابق الواقع والشرع
الوقفة الثانية هي أن الانتشار الإعلامي الكبير لا يعد بديلًا للقاء المباشر بين عالم الدين، فقيهًا أو داعية، وبين الجماهير، فوجود د.العودة بكثافة عبر الإعلام لم يحُل دون إصرار آلاف الليبيين على الالتقاء مباشرة بالشيخ، وهذا الأمر لا يتعلق بالعودة حصرًا، وإنما يخص كل الدعاة، فشعوبنا بحكم فطرتها العاطفية مازالت تعطي أهمية كبرى للقاء المباشر، وتتأثر به أضعاف ما تتأثر بما يبث في وسائل الإعلام، وهذا أمر يجب أن يضعه الدعاة والفقهاء في اعتبارهم. 
كذلك فإن الفقهاء أنفسهم بحاجة إلى التنقل والترحال كي يدركوا الأوضاع عن قرب، بما يمكّنهم من تقديم الفتوى والحكم الشرعي وفقًا لتكييف مطابق للواقع، فكثيرًا ما يقع المفتون في خطأ إعطاء فتوى تبدو صحيحة من حيث مبناها الفقهي لكنها لا تناسب واقع صاحب السؤال.
الوقفة الثالثة هي أن الداعية كي يوصل رسالته بشكل مؤثر وعميق يجب أن يدرك مفاتيح شخصية من يدعوهم، وهو ما فعله د.سلمان العودة في ليبيا، فعندما حط في بني غازي حيّا أهلها بقصيدة من الشعر، وفي "البيضاء" حدّث أهلها عن إحدى مفاخرهم، وهي احتضان بلدتهم لجسد أحد الصحابة الأجلاء، وفي "درنة" خاطب أهلها بأبيات من الشعر الشعبي وأشار لأمر محلي يحرك قلوبهم، وهو صعود فريقهم للدرجة الأولى. هذه اللفتات رغم طابعها الرمزي إلا أنها تساهم بشدة في تهيئة المستمعين لتقبل ما يلقى على مسامعهم، وهذا الأمر لم يعد صعبًا أو عسيرًا في ظل ثورة المعلومات التي يعيشها العالم، شرط أن يلم الداعية أو الفقيه بأدوات التعامل مع تلك المعلومات والوصول إليها.
أما الوقفة الرابعة فتتعلق بكون النهج الليبي- حتى الآن- هو الأفضل في التعامل مع مراجعات جماعات العنف، فهذا الملف يدار في ليبيا بكل سياسة بينما معظم الدول العربية توكله إلى أجهزة الأمن، كذلك يحسب للمسئولين الليبيين أنهم لم يتعاملوا مع المراجعات وأصحابها بمنطق "المنتصر والمهزوم" وإنما سعوْا لإغلاق الملف بشكل متوازن وهادئ، مع السعي لدمج أعضاء تلك الجماعات في المجتمع، بل السعي أيضًا لاستحضار رموز دينية معتدلة من أجل الترسيخ لأجواء المصالحة.