أراك جميلاً..! (1-2)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :68 | عدد المشاهدات : 2041

 أراك جميلاً..!  (1-2)

نسخة للطباعة
بينما هو منهمك في مكتبه المتصل بالمتجر، حيث يبيع الذهب والأحجار الكريمة رنّ جرس الهاتف ليسمع صوتاً يحيّيه!
أجاب بلهفة: أهلاً، وعليكم السلام ورحمة الله.. مين بالله؟
-أبو معاذ!
-أبو معاذ؟ ما عرفت مين.. للساع.. ذكّرني بالله!
-سلمان!
-سلمان العودة؟
-نعم بلحمه وشحمه، إن كان له شحم!
-معقولة؟
-معقولة!
-يا الله، يا أهلاً ويا سهلاً ويا مرحباً.. كيفكم سيدي؟ وكيف أخباركم؟ وكيف أهلكم؟ وكيف المشايخ معاكم.. إن شاء الله تكونوا جميعاً بخير؟
مكالمة لم يكن فعلاً يتوقعها بعد أربع سنوات عجاف.. فقد فيها صوته الذي شدّه لأول مرة عبر الشريط، ولم يفقد روحه التي ظلت تعيش معه لحظةً بلحظة.
جاءه الصوت على حين يأس، يُروي ظمأ السنين، ويَروي ملحمة الوفاء والحب.
مرور الزمن جعل الأمر يخف على السجين تدريجياً، وتتسع دائرة الزائرين أو المتصل بهم، تحت ذريعة القرابة والنسب والشراكة، حتى صار يحمل ورقة كُتبت عليها أرقام شتى لمن يهمّه أن يهاتفهم، أو يتصل بهم خلال وجبة التواصل الموسمية ثم الشهرية ثم الأسبوعية، والتي غدت قبيل خروجهم أمراً عادياً متاحاً كلما دعت حاجة أو حانت مناسبة!
حاول جميل منذ البداية أن يتصل بالأهل وهيهات؛ فالهاتف مقطوع، كتب في أول رمضان بعد المحنة رسالة للابن البكر "معاذ" يرجوه فيها أن ينضم وشقيقه الصغير "عبد الله" إلى أبنائه في الحرم والصيام والإفطار، ولم يستجب الفاكس أبداً، وفشلت كل محاولاته في التعرّف على عنوان آخر يصل عبره إلى أهله ليمنحهم الكلمة الطيبة.
بعد شهور طويلة عاد الدفء إلى الهاتف، واتصل بأهل صاحبه ووالدته يقوّي عزائمهم، ويحسّسهم أن في الدنيا من يتجشّم الخطر ليقول: السلام عليكم، نحن معكم!
      اتصل ووصل غير هيّاب ولا وَجِل، ساحقاً كل أشكال الرهبة معرضاً شخصه لإصبع الشك، و مقامراً بموقعه التجاري في علاقة شخصية ووفاء جرّته إليه أخلاق النبل الإنساني.. في حلكة أدبر فيها قريبون، ووَجِل فيها ندماء كانوا يشاركونه النهار، فلما أقبل الليل أدبروا، وتستّروا باسم "فاعل خير". 
مصدر الإعجاب أن يكون هذا من إنسان لا يتصل بقرابة النسب ولا الجيرة ولا الشراكة، بل هو نسب الإيمان، وجيرة الحب، وشراكة الفكر والرؤية والمصير!
أيام الامتحانات كان يدع مشاغله جانباً، ويتصل يومياً بمتابعة أبوية يسأل عن أداء الصغار، ويزوّدهم بدعواته ووصاياه!
لم يكن ثمّ علاقة قديمة.. العلاقة بدأت بصدفة قذفت بشريط "أسباب سقوط الدول" إلى مقعد الراكب في سيارته، فظلّ يحدّق في هذا الشيء إلى جواره: ماذا عسى أن يقول؟ كان يتأمله حتى قرأ عنوانه، فجذبه للشريط أن عنوانه يوحي بصوت مختلف لا يؤدي دور الوعظ الديني التقليدي فحسب.. هاه، لم يكن يظن أن في السعودية نفساً دينياً يعالج في جزء من خطابه قضاياه التي أحب: الفساد السياسي، والمالي.   
استمع "جميل" خلالها إلى مفاجأة قادته إلى اكتشاف ذلك الذي كان يحسّه صوتاً جريئاً في محيطٍ صامت.
ذهب بعدها إلى مكتبة "الموعظة السمعية" وطفق ينقّب حول كل ما يجد من أشرطة هذا الشيخ واستمع إليها.. وهو يضحك على نفسه، ويقول: أن أرى هذا المتحدث في (كان) الفرنسية سائحاً أقل غرابة عندي من أن يستمع "جميل" إلى أشرطة دينية من شيخ نجدي!
أول اتصال مباشر كان فاكساً يسأله فيه عن فتوى د. عبد الله المَشَدّ في جواز بيع الذهب بالآجل، كانت حجة واهية ليبدأ الاتصال، ولِمَ لا يبحث موضوعاً كهذا، وهو شيخ الجواهرجية بجدة، ووالده من قبل كان كذلك؟!
تجمّع لديه من الاستماع المتصل والاكتشاف المفاجئ الكثير من نقاط التوافق والتطابق الفكري والشخصي، والتي صمدت فيما بعد أمام كل العوامل لتصنع علاقة راسخة متينة لا تبليها الأيام، ولا تغيّرها الأحداث والمواقف.
كما تجمّع لديه العديد من المآخذ: 
-الحديث عن موقعة "تربة"، وأن الفريق المهاجم كان يصلي ويقرأ القرآن، على حين أنك لا تسمع لدى الفريق الآخر إلاّ صوت الصحون والقدور!
-محاضرة خاصة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. وعد بها، ولا يدري ما هو قائل فيها، ويخشى أن تكون مفاصلة مع المذاهب والمدارس الأخرى التي لها مؤيدوها وأتباعها!
-قال في جواب سؤال.. إن علاج التلفاز هو التحطيم، وهو جواب غير مدروس اقتصادياً وعملياً.
-قطعية في مسألة غطاء الوجه دون إشارة إلى الخلاف.
-سؤال عن التدخين أجاب عنه بأنه حرام، ولم يقرن ذلك بأدلة عقلية أو طبية أو مسوّغات من شأنها أن تجعل السائل يقتنع بالإجابة أكثر.
رسالة مفاكسة أخرى تطلب تحديد موعد هذه المرة، وصاحبها يقول إنه يتفق مع صديقه الجديد بنحو 90% مما يقول، ويختلف معه في 10% ويريد أن يحاوره حولها!
(فضيلة الشيخ.. هل أطمع أن اختص بربع ساعة من وقتكم.. وإذا تكرّمتم بالموافقة فآخر أيام الأسبوع أفضل حيث فيها رحلات من جدة إلى القصيم مع عودة في نفس اليوم، أعلم أن وقتكم مستنزف في الخير، إلاّ أن شفيعي أن ما أودّ محادثتكم فيه ليس موضوعاً شخصياً، بل ملاحظات في طريق الدعوة...)
26/شوال/1413هـ
رسالة مشحونة بالحبّ، منقوعة بالجمال، موشّاة بالذوق.. هكذا قرأها صاحبه المتلقي!
الموعد: يوم الجمعة/ أواخر ذي القعدة /1413هـ
لقاء سريع في مكتبه بجوار التخصصي قبل الصلاة.
تحدث في أول اللقاء عن نسبة المتدينين (لتكن 10%)، ونسبة المنحرفين (مثل ذلك)، والنسبة العظمى (80%) من المسلمين العاديين، وعاتب الشيخ على تركيزه على الفئة الأولى، ودعا إلى العناية بالنسبة العريضة التي يسهل جذبها والتأثير عليها إذا أُحسنت مخاطبتها، وعولجت همومها..
في الطريق إلى الاستراحة كان يقول: يكفي المشايخ لو علموا الناس تمثيلاً عملياً لحديث «يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ. احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ.. وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» فهذا سيصنع جيلاً مؤمناً يقول كلمة الحق دون خوف!
شعر بأنه يتحدث مع صديق قديم، كيف لا وقد استمع إليه عشرات الساعات عبر الأشرطة الصوتية، وتبسّط في الحديث، روحه المرحة ودعابته الموجهة جعلته يسوق قصة القصيمي الذي قال لصاحبه: "إن العالم في ضياع إلاّ هذه البلاد، وهذه البلاد لديها مشكلة عدا بريدة، وحتى بريدة دخلها الأجانب والغرباء.. وانتهى به المطاف إلى أن أدان الجميع واستثنى نفسه!
ثَم نماذج يصدق عليها هذا، وكلاهما لا يذهب إلى التعميم، هي طرفة تُؤخذ بعفويتها، وليست حكماً قطعياً على أناس متفاوتين في رؤاهم وأخلاقهم!
كان لقاء طيباً جميلاً شعر كل منهما بأنه كسب صاحبه، وهكذا هي الأعمال الناجحة؛ ليست كسباً لطرف وخسارة لآخر، هي ربح للبائع والشاري معاً.. "ربح البيع.. ربح البيع".
في رمضان يكون اللقاء الثاني في جدة على ضفاف رحلة العمرة المعتادة، والشرط أن يكون اللقاء خاصاً.. واقتصرت الدعوة على الدكتور الصديق "عدنان المزروع" جاءت الدعوة للدكتور عدنان على شرف "أحد رواد الفضاء!"، ولم يعرّف له من يكون الضيف!
وجاء هو إلى الدعوة والتساؤلات تملأ عقله.. وكأن هذه الطرفة كانت إلهاماً؛ إذ تحققت جزئياً في عصر الفضائيات والبرامج الإعلامية بصورة مختلفة، وبعد خمس عشرة سنة أو يزيد!
د. عدنان هو الشخص الملائم، هو ذو أصول قصيمية، وشخصية حجازية؛ فوجوده سيقضي على الأسئلة المستترة لدى الضيف حول مسوّغ العلاقة مع أناس يضيفهم مجدداً لحياته، غير أولئك الذين عايشهم طويلاً من مشاكليه وأبناء بيئته.
نحتاج أن نتدبر كيف تتم العلاقة.. وكم يخسر المرء من صداقات رائعة لا يمنع منها إلاّ أنها لم تكن مألوفة! وكم هو جميل أن نتمتع بالذكاء العاطفي الذي يمكننا من تأسيس العلاقات الإيجابية دون أن نسمح لجانب الهيبة أو الحذر أو الغرابة أو التردد أن يفسد جمالية الحياة التي لا تطيب إلاّ بالأرواح المتألقة.
زيارة عائلية تحكم الروابط بين الأسرتين، يتعرف أهل القصيم على "حي البغدادية" ويرون "الشيش" التي رُكنت في المستودعات، وتم الاستغناء عنها تحت تأثير الحديث عن حكم التدخين، وتعبيراً عن روح الصفاء والجدية والاستعداد التي يحملها هذا الرجل الجميل.
يندمج الصديق الجديد في مشروع حفظ القرآن مع الشيخ التقي "فتحي المغازي -رحمه الله- "، ويلحّ في الدعاء ألاّ يقبض الله والديه حتى يتم حفظ القرآن ليكون شفيعاً لهما عند الله، ويحسّ بأن الله استجاب دعاءه؛ فصحة والديه في تحسّن دائم، فليتباطأ في الحفظ إذاً، ويترك سورة الأنفال لفترة أطول استبقاءً لوالديه وشحاً بهما!
      ثقة في التعامل مع الله، وإيمان فطري عميق، وحسن ظن، وأعجب ما يعجب هو القدرة على الإضافة والتطوير وتعديل أسلوب الحياة، والانخراط في مشروعات إيمانية أو ثقافية جديدة، دون إذعان لخلفية خاصة أو مرحلة عمرية!