قوانين نبوية للحياة

كتب بواسطة: د. عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :68 | عدد المشاهدات : 1986

قوانين نبوية للحياة

نسخة للطباعة
   كنت في يفاعة الشباب أقرأ على جماعة المسجد قبل صلاة العشاء ـ  كما هي العادة في مساجد الرياض حينها ـ  بعضَ كتب العلم، وتوافق أني كنت أقرأ أحاديث من كتاب الجنائز، فلما كان الغد أمسك بي بعد صلاة الظهر شيخ من العلماء المهاجرين من أرض تركستان كان يصلي معنا فقال لي: يا بنيّ، لقد سمعت قراءتك البارحة لأحاديث الجنائز، وإننا نموت في العمر مرة واحدة، ولكننا نصلي في اليوم خمس مرات، فلماذا لا تقرأ علينا شيئاً يتعلق بحياتنا وليس بموتنا كتسوية الصفوف، والخشوع في الصلاة، وفضائل الأعمال؟!
  وعبرت مراحل العمر، ولا يزال منظر الشيخ عبد الحق التركستاني -رحمه الله- بوجهه النضر، ولحيته البيضاء، ولكنته الأعجمية يجدّد هذا المعنى في نفسي.
  ورأيت أننا قد درسنا كثيراً من أحاديث الأحكام، والتي على الرغم من أهميتها كعلم شريف إلاّ أنّ كثيراً منها مما لا يحتاج إليه كل أحد، ولذلك لم يعلّمها النبي -صلى الله عليه وسلم- كل أحد، وإنما جاء أكثرها إجابة نبوية عن سؤال أو تعليقاً على حدث.
  ألم نتعلم فيما تعلمنا ونحن فتية صغار أحاديث أنصبة زكاة الإبل والبقر والغنم، ومضت أعمارنا ولم نحتج إليها في حياتنا إلى اليوم، وكذا أحاديث اللعان والشفعة والمواريث... ونحوها، وهذا النوع من أحاديث الأحكام هو نادر في حياة الأفراد، إلاّ إنه حاضر في حياة المجتمعات، ولذا فلابد من وجودها تعلّماً وتعليماً في حلق العلم ومجال التخصص الشرعي، و أن ينفر للتفقّه فيها طائفة من المؤمنين؛ حتى يجد من تعرض له من يغيث لهفته ويجلّي الحكم له، إلاّ أن هناك نصوصاً نبوية هي قوانين للحياة، فهي حاضرة في حياة كل إنسان، ويحتاج إلى تذكّرها وممارستها وتجديد العلم بها في كل وقت، وهذه النوعية من الأحاديث ينبغي أن تأخذ حظها الأوفى من التعليم والتدريب وإعادة إنتاج المعرفة من خلالها، مثل: 
(لا يؤمنُ أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه). 
(احرصْ على ما ينفعك واستعنْ بالله ولا تعجزْ). 
(من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه).
 (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيراً أو ليصمتْ). 
(الحياءُ خيرٌ كله). 
(إن الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كله). 
(إن الله جميل يحب الجمال). 
(تبسُّمك في وجه أخيك صدقة). 
(احفظِ الله يحفظْك). 
(الكلمة الطيبة صدقة). 
(الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس). 
(البرُّ حسن الخلق). 
(من صنع إليكم معروفاً فكافئوه). 
(خيرُكم خيرُكم لأهله). 
(لا تغضب). 
(المؤمن القوي خيرٌ و أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف)
(اليد العليا خير من اليد السفلى)
(من لا يرحم لا يرحم)
(يسّروا ولا تعسّروا بشّروا ولا تنفّروا)
(من دلّ على خير فله مثلُ أجر فاعله)
(لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)
وهكذا في ضميمة من الكلمات النبوية النيرة والتي هي قوانين للحياة، وهي حاضرة في حياة كل إنسان، وفي كل وقت، وفي كل مكان ولذا فلابد أن تنال حظها بما يتناسب مع أهميتها وحضورها، وذلك من خلال: 
أولاً: مزيد العناية بنشرها وتعليمها، وبخاصة في المناهج الدراسية وحلق العلم والتوجيه والمواعظ والخطب، وإحيائها في حياة الناس بما يتناسب مع عموم حاجة الناس إليها.
ثانياً: إعادة إنتاج المعاني منها وتفعيلها في حياة الناس بتعليمهم آليات التطبيق والالتزام بهذه المعاني، فيتحوّل القانون النبوي من معلومة تُحفظ لفظاً، إلى مهارة تُؤدَّى سلوكاً، فمثلا نتعلم: (لا تغضب) ونتعلم معها آلية التحكم في الاستجابة عند الاستثارة، وإذا كان (ستيفن كوفي) قد وضع الخطوات الأربع التي ينبغي أن تكون بين المثير وهو (الفعل)، والاستجابة، وهي(ردّة الفعل)، وهذه الخطوات هي: (الإدراك والوعي/ الخيال/ الضمير/ الإرادة المستقلة)، فإننا نستطيع أن نوجد عدة طرق يجمعها أنها تجعل بين المثير والاستجابة مسافة نقرر  فيها قراراً لا نندم عليه بعد ذلك.
  وقل مثل ذلك في حديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فتُقدّم الآلية التي تفرق بين الاهتمام والفضول، بين المبادرة المحمودة، والتطفّل المذموم، بين الاهتمام بقضايا الناس، والتدخل في خصوصيتهم، وبذلك نكون قد وضعنا المعايير الواضحة للسلوك.
وقلْ مثل ذلك أيضاً في قانون: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)، فتقدم الآلية التي تحوّل الذكر إلى وظائف يومية حاضرة في اليوم والليلة، وهي ما درج العلماء على تسميته بعمل اليوم والليلة، وهكذا تتحوّل القوانين النبويّة إلى سلوكيات حاضرة في حياة الفرد والمجتمع.
  أما إذا سألت عن حضور هذه القوانين النبويّة في مناهجنا الدراسية بما يتناسب مع أهميتها، وبالطريقة التي تحدث أثرها فإن الإجابة مريعة إلى حدّ الفجيعة...