عادل با ناعمة: النصّ الشرعيّ غائب عن الجدل الثقافيّ

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : May 13 2012 | العدد :66 | عدد المشاهدات : 2142

عادل با ناعمة: النصّ الشرعيّ غائب عن الجدل الثقافيّ

نسخة للطباعة
أكد الدكتور عادل باناعمة، وهو باحث مطلع على تحولات الساحة الفكرية والاجتماعية في المملكة، أن المشهد الثقافي في السعودية يعاني من مشكلتين أساسيتين يتمثلان في غياب النص الشرعي عند المجادلة بين المثقفين، سواء في القضايا الكبرى أو الصغرى، إضافة إلى ظاهرة تزايد تدخّل "السياسي" في توجيه الخطاب الثقافي، ودعا التيارات المختلفة إلى النأي عن تصفية حساباتهم أثناء المشكلات والمنعطفات المهمة، ولفت إلى أن ما دار حول كارثة سيول جدة كان دليلاً على مدى تربّص كل تيار بالآخر، عوضاً عن اتخاذ مواقف هادئة تعمل على كشف الوجه الحقيقي للموقف محل الجدل.
وتحدث في حوار موسع عمّا سمّاه استعجال كل تيار في الدفع برموز جديدة للساحة الثقافية من باب المغالبة والمكاثرة، ووصفها بأنها باتت أقرب إلى "الطبخ السريع"، والذي أدى في النهاية إلى تزاحم الساحة بشخصيات غير مؤهلة معرفياً لتسنّم المكانة التي تحتلها، وعرّج إلى غياب المؤسسات عن صناعة الخطاب الثقافي أو التأثير فيه، ودعا إلى ضرورة تقليل سيطرة الرموز من الذين يصنعون خطابات، حتى بات الحديث عن تيار معين لا يتم بمعزل عن تناول أطروحات رموز بعينها، مرجعاً ذلك إلى غلبة المنابر (أي الحديث والقول) على المراكز البحثية الرصينة التي تدرس الواقع وتقرأ تفاصيله.
       ورأى "باناعمة" أن المذهب الشيعي في المملكة بدأ يشهد تغيرات واضحة (على مستوى الأفراد) أمثال حسن الصفار وغيره الذين يدعون للوحدة والتقارب الوطني، كما بدأت تظهر مراجعات لكثير من الممارسات الشيعية الراسخة، مشدداً على أهمية "تشجيع الصوت العقلاني الهادئ" بيد أنه عاد ولفت إلى ضرورة أن يكون مؤيد هذا الاتجاه (العقلاني) فطناً وحذراً من أي تجاوزات قد تؤذيه أو تسيء إليه.
      وفي ذات الإطار قال الدكتور عادل باناعمة في معرض حديث عن (الإسلاميون والمشهد الثقافي في السعودية) إن الخطاب الديني يمر حالياً بتطورات (بتؤدة) تظهر ملامحه في الاهتمام بقضايا جديدة مثل: الديموقراطية والفساد الإداري، وظهور أقلام جديدة بدأت في التعاطي مع مفهوم المخالف بمنطق لا يقف عند حد سرد النصوص وأقاويل الفقهاء، علاوة على تقبل الخطاب الإسلامي للفاعلية الإيجابية "ولو خارج إطار النمطية التقليدية للتدين". وأبدى أمله أن تكون هناك "مواكبة راشدة" من التيار الديني لهذه التطورات حتى يُستفاد منها دون أن "تشطح" إلى حيث لا يُراد.
 
 "المشهد الثقافي في السعودية".. كان هذا عنواناً للحوار الوطني الذي اختتم أخيراً.. ما تعريفكم للمشهد الثقافي؟ وما هي ملامحه ومكوّناته؟
الذي أفهمه أن المشهد الثقافي في أي مجتمع يتكون من ثلاثة عناصر: المضامين، وآليات تداول هذه المضامين، والرموز المنتجة والمتداوِلة لهذه المضامين.
هذه الثلاثية تمثّل جوهر الخطاب الثقافي لأي مجتمعٍ.
ومن الصعب جداً أن نبحث هذه العناصر الثلاثة تفصيلاً في إطار المجتمع السعودي؛ لأنّ هذا شيءٌ يقتضي دراساتٍ بحثية، واستقصاءً، وتقويماً.
ولكنني سأكتفي بالإشارة إلى معضلتين يشهدهما واقعنا الثقافي السعودي في كل عنصر من هذه العناصرِ.
على مستوى مضامين الخطاب ثمة مشكلتان:
أولاهما: غياب النص الشرعي عن الجدل الثقافيّ؛ فكثيراً ما يتحاور المثقفون ويتناقشون في جليل الأمور وصغيرها دون أن يكون للنص الشرعي موضعٌ في هذا كله، وأنا لا أتكلم هنا عن (اجتهاد فقهي معين)، ولا عن مدرسة دينية محددة، بل أتكلم عن النص المقدس في ذاته. وربما تطور الأمر من تجاهل النص الشرعي إلى (الاستخفاف) بالنص الشرعي!!
وثانيهما: ازدياد وتيرة تدخل (السياسيّ) في توجيه الخطاب الثقافيّ، مما يجعل مسارات الاتجاه الثقافي محكومة من (خارج) وليست نابعة من (داخل). ولعل حكاية الاختلاط وما ثار حولها من جدل تقدم لنا صورة واضحةً عن حجم التدخل السياسي في توجيه الخطاب الثقافي. أضف إلى ذلك جملةً من الأحكام القضائية التي نُقضت بقرارات سياسية عليا.
أما على مستوى آليات تداول المضمون فلدينا معضلتان:
أولاهما: بناء المعايير على الموقف الشخصي، بدلاً من المنطق السليم الذي هو بناء الموقف الشخصي على المعايير؛ فبدلاً من أن يكون معيارُ الانفتاح أو الانغلاق مثلاً سبيلاً لتبني موقف ما تجاه شخص أو فكرة، ينقلب الأمر فيصبح موقفي الشخصي من فكرة ما أو شخص ما سبيلاً لبناء المعيار!! وعليه فإنّ أحدنا يحكم على فلان بأنه منفتح ومستنير أو في المقابل منغلق ومتحجر بناء على مدى موافقته أو مخالفته له! لا بناء على معيار صمّمه من قبل، وبناه على مقتضى العقل والشرع. ولهذا تجدُ التخبط والتناقض في الأحكام والمواقف.
ولهذا لا تعجب إذا ما وجدت (المثقف السعودي) يصف العالم الذي أمضى عشرات السنين من عمره في درس الفقه وتدريسه بأنه (قصير الباع، قليل الفقه، غير مطلع على التراث)، بينما تجد المثقف نفسه يصف شاباً آخر لم يُعرف بطول درس ولا تدريس بأنه فقيه مستنير مستجيب لتطلعات العصر، عارف بالخلاف مستوعب له.. لا لشيء إلاّ لأن الأول خالفه فيما ينادي به، والآخر وافقه!!
وثانيهما: استغلال الحوادث والكوارث لتصفية الحسابات، وأقرب مثال شهدناه هو (كارثة سيول جدة)؛ فبدلاً من أن يتوجه الخطاب الثقافي بمجمله للوقوف عند هذه الكارثة وتسلية المصابين والكشف العقلاني الهادئ عن أسباب الحادثة تحولت تلك الكارثة إلى حلبة مصارعة!!
فالإسلاميون يريدون أن يثبتوا أن عدم انصياع المسؤولين والمجتمع لهم في إنكارهم هو وحده سبب الكارثة!
والليبراليون يريدون أن يثبتوا - على جثث القتلى - أن الخطاب الإسلامي لا يفقه الواقع ويرقص على الجراح!
والإصلاحيون استغلوا الفرصة ليسخروا من الجميع، ويثبتوا أن كل طريق سوى طريق حرب الفساد السياسي محكوم عليه بالفشل!
وهكذا اتخذ كل فريق من جثث القتلى حجةً له على صحة مسلكه!! وصواب مذهبه!! وبقي المحسورون يبكون قتلاهم وخساراتهم!!
أما على مستوى رموز المشهد الثقافي فثمة مشكلتان:
أولاهما: عجلةُ كل تيارٍ في الدفع برموز جديدة إلى الساحة الثقافية من باب المغالبة والمكاثرة، فيُطْبَخ (المثقفون) و(المفكرون) طبخاً سريعاً على طريقة قدور الضغط، وإذا بك تُفاجأ بأسماء تزحم الساحة الثقافية، وتقدم على أنها رموز فكر ووعي، بينما هي عند التحقيق لا تملك من الخلفية المعرفية الثقافية الفكرية ما يؤهلها لتسنّم هذا المكان.
وثانيهما: التماهي بين التيار ورمزه؛ فإذا أصبح (فلان) رمزاً لتيارٍ ما فإن خطابنا الثقافي السعودي يُحدث تماهياً بينهما، فكل ما يقول (الرمز) يتحمّل عبئه التيار كاملاً، وكل تصرف يتصرفه التيارُ أو بعض منه يُحمَّلُ الرمز تبعته!! وكأنه ليس لكل منهما كينونة مستقلة عن الآخر.
وهذا التماهي مضر جداً بالنظر الفاحص، والحكم الهادئ، والتداول العقلانيّ.
 من هم الفاعلون في صياغة ونشر هذا الخطاب الثقافي؟ أمؤسسات هي أم أفراد؟ وأيهم أكثر نشاطاً في هذا الجانب (الأفراد أم المؤسسات)؟
لا أكاد أجدُ في واقع الخطاب الثقافي السعودي مؤسساتٍ – بالمعنى الحرفي للمؤسسة- تصنعُ خطاباً، بل كل ما هنالك سيطرة لخطابات الرموزِ، حتى التيارات لا يسعك أن تتحدث عنها إلاّ من خلال أطروحاتِ رموزِها، ومن النادر جداً أن تجدَ فريقاً -فضلاً عن مؤسسة- يطرحُ فكراً، أو يصوغُ خطاباً محدد الملامح.
ولعل من أسباب ذلك غياب المؤسسات الثقافية البحثية، ووفرة المؤسسات الثقافية المنبرية! فجُلّ المؤسسات الثقافية هي مؤسسات (منبرية)، فالأندية الأدبية والصحف والقنوات والإذاعات ودور النشر.. وهلم جراً، كلها مؤسساتٌ (تقول) ولا (تبحث). وحتى الجامعات التي من المفترض فيها أن تكون منائر بحث تحولت إلى منابر حديث! ولم يعد لها دورٌ حقيقيٌّ فاعلٌ في دراسة الواقع السعوديّ وقراءة تفاصيله.
      والغالب أن المؤسسات التي (تصنع) خطاباً هي المؤسسات البحثية التي تستطيع من خلال البحث والاستقصاء أن تقدّم رؤية مؤسسية يمكن أن تساهم في بلورة خطابٍ جديدٍ، أو تطوير خطابٍ قديم.
وعلى الرغم من كل ما سبق يمكنني أن أتقبل فكرة وجود (مؤسسات) تصنع خطاباً دينياً إذا كنا سنعتبر المكاتب الدعوية والمناشط الثقافية والديوانيات وما أشبه ذلك مؤسساتٍ، ولكنها مع ذلك لن توازي في تأثيرها تأثير الرموز، بل لو قال قائل إن هذا الضرب من المؤسسات لايصنع خطاباً بقدر ما ينسق بين صانعي الخطاب كأفرادٍ لكان قوله صواباً أو قريباً من الصواب.
 التحوّلات التي شهدها المشهد الثقافي في السعودية خلال العقدين الأخيرين هل كانت في صالح الإسلاميين؟ أم جاءت خصماً عليهم؟
لستُ أرتاح كثيراً للإجابات الحدّيةِ، والمواقف التي تنحازُ للأبيض أو للأسودِ.
أعتقدُ أن التحوّلات الأخيرة أضرّت بالإسلاميين، ونفعتهم في الوقت نفسه.
أما النفع فيظهر من وجهين:
أولهما: زحزحة هذا الخطابِ عن الارتهان للرأي الواحدِ، وجعله أكثر تقبلاً وانفتاحاً على التراث الفقهي الزاخر لهذه الأمة.
وثانيهما: تعليم هذا الخطاب أدواتِ الجدل، والاستدلال؛ فقد كان انفراد الخطاب الإسلامي في السعودية بالسيادة سبباً في تبلّدِ أصحابِهِ، وقعودهم عن تحرير مسائلهم، ومفاتشة آرائهم واستدلالاتهم؛ فليس ثمة من يناقشُ أو يعترضُ، وحين حدثت هذه التحوّلات ووجد الإسلاميون أنفسهم أمام زخمٍ من الاعتراضات والاحتجاجات والمناكفات أصبحوا مضطرين لتجويد آليات النقاش، وتصحيح الاستدلالات، والاستعانةِ بمنطق التحليل. وتلك كلها مكاسبُ جليلةٌ.
وأما ضرر هذه التحولاتِ على الإسلاميين فقد تبدّى كذلك في ملحظين:
أولهما: خسارةُ الإسلاميين لأعداد منهم لصالح آراء وأفكار يرونها منحرفةً أو خاطئة، وهذه ظاهرة بدأت تُرى بوضوح، بحيث ترى أجيالاً جديدة من خريجي حلق التحفيظ والمراكز الصيفية والمكتبات وقد تبنوا أنماطاً فكرية وسلوكية مباينة تماماً للصورة النمطية لشاب الصّحوةِ. وبغضّ النظر الآن عن مدى (قرب) أو (بعد) هذه الأجيال من الصواب، إلاّ أنهم بلا شك يمثلون (خسارة) للتيار الإسلامي التقليدي.
وثانيهما: فقدانُ الرمزية الموجِّهة؛ فلم تعد فتاوى المشايخ السعوديين وآراؤهم، ولاسيما الكبار منهم تحظى بمثل ما كانت تحظى به من قبل من التقدير والقبول، وحسبك أن تقارن بين أثر الاحتجاج بفتوى للشيخ ابن باز قبل خمس عشرة سنة، وبين أثر الاحتجاج بها اليوم لتدرك صدق ما أقول ومعناه.
 هل هناك أسماء بارزة ذات مرجعية إسلامية صحيحة، استطاعت أن تفرض نفسها على الساحة الثقافية خلال هذه السنوات؟
أرجو إعفائي من مسألة ذكر الأسماء.
ولكن في الجملة لدينا كإسلاميين مشكلة في تبني رموزِنا للمشاريع الثقافية المؤثرة؛ فحتى ذوو العقول المميزة والثقافة الواسعة لا تنعكس ملكاتهم هذه على هيئة مشروعات ثقافية عميقة الأثر، بل لا تكاد تظفر إلاّ بمقالة هنا أو بمحاضرةٍ هناك. ولعل هذا سبب رئيس في مشروعية تساؤلك. 
 هناك تباين شديد و واضح حالياً بين التيارات المشكّلة للمشهد الثقافي في المملكة... هل يمكن أن يصل الى نقطة التقاء معينة في المستقبل؟ وما رؤيتكم الخاصة حيال هذا اللقاء.. هل تناصرونه أم ترون أن التنوع (بكيفيته الحالية) هو مكسب ينبغي الحفاظ عليه؟
أحب أن أقرر ابتداءً مسألة مهمةً هي مسألة (مرجعية الإسلام).
أعتقدُ أن أيّ تيارٍ يرفض الإسلام ابتداءً كمرجعية لا محلّ له في المملكة العربية السعوديةِ، وهي البلد الذي قام على الإسلام، وحين أقول: لامحلّ له لا أعني أنه يحكم على أصحابه بالإعدام! بل أعني أنه لا يُقبلُ ولا يُلتفت إليه، وتبقى آلية التعامل معه رهناً بالظرف والمصلحة.
فإذا ما جئنا إلى التيارات المتناقضة التي (تعلن) عن رضاها بالإسلام مرجعية فإنه لا ينبغي لنا أن نجعل أنفسنا بين خيارين فقط: (تباين شديد) أو (التقاء على نقطة معينة)، فالتيارات الفكرية لا تتحرك مجتمعياً بهذا الشكل.
هناك مرحلةٌ وسطٌ هي التي ينبغي المصيرُ إليها، وهي مرحلة (التعايش).
والتعايش كلمةٌ عامةٌ تتضمّنُ التفهّم، والتقبُّل، والحوار.
وعليه فإن كان التنوّعُ سيفضي إلى جدلٍ عقليّ، وحوارٍ راقٍ وإن كان صريحاً جريئاً فهو جيدٌ مستحسنٌ، وإن كان سيفضي إلى تهارجٍ وتدابرٍ ومكايداتٍ و(ضرب تحت الحزام) فلا أظنّ أن ذلك مكسبٌ يُحرص عليه.
 الخطاب الثقافي للمذاهب الأخرى في السعودية.. كيف يمكن أن يستقطب لصالح صياغة خطاب ثقافي واسع يعكس التنوع المذهبي الموجود على أرض الواقع؟
ماذا تقصد بالمذاهب الأخرى؟
أتقصد الشيعة على وجه الخصوص أم تقصد المذاهب العقدية المختلفة عن السائد: كالمتصوفة والأشاعرةِ؟ أم تشير إلى المذاهب الفقهية التي تأخذ بغير الفتوى السائدة؟
      إن كان حديثُك عن المذاهب الفقهية فلا ريب أن العقل والمنطق احتواؤُها وتشجيعها وفتح الآفاق أمامها بلا حدودٍ لينشأ من ذلك ثراءٌ فقهيٌّ تستفيد منه البلاد والعباد، ولاوجه البتة للتضييق على الاجتهادات الفقهية المعتبرة في قضايا الخلاف.
وأما المذاهب العقدية المختلفة، وكذلك الشيعة، فلا أجد مشكلة في التعايش معها؛ لأنّ إلغاءَها في حكم المتعذر، فهي مذاهبُ قامت وبقيت لمئات السنين، ولن يكون الكبتُ والتضييقُ سبيلاً للقضاء عليها، بل سيكون موجباً لمزيد من التوتراتِ.
المهم في سياق هذه المذاهب أن يعرفَ كلٌّ حجمه، فلا تتبزُّ الأقليةُ الأكثريةَ، وتحاول فرضَ رؤيتها ونشرها بحجة (حقوق الأقليات)، و(حرية الإنسان). ولا أظنه من النصفة أن تطالبَ الفئةُ القليلة بحضور مجتمعيٍّ وإعلاميٍّ وتمثيلي في المجالس يكافئ أو يماثل الكثرة الكاثرة.
وليس من الصواب أيضاً أن تكونَ الأقلية حسّاسةً من أي نقدٍ لخطابها، وتصنفه مباشرة في خانة الطائفية أو الإقصائية، في حين هي تمارس النقدَ بأقسى طرائقه وأقذع أساليبه بحجّة الحفاظ على الحقوق!!
 هل هناك تغيّرات معينة شهدها الخطاب الثقافي للمذهب الشيعي في المملكة؟
      في الحقيقة هناك تغيراتٌ واضحةٌ على مستوى (الأفراد)؛ فقد أصبح هناك دعاةٌ للوحدة والتقارب الوطني كأمثال د.الصفار وغيره، كما بدأت تظهر مراجعات لكثير من الممارسات الشيعية الراسخة، ولعلنا نذكر خطاب المثقفين الشيعة حول الخمس، وكذلك المقالات الشرعية والثقافية حول سب الصحابة والتطبير في عاشوراء.
إذن في الجملة هناك حركة من نوع ما.
وعلينا ألاّ ننسى أن الشيعة (بشر)، والبشر من طبعهم التنوّع، ولا يمكن لأي تيار بشري أو مذهب أن يخلو من أفراد ينتقدون بعض ما فيه، أو يتوقون للتواصل مع الآخر، هذه سنة بشرية إنسانية.
لكن السؤال المؤثر هنا هو: ما حجم هذه الأصوات وما تأثيرها على السياق العام؟ هذا هو السؤال الذي يحتاج لبحث ودراسة إحصائية أكثر من احتياجه لانطباع شخص قليل المعرفة مثلي.
      ومع كل ذلك فأنا أعتقد أن تشجيع الصوت العقلاني الهادئ – بغضّ النظر عما قد يتصوره البعض من مضمراتٍ – أمر مهم وجيدٌ، وليس معنى تشجيعه أن يكون الإنسان مغفّلاً مخدوعاً، بل معناه أن يؤيّد هذا الاتجاه في ذات الوقت الذي يكون فيه فطناً وحذراً من أي تجاوزاتٍ قد تؤذيه أو تسيء إليه.
 كيف تنظر للفروقات بين الخطاب الديني (أحد أوجه المشهد الثقافي) والخطاب الثقافي (في حيّزه الفني)؟ أيهما استطاع أن يستقطب المثقفين بشكل أكبر؟
أعتقد أن الخطاب الديني اليوم أصبح أكثر ثراءً مما كان، وأرجو ألاّ يفهم أحدٌ من هذا طعناً أو جرحاً في الخطاب الديني القديم أو التقليديّ، ذلك أن لكل زمان معطياتٍ، ولكل عصر لغة تليقُ به.
نحن نتكلمُ عن (ثراء) بدأ يشهده الخطاب الديني المحلي بسبب الانفتاح على كثيرٍ من الاتجاهات والأفكار. وأعتقد أن استثمار هذا الثراء ومحاولة تكوين رموز علمية وفكرية إسلامية تتواءم مع الواقع الجديد سيجتذبُ قطاعاً عريضاً إلى ساحة الخطاب الديني.
ما يجعل الخطاب الثقافيّ (في حيزه الفنيّ كما اخترتَ أن تعبّر!!) اليوم أكثرَ جاذبيةً للنخبِ – فيما يبدو – توسُّلُهُ باللغةِ الجيدة، والأسلوب الأدبيّ المتميز، كذلك تماسُّهُ مع كثيرٍ من هموم الإنسانِ اليومية، وتعاطيه مع المشكلات الظرفية الآنية التي يجدُها الإنسان في بيته أو عمله أو مجتمعه أو وطنِه، أضف إلى ذلك تحريض الخطاب الثقافي للعقلِ، ومن طبع الإنسان أنه يُفتنُ بما يحرّك عقله، ويرتادُ به آفاقاً جديدةً لا يألفها.
وكل هذه آلياتٌ بوسعِ الخطاب الديني أن يتوسَّلَ بها فيكون أكثر جذباً. إنّ الخطاب الديني بطبيعته جاذبٌ لارتباطه بمصير الإنسان الأخرويّ، ومصيره بين يدي الله، فإذا ما قُدّر له أن يتزيّن بحسن العرض، ومنطقية التناول فإنّ ذلك سيضمن له اكتساحاً للساحة الثقافية.
 وهل تعتقد أن الخطاب الديني استطاع أن يدخل في عملية تطوير فاعلية تمكنه من التجاوب مع المتغيرات الثقافية التي مرت بها المملكة؟
ربما كانت العقبة الأساس في مسألة تطوير الخطاب الديني هي مفهوم اتباع السلف، وأعتقد أن هذا المفهوم الذي كان في أحوال كثيرة حجةً لمنع التجديد والتطوير- أعتقد أنه هو في ذاته يمثل أكبر بوابة للتحديث والتطوير، ذلك أن اتباع السلف هو اتباعهم في مناهجهم وطرائقهم، وليس اتباعهم في عين أقوالهم وحسب، فإذا ما انتهى السلف إلى قول ما بناءً على آلية معينةٍ للفهم، فإن هذه الآلية عينها إذا قادت إلى قول آخر فإن اتباع هذا القول الآخر هو اتباعُ السلف، وليس الوقوف أو الجمود عند عين ما قالوا.
وهذه مسألة دقيقة تحتاج أن يتفطن لها أولو العلم الثقات، وقد سبق لي أن باحثتُ فيها شيخي العلامة المتفنن محمد الحسن الددو في برنامج (مفاهيم) الذي أذيع في رمضان الفائت عبر قناة (فور شباب)، وهو موجود بكامله على شبكة الإنترنت.
وعموماً فنحنُ نشهد تطويراً للخطاب الديني ولو بتؤدة تظهر ملامحه فيما يلي:
ظهور قضايا جديدة في ساحة الخطاب الإسلامي كقضايا الديموقراطية، والنظام السياسي في الإسلام. وكقضايا الفساد الإداري والسياسي، وخدمة المجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني وغير ذلك.
ظهور أقلام جديدة بدأت تتعاطى مع المخالف بمنطق لايقف عند حدّ سرد النصوص وأقاويل الفقهاء الذين جرت العادة الاستشهاد بأقوالهم. بدأت هذه الأقلام توظّف المنطق، وتوظف حتى الكتابات الفلسفية والفكرية البعيدة في نصرة التيار الإسلامي ورموزه.
تقبُّل الخطاب الإسلامي للفاعلية الإيجابية ولو خارج إطار (النمطية التقليدية للتدين). بات الشخص الحليق اليوم أو مسبل الثوب أو حتى لابس الجينز بإمكانه أن ينخرطَ في إطار أعمالٍ اجتماعية وحتى دعوية تتم تحت إشراف التيار الديني المباشر. بل باتت المجموعات الشبابية العاملة في خدمة المجتمع تؤطّر في إطار مؤسساتٍ تنتمي للصحوة انتماءً أولياً. وباتت كتابات (الإسلاميين) تحتفي بهذا النوع من الإيجابية.
ما هو مأمول أن تكون هناك مواكبةٌ راشدةٌ من التيار الديني لهذه التطورات حتى يُستفاد منها دون أن (تشطح) إلى حيثُ لا يُراد.
  هناك حديث كثيف عن سيطرة تيار معين في المملكة على المؤسسات الثقافية المعنية بصياغة الخطاب الثقافي.. الى أي مدى يصح هذا الحديث؟
الحكم الدقيق على مثل هذه الأمور بحاجة إلى دراسة بحثية؛ فنحن بحاجة لأن ندرس الصحف والمؤسسات وحجم إنتاجها ونوعيته لنحكم بشكل أدق.
لكن إذا أردتَ حديثاً عن ملاحظاتٍ عامةً.. فإن من الواضح أن هناك فعلاً سيطرة للتيار الذي يوسم في سياق التجاذب الفكري بأنه (ليبرالي) على كثير من المؤسسات الثقافية، ودعنا نتكلم هنا تحديداً على (الصحف الحكومية، والقنوات الحكومية، والإذاعات الحكومية).
والذي يدلك على ذلك أن تلاحظ أنه منذ خمس سنواتٍ أو يزيد والتيار الإسلامي يتشكّى مما تطرحه هذه المؤسسات، والشكوى تزيد ولا تنقص، وينضمّ إليها اليوم من الإسلاميين من لم يكن يقول بها بالأمس. وبغض النظر هنا عن (جزئيات المسائل) وهل التيار الإسلامي مصيب فيها أم لا.. لكن الواضح أن (التيار الآخر) يسير الأمور على ما يريد مخالفاً بذلك رغبات التيار الإسلامي.
ثم جاءت حادثة د. سعد الشثري لتقدّم شاهداً على حجمِ هذا التأثير. وقد بينت طرفاً من هذا في مقالتي المنشورة في موقع الإسلام اليوم: (الكاوست وهولوكوست الصحافة السعودية).
 أنت مصنف من الإسلاميين.. فهل تقبل أن يكون هناك تيار آخر يقاسمك الوجود في الساحة الثقافية؟
دعني أسألك أولاً عن أثر قبولي أو عدم قبولي في الواقع!!
بمعنى: هل نحن أمام سؤال اختيار أم سؤال اضطرار؟
هل الأمر بيدي كإسلاميّ أن أسمح لهذا التيار بالوجود أو أنفيه؟
أعتقد أننا أمام واقعٍ علينا أن نتعامل معه، وبالتالي قد يكون السؤال الأفضل: كيف تتعامل مع هذا التيار؟
عموماً لا إشكال عندي في وجود أيّ تيارٍ يعلن ابتداءً قبوله بمرجعية الإسلام، ولاضير بعد ذلك أن نختلف على قضايا جزئية، حتى لو كنتُ أومنُ بخطئِهِ وباجترائِهِ على بعض الأحكام الشرعية.
وقولي: (لا إشكال) ليس معناه رضايَ بما قد يفوهُ به من الباطل، بل معناه أنني لا أعتبر وجودَهُ المفروض عليّ كارثةً تقتضي مني أن أيأس وأنفض يديّ من العمل، أو أن أستفرغ جهدي كله ووسعي كله في محاربتِهِ دون أن أضع لبنةً في بنائي أنا الذي أريد أن أبنيه.
 ما حظوظ الليبراليين في المشهد الثقافي سواء خلال السنوات الماضية أم التوقعات في المستقبل؟
التيار الموسوم بالليبرالية في المملكة هو منذ القديم تيارٌ نافذٌ في دوائر صنع القرار، خاسر في الإطار الشعبيّ العام. ولا أظنّ الأيام تزيد هذه المعادلة إلاّ رسوخاً.
 هل ترى ثمة خصوصية معينة يمتاز بها الخطاب الثقافي في المملكة عن الدول المحيطة (دول الخليج الأخرى)؟
الحديث عن الخصوصية له ثلاثُ مراتب:
المرتبة الأولى: الإيمانُ بأصل وجود الخصوصية.
المرتبة الثانية: تحديد ملامح هذه الخصوصية.
المرتبة الثالثة: تكييف العلاقة مع الآخر وفق هذه الخصوصية.
وسؤالك هذا لا بدّ أن يُجرى على المراتب الثلاث ليكون الجواب أكثر دقة.
      من حيث (أصل الخصوصية) فأنا أعتقد – ولعل كل ذي رأي كذلك – أنّه لا يوجد كائن بشري، ولا نشاط إنساني، ولا مجتمع يخلو من الخصوصية. انظرْ على المستوى العام إلى شعوب الأرض كلها ستجد بينها فروقاتٍ.. هذه الفروقات هي ما يمثل خصوصية كل شعب. ثم انظرْ على المستوى الخاص إلى أصدقائك ومعارفك فستجد بينهم كأفرادٍ فروقاتٍ، وهذه الفروقات هي ما يمثّل خصوصية كل منهم.
وبالتالي أعتقد أنه لايمكن الحديث عن خطاب ثقافي بلا خصوصية!
نأتي إلى المرتبة الثانية.. وهي المرتبة الشائكة حقاً.. ماهي ملامح خصوصية الخطاب الثقافي السعودي؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي على المثقفين أن يشتغلوا به، بدلاً من الجدل العقيم حول سؤال: هل لنا خصوصية أم لا ؟!
وأعتقد أن (مثقفاً ناشئاً) مثلي ليست لديه القدرة لاستيفاء الجواب على سؤال الملامح هذا.
لكن بوسعي أن أشير إلى سمتين من سمات الخطاب الثقافي السعودي:
التداخل الوثيق بين الخطاب الديني والخطاب السياسيّ؛ فالمملكة هي البلد الوحيد الذي تظهر فيه الملامح الدينية واضحةً في الخطاب السياسي، بحيث تغدو بعض الخطابات السياسية شديدة الشبه بخطاب العلماء.
      غياب فكرةِ الإلحادِ عن الخطاب الثقافي السائد، وأنا أعلم أن هناك مجموعات وتيارات صغيرة تتبنى أفكاراً إلحادية، ولكنها لايمكن أن تشكل لوناً من ألوان الخطاب الثقافي الظاهر، كما هو الحال في الدول الأخرى.
     بعد ذلك نصل إلى المرتبة الثالثة وهي مرتبة التعامل مع الآخر وفق خصوصيتنا، والمفترض في هذه المرحلة أن تكون تكييفاً لكل شيء ليتوافق مع الخصوصية، ولكن المشكلة أننا عكسنا المنطق، فصرنا كلما وجدنا إشكالاً في التعامل مع الآخر وفق خصوصيتنا رجعنا على هذه الخصوصية أو على بعض ملامحها بالنقض!! بدلاً من أن نتصرف التصرف الصحيح وهو البحث عن (طرق أخرى) للتعامل مع (الآخر) وفق (الخصوصية) التي اتُّفِقَ عليها.
 بحكم اهتماماتك.. هل ترى أن هناك رؤية مستقبلية معينة في السعودية للخطاب الثقافي؟ ثم هل هناك جهة معينة تخطط لهذا الخطاب؟
يؤسفني أن أقول: إن الخطاب الثقافي السعودي يتشكل بطريقة عشوائية.
 توجهات المشهد الثقافي السعودي خلال السنوات المقبلة كيف تراه؟
الله أعلم بما تجري به الأقدار.
لكن من الواضح أن المشهد الثقافي يتوجه سريعاً نحو (الانفتاح على الآخر) وإلغاء الخيارات المتشددة، وذلك في كل التيارات؛ فالفتاوى الشرعية الميالة للمبالغة في الاحتياط في طريقها للاندثار، وكذلك الأفكار الليبرالية الحدية العنيفة آخذة في الانحسار.