قراءة في مشروع محمد عابد الجابري

كتب بواسطة: د. عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : May 4 2012 | العدد :68 | عدد المشاهدات : 3282

قراءة في  مشروع محمد عابد الجابري

نسخة للطباعة
كتبت/ نادية سعد معوض
في إحدى البرامج الفضائية أكَّد فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة -المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم- أن الدكتور محمد عابد الجابري الذي غيَّبه الموت مؤخرًا (يوم الأحد 3/5/2010) لم تكن عنده خصومةٌ مع أمته، وكان يبحث عن طريق للنهضة وعن سرّ التخلف، كما أنه توجَّه خلال الفترة الأخيرة لمعالجة قضية الفكر الإسلامي بروح إسلامية على الرغم من الاختلاف معه حول عدد من المفاهيم.
وليس ثمة شكٌّ أن الدكتور محمد عابد الجابري الذي ملأ دنيا الفكر وشغل المفكرين، يعدُّ أحد رواد الفكر العربي المعاصرين، وقد أثرى المكتبة العربية بمؤلفات ودراسات تحمل قيمتها المتجددة دائمًا، ولأنه أحد الأسماء الهامة، التي وإن اختلف البعض معها، إلا أن وجودها كان يعني الحياة لكل المعارضين، وهو الذي اعتاد أن تكون أفكارُه وقودًا لأفكار أخرى، لذلك كان رحيله صدمةً للكثيرين وخسارةً نحتاج لوقت طويل جدًا لتعويضها في ساحتنا الثقافية والفكرية.
ولقد صدر مؤخرًا في تونس كتاب جديد بعنوان التحليل والتأويل.. قراءة في مشروع محمد عابد الجابري للباحث التونسي علي المخلبي.
ويأتي الكتابُ في صلب إعادة الوعي بما ينتجه الفكر العربي المعاصر من قضايا، خصوصًا بعد التحولات الهيكلية التي شهدتها الساحة السياسية والفكرية، كقضية الحرية والديمقراطية وعلاقاتها بالتنمية، أو قضية العلوم وتطوُّر مناهجها سواء في إطار الاختصاص ضمن العلوم الإنسانية عمومًا، أم في إطار الفلسفة والإبستومولوجيا، أو قضية الأصالة والمعاصرة، ويرى هذا الكتاب أن هذه القضية الأخيرة هي التي تخترق كل القضايا السابقة وغيرها من المسائل التي تتفرع عنها، فهي قضية جوهرية لا تستقر عند حدود الإشكال الذي تفيض فيه الأقوال وتتكاثر فيه الأطروحات، وإنما يرتقي إلى ما وراء ذلك من توجيه إنتاج القول؛ إن قضية الأصالة والمعاصرة أو التراث والتجديد ليست موضوع التفكير، بل إنها تصوغ طريقة التفكير، إنها الموضوع والمنهج في آنٍ.
ويشيرُ الكتاب إلى أن هذه القضية قد وصلت إلى ما يمكن اعتباره مأزقًا إبستومولوجيا يحتم العمل على تحويلها إلى إشكال آخر يفتح آفاقًا جديدة تثري عملية النظر في الدواعي التي أنتجت إشكالية الأصالة والمعاصرة، كداعي التقدم والارتقاء والقوة والمواجهة، أو تدعيم الثورة، أو إرساء الديمقراطية.. ولقد استوجَب العمل على بيان المأزق الذي وصلت إليه إشكالية الأصالة والمعاصرة الانكباب على نص أحد رواد هذه الإشكالية وأحد من كرّس جزءًا هامًّا من نشاطه العلمي والفلسفي في بلورتها والوصول بها إلى مداها الأعلى، وهو: محمد عابد الجابري، في مشروعه نقد العقل العربي.
ويعدُّ كتاب المخلبي التحليل والتأويل: قراءة في مشروع محمد عابد الجابري ذا أهمية بالغة لسببين: أولهما أنه يعد مرجعًا لا غنى عنه لقراءة مشروع الدكتور محمد عابد الجابري بصفة خاصة، وبقية مشاريع نقد العقل العربي وقراءة الفكر العربي وتأويل الخطاب التراثي ودراسته بصفة عامة، وثانيهما لأنه أول أطروحة أكاديمية تكتب عن فكر الجابري في الوطن العربي، إذ أن صاحبها نال بها درجة الماجستير، وكان عنوانها الأصلي: الحاضر بإزاء الماضي.. دراسة تحليلية ونقدية في مؤلفات محمد عابد الجابري، وعندما تم إعداد الكتاب للطبع تم تغيير العنوان إلى العنوان الذي ظهرت به هذه الطبعة.
وجاء الكتاب في مقدمتين الأولى خصَّصها الباحث لتقديم البحث والثانية جعل الباحث موضوعها النص وهامشه وستة فصول وخاتمة تتناول بالقراءة والنقد المسيرة الفكرية والبحثية للدكتور محمد عابد الجابري، وهي تأسيس القول في الماضي، والحج، والحج الأكبر، والمضمون الأيديولوجي في خطاب الجابري، والطرح الأيديولوجي، والتأويل والقياس، وفي الخطاب التراثي.
وعن أسباب اختيار الباحث للجابري يقول في المقدمة: إن لصاحبها حضورًا قويًّا في الندوات والمؤتمرات التي تتناول بالتحليل القضايا المتعلقة بالفكر العربي المعاصر وإشكالياته من ناحية والقضايا التي يطرحها علينا الباحث في التراث من حيث المنهج.
إضافةً إلى هذا يرى الباحث أن هذه القراءة تعدُّ جديدةً متجاوزة كل القراءات السائدة للتراث لأنها قائمة على أسس علمية ورؤية تاريخية واعية لجدلية العلاقة بين القراءة الموضوعية والطرح الإيديولوجي، وهي تفتح أفقًا هامًّا أمام إعادة قراءة العلاقة بين أطراف الخطاب لا من حيث هيمنة الباحث على النص بل من حيث العودة إلى سلطة النص في علاقتها بالنص الذي تكتب عنه – أي – من حيث التمييز بين درجة حضور النص المقروء في النص القارئ وهو أمر سيدفع بنا إلى إعادة بناء خطاب الجابري لا وفق العلاقة بين الذات والموضوع بل وفق العلاقة بين التحليل والتأويل.
من جانب آخر يرى الباحث أن هذه القراءة (الكتاب) تعتبر مثالًا غنيًّا لتدارس إشكالية المنهج وعلاقته بالموضوع ودور الرؤية والموقف في هذه العلاقة.
هذه القراءة التي اشتملها الكتاب تسعى إلى توضيح ثلاث مسائل تتمحور حول قراءة الجابري للتراث من حيث الأسس والحدود ثم كيف يمكن قراءة النص، وأخيرًا كيف يمكن ممارسة العلاقة بين الموضوع والمنهج.
هذه القضايا جاءت متداخلة في هذه القراءة التي يضمها الكاتب، والسبب أنها تنبع كلُّها من النص، لذلك يرى المؤلف أن عمله لا يعدو أن يكون تأملًا في الخطاب التراثي أو محاولة في خطاب الجابري وهي محاولة تستحضر قراءتين أخريين تغنيان دراسة المؤلف للجابري، وهما قراءة حسن حنفي من خلال التراث والتجديد وعلي حرب من خلال الحقيقة والتأويل.
الأصالة والمعاصرة.. موضوع نظر وتفكير
ويمكن أن نلخِّص أهم النتائج التي وصل إليها الباحث في بُعدين أولهما البعد الخاص بإشكالية الأصالة والمعاصرة باعتبارها موضوع نظر وتفكير، والبعد الخاص بعين هذه الإشكالية باعتبارها إطارًا للتفكير ومرجعًا يصوغ منهج النظر.

ويقرِّر صاحب الكتاب في البعد الأول أن هذه الإشكالية محكومة بسلطة الأنموذج وأنها لا تستطيع الفكاك منه، إنها إذ تحيل على زمن ما، سواء كان الماضي، أم الحاضر أم المستقبل، فإنها تقرر أنها لا تستطيع التخلّص مما يمثله هذا الزمن وحدوده من سلطة في النظر إلى قضايا الواقع والتاريخ.
إن هذه الأبعاد الثلاثة هي التي تحدد التوزع الأيديولوجي في الفكر العربي، فالسلفية إطارها المرجعي هو الماضي العربي الإسلامي، والليبرالية والاشتراكية إطارهما المرجعي هو ماضي الغرب وحلم إدراج واقعنا في مسار المراحل التي مرَّ بها هذا الماضي.
إن هذا يعني أن كل مفكر عربي في عالمنا المعاصر يريد النظر في القضايا المعاصرة محكوم بسلطة أنموذج مخصوص يصطنعها موقف من الحضارتين المتصارعتين، غير أن هذا الاحتكام إلى الأنموذج يعيش حرجًا دائمًا يتمثّل في غياب الأساس الأول الذي يشرّع لوجوده وهو الواقع، لقد بيّن صاحب الكتاب أن الحاضر في خطاب الجابري غائب، أو هو متأرجح بين الماضي والمستقبل مغترب بين هذين البعدين الزمنيين.
وكان من نتائج غياب الحاضر وسلطة الأنموذج أن تحول الفكر العربي المعاصر إلى مجموعة من الفروض والإلزامات التي تقع على كاهل أجيال المستقبل.
أما ما يتعلق بالمنهج في صلب هذه القراءة لإشكالية الأصالة والمعاصرة، فيتعلق بالعلاقة بين الموضوع وقراءته من ناحية والعلاقة بين هذه القراءة وأسسها التي أوجبتها العلوم من ناحية أخرى، وفي حين قرَّر الجابري ضرورة الانتباه إلى أن الموضوع هو الذي يحدد المنهج وليس العكس، وذلك في إشارة إلى ما يقوم به الفكر العربي عند دراسته للماضي العربي الإسلامي، فإنه واصل ما عابه على غيره.
غير أن فضل الجابري، في نظر صاحب الكتاب، يتمثّل في التنبيه إلى أن إشكالية التراث هي إشكالية قراءته وتقرير المعنى في نصوصه، لقد أبان خطاب الجابري أن ما يبدو قضية زمنية أو عملية، إنما هي في جوهرها قضية قراءة وقضية تحليل وتأويل، قضية تعامل مع نص وكيفية تحديد قواعد تأويله ووسائل تأويله، فكان أن حاول صاحب الكتاب اكتشاف علاقات جديدة يمكن أن تعين على تبيين معنى النص المقروء من خلال النص المقروء، واعتنى في ذلك بالهوامش والحواشي.
ويعني صاحب الكتاب بالهوامش والحواشي تلك الانزياحات التي يعيشها الخطاب المكتوب والتي تخرق امتداد فضائه من ناحية وتوقف، وإن لحين أحيانًا، سعيه إلى اكتماله وبناء قوله بناءًا متسقًا من ناحية أخرى.
إن الهوامش، إذ تكسر الخطاب، تعمل على كشف أسسه وغناه الذي ينطق به النص، من بعد آخر من أبعاده غير البعد الذي يبدو للوهلة الأولى، وأهمية الهوامش والحواشي أنها قادرة على تفكيك النصّ دون أن يتدخّل، بدرجة كبيرة، الذي يفكِّك الخطاب، إنها تفكيك يمرُّ عبر استراتيجيات ثلاثة هي التعارف والخروج والنسخ.
هذا الكتاب إعادة قراءة لمشروع الجابري ينهيها صاحبها بانفتاح على مشروع حسن حنفي، ومقاربات على حرب للتراث وتصوُّر أبي القاسم حاج حمد للمنهجية القرآنية، وذلك في أفق التأصيل النظري لتدبر عمليتي التحليل والتأويل.
كتاب جدير بالقراءة، فالاهتمام بالجابري كما يقول الناشر ليس سوى اهتمام بالنموذج عن الخطاب التراثي العربي المعاصر وليس الاهتمام بالخطاب التراثي سوى محاولة لتفحص مقاربة العقل العربي المعاصر لأهم إشكالياته التي تعرف بإشكالية الأصالة والمعاصرة، واختيار الجابري يعود إلى أهمية مقاربته ووضعها المنهجي والإشكالي مما يمكن من بنائها ونقدها.
كما يعدُّ مؤلف الكتاب الباحث علي المخلبي باحثًا وناقدًا ومترجمًا تونسيًّا تخرج في دار المعلمين العليا بتونس سنة 1985 ويعد أبحاثًا لنيل شهادة الدكتوراة في مقارنة الأديان وله العديد من الدراسات والأبحاث حول التراث والدين كما ترجم كتابًا بعنوان الإمبراطورية في مواجهة التنوع لسامي النير.