الصباح النبوي

كتب بواسطة: د. عبدالوهاب الطريري | في الأخيرة . بتاريخ : May 18 2012 | العدد :65 | عدد المشاهدات : 2217

الصباح النبوي

نسخة للطباعة
 يصدع نور الفجر ظلمة الليل، ويصدع أذان بلال سكون المدينة، ويوافي ذلك رسول الله [ نائماً؛ ليستريح البدن الشريف ساعة السحر بعد سبح طويل من قيام الليل، فإذا أذّن بلال أستيقظ رسول الله [، وأول شيء يفعله أن يتناول سواكه فيستاك به ثم يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". ثم يجيب المؤذن بمثل ما يقول، فإذا قال: الله أكبر الله أكبر. قال: الله أكبر الله أكبر. وإذا قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله. قال: وأنا. وإذا قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله. قال: وأنا. وإذا قال: حيّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله. وإذا قال: حي على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله. وإذا قال: الله أكبر الله أكبر. قال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلاّ الله. ثم ينبعث رسول الله [، فإن كان به حاجة إلى الغسل اغتسل، وإن كان به حاجة إلى الوضوء توضّأ، وربما قام إلى الصلاة من غير وضوء، فيُقال له في ذلك فيقول: "تنام عيناي ولا ينام قلبي".  
ثم يصلي ركعتي الفجر؛ فيصلي صلاة خفيفة حتى يقول القائل: هل قرأ فيها بأم الكتاب لشدة ما يخففها، يقرأ فيها بعد الفاتحة في الركعة الأولى (قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ) [الكافرون: 1] وفي الركعة الثانية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: 1]. فإذا فرغ من صلاته اضطجع على شقه الأيمن حتى يحين موعد إقامة الصلاة، فإذا رأى بلال أن الناس قد اجتمعوا في المسجد أتى إلى رسول الله [ فنادى: الصلاة يا رسول الله، فيخرج رسول الله [ إليهم، فإذا خرج من بيته قال: "بسم الله توكلت على الله. رب أَعُوذُ بِكَ من أَنْ أزل أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ"، فإذا دخل المسجد قال: "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم". فإذا رآه بلال داخلاً المسجد أقام الصلاة، وإذا رآه أصحابه قاموا إلى الصلاة، وربما خرج ورأسه ينطف ماءً من أثر الغسل، وربما خرج ووقف في مصلاه، ثم تذكّر أنه جنب ولم يغتسل، فقال لهم: "مكانكم". ثم رجع إلى بيته فاغتسل، ثم خرج إليهم ورأسه يقطر ماءً، فلم يكن [ يتكتّم هذه الأمور ويتحرّجها، وإنما كان بشراً من البشر يرى الناس في حياته وقائع حياتهم. 
 فإذا قام في مصلاه قال لأصحابه: "سوّوا صفوفكم، وتراصوا؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة".
ثم يصلي صلاة الفجر، ويقرأ قرآن الفجر، ويطيل القراءة، فيقرأ في صلاته ما بين الستين إلى مائة آية، فإن كان يوم جمعة قرأ في الركعة الأولى ألم تنزيل السجدة، وفي الركعة الثانية (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ) [الانسان: 1] ، وربما قنت أحياناً بعد الركوع من الركعة الثانية في النوازل تنـزل بالمسلمين، فيدعو ويستنزل الفرج والنصر، فإذا أتمّ صلاته وسلم منها قال وهو في مكانه ووجهه تلقاء القبلة: "أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". ثم ينصرف عن يمينه وربما انصرف عن يساره، فأول ما يسمع منه أصحابه إذا أقبل عليهم بوجهه قوله: "ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك" ثم يقول: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلاّ بالله، لا إله إلاّ الله، ولا نعبد إلاّ إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلاّ الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ويذكره بجوامع الذكر، ويعقد عددها بيمينه، ويأتي في أثناء ذلك خدم المدينة بأيديهم الأقداح فيها الماء؛ يتبركون بوضع رسول الله [ يده المباركة في آنيتهم، فما يُؤتى بإناء إلاّ غمس فيه يده، وربما أتوا إليه في اليوم الشديد البرد فيضع يده في آنيتهم، ثم تتقارب أطراف الصفوف فيطيف أصحاب رسول الله[ به وهو جالس في مصلاه مقبل بوجهه إليهم، فيسفر لهم ضوء الصباح عن ضياء وجه رسول الله [ فربما بدأهم بموعظة كما في حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله [ يوماً بعد صلاة الفجر موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإنْ عبد حبشي، فإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ". 
ولم يكن النبي [ يكثر عليهم هذه العظات، وإنما كان يتخولّهم بها، ويتعاهدهم من غير إملال. 
وربما أقبل عليهم إذا اجتمعوا حوله فقال لهم: "هل فيكم مريض نعوده؟" فإن قالوا: لا. قال:"هل فيكم جنازة نشهدها؟" فإن قالوا: لا. قال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟" فيقصّون عليه رؤاهم، فيقول ما شاء الله أن يقول، وربما حدّثهم برؤيا رآها هو [، فقصها عليهم وعبرها لهم كما في حديث سمرة قال: سألنا رسول الله [ يوماً فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟". قلنا: لا. قال: "لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة". ثم ذكر حديث الرؤيا الطويل وتعبيرها. 
ويتحدث الصحابة في هذا المجلس بين يدي النبي [ فيشاركهم الحديث والاستماع، فربما تحدّثوا عن حياتهم في الجاهلية وما كانوا يقعون فيه من أحموقات الجهل التي تبدّى لهم عوارها بعد أن منّ الله عليهم بالإسلام، فإذا ذكروها ضحكوا من جهلهم في الجاهلية، ويتبسم رسول الله [ وهو الذي كان ضحكه تبسماً، ولا يزال [ في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء، ثم يقوم رسول الله [ إلى حُجر نسائه، فإذا دخل البيت قال: "اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكّلنا".  
وأول شيء يبدأ به إذا دخل بيته السواك يطيب به فمه المطيب، ويسلّم على أهله قائلاً: "السلام عليكم يا أهل البيت". ويطوف على نسائه يدخل على كل واحدة في حجرتها يسلّم عليهن، ويدعو لهن ولا يطيل المكث، فربما دخل على إحداهن وهي في مصلاها وخرج وهي على حالها، كما دخل على جويرية وهي في مصلاها تذكر الله وخرج وهي على حالها من الذكر، وربما سأل عن الطعام فقال: "هل عندكم شيء؟" فإن كان ثمة طعام قرب إليه، وغالباً ما يكون طعاماً خفيفاً كالتمر والحيس والإقط، أو شراباً كاللبن أو النبيذ، ونحو ذلك، وربما سأل فيقولون: يا رسول الله  ما عندنا شيء فيقول: "فإني إذاً صائم".
..... يتبــــع
· هذه المقالة فاتحة مقالات عن اليوم النبوي، نتتبع فيها برنامج اليوم الكامل في حياة النبي [ من الصباح إلى الصباح كأنك تراه.