عبدالله الهدلق: القراءة تورث المرء اغترابًا روحيًّا وتكسبه حسد أقرانه

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : May 18 2012 | العدد :65 | عدد المشاهدات : 6373

عبدالله الهدلق: القراءة تورث المرء اغترابًا روحيًّا وتكسبه حسد أقرانه

نسخة للطباعة
لا يمكن أن يكون هناك ملف متكامل عن القراءة ومحبي الاطّلاع في السعودية دون أن يستصحب تجربة الأستاذ عبد الله الهدلق في التثقيف الذاتي، ورحلته مع القراءة التي بدأت باكراً واستمرت حتى اليوم، لايزيده مرور الأيام إلاّ شغفاً بملمس الكتاب، والتهام ما فيه من أفكار.
وفي هذا الحوار الذي قُصد منه استعراض تجربة أحد محبي القراءة البارزين؛ لتقديمها نموذجاً للشباب المبتدئ في هذا المجال، وتشجيع من قطع شوطاً في صحبة الكتب لكي يواصل المسير، يتحدث الأستاذ الهدلق عن بدايات تعرّفه على الكتاب، وكيف تمكّنت منه هذه الهواية، والطرق المثلى التي ينصح بها في القراءة، وماتضيفه للمرء من إيجابيات، كما يعرض إلى تقسيمات القراءة وغيرها من القضايا المتصلة بكيفية تكوين الشخص لنفسه ثقافياً وفكرياً... 
أستاذ.. أودّ أن تسمح لي - قبل أن أجيب عن أسئلتك المكتوبة- بالحديث عن أمر بات يؤذيني، ويقلّل من أهمية مثل هذه الحوارات في نظري.. أصدقك القول: بأني حين أطالع حوارًا من الحوارات الثقافية؛ فإني أطلب شيئًا آخر يتجاوز المادة الثقافية المطروحة، أريد أن أقف على بديهة المحاوَر –بفتح الواو- وثقافته الشفهية، وشخصيته الخاصة.. أعني أن أرى للحظاتٍ وجهَه الحقيقيَّ بعيدًا عن رتوش الصنعة. لكن هذه الحوارات ما عادت تدار كما كانت تدار سابقًا- في الأعم الأغلب- على هذا المعنى الفطري القريب، أصبح المحاوِر –بكسر الواو- يهجم على المثقف بجيش من الأسئلة المعقّدة بعد أن يقرأ نتاجه وتاريخ حياته، ويداوره –في خبث- حتى يسقطه في تناقض، أو يفضحه باستفزاز.. ثم إنَّ المحاوَر يلتفّ عليه –في خبث قريب من خبثه- فيستعد لأسئلته كما يستعد لبحث علمي محكّم سيلقيه في محفل دولي، حتى إني رأيت بعض هذه الحوارات الصحفية توثق نقولها بالجزء والصفحة. 
من هنا تجد أنَّ حوارات كثير من المثقفين المتأخرين أعلى قيمة علميَّة من حوارات أمثال: برناردشو، وبرتراندرسل وطه حسين والعقاد وحمد الجاسر.. لكنها حوارات أثقلتها الأنا المزوّرة، والرهبة من فقدان صورة "المثقف النموذج"، ففقدت تلك البهجة والسذاجة التي كنتَ تجدها في هذا الضرب الجميل من العمل الصحفي (ذكرت صافيناز كاظم في مقدمة حوارها المنشور مع ألبرتو مورافيا: أنها حين قابلته كانت المفاجأة أنه لم يكن هناك مفاجأة! فقد كان شخصية عادية.. كلمتها هذه أغنتني عن قراءة عدة كتب للوقوف على شخصيته الخاصة). 
لذا سأحاول –بعد أن تحنّثتُ كثيرًا لنموذجي في محاريب الآخرين فبُليت بالخيبة والهوان –أن أجيبك من قريب بما أنا عليه، من رأس القلم هكذا بلا صنعة، بالبهجة والسذاجة.. ولن أفزع إلى شيء إلا إلى ذاكرتي المشوّشة، وما لابد منه من تحرير القلم، والله على ما أقول شهيد!
ثم هناك أمر آخر يا أستاذ، وهو أني وقفتُ على حقيقة غريبة من حقائق هذه الحياة، وهي: أن حدّة التأمل المرهقة، وسعة الاطلاع المذهلة، وتراكم الخبرة الباذخ؛ ربما انتهى بالإنسان في بعض نتائجه إلى ما يقرّره العامّي ابتداءً دون أن يتكلّف شيئًا من هذا كله..
لذا فإني لا أرى الآن كبير فائدة في مخاطبة من لا يقرأ (الذي يريد أن يقرأ سيقرأ) القراءة أمر غريزي مركوز في فطر بعض الخلق، ومن ولد بها فإنه سيستميت في تنميتها واستثمارها بدافع قسري من ذاته، سيطلب خبز الروح كما يطلب الجائع خبز الحياة..
الحديث هنا مع من شغفته القراءة لعله أن ينتفع شيئًا ما، وأما من لا يقرأ ولا يرغب فما أراه ينتفع (أفرّق هنا بين التعليم والشغف بالقراءة). وإنك لتعجب حين ترى أن أكثر من يشتغل بشأن الكتاب هم من أبعد الناس عنه: المتخرجون في أقسام المكتبات، الذين يراقبون الكتب في دوائر الإعلام في الجمارك، بل إن الشيخ منير الدمشقي -رحمه الله- قد ذكر في "نموذجه": أن أغلب أصحاب دور النشر هم من الجهلة. 
لستُ أنسى مسؤول القاعة في إحدى المكتبات العامة حين كنت أتحدث معه عن فوائد القراءة فقال في أسى: ولكن أين الوقت؟ 
عبد الله الهدلق

 من يتابع كتاباتك يستشف أن لك تاريخًا طويلاً مع القراءة والاطلاع، فمتى تمكنت منك هذه الهواية؟ وما هي العوامل التي ساعدت في تأصيلها في نفسك؟. 
درستُ السنوات الثلاث الأولى من المرحلة الابتدائية في مدينة دبي من الإمارات العربية (1394هـ وما بعدها) حيث كان والدي –أطال الله في عمره على الخير- يعمل مدرسًا في إحدى مدارسها موفدًا من وزارة المعارف آنذاك. 
كان تلفزيون دبي يعرض برنامجًا لطيفًا للأطفال اسمه "كليلة ودمنة" يحرّك بالعرائس.. دخلت يومًا مكتبة تجارية كانت مجاورة لمدرسة عمر بن الخطاب التي أدرس فيها فوقع بصري على كتاب عنوانه "كليلة ودمنة" فاستهواني هذا التشابه في الأسماء، ولما نجحت من الثانية الابتدائية إلى الثالثة خيّرني والدي –جزاه الله خيرًا- في هدية النجاح (لست مدلّلاً إلى هذه الدرجة، فقد ضُربتُ ضربًا يشبه ضرب الفِراش لنفض الغبار عنه!) طلبت منه نسخة من هذا الكتاب بعد أن أخبرته أين شاهدته، فذهب بي إلى المكتبة، ولما أنزل البائع الكتاب من على الرفّ صعقتُ لحجمه وغاضت فرحة الهديّة، وخجلت من والدي أن أتراجع، فذهبت به إلى البيت أقلّبه لا أكاد أفهم من قصصه الرمزية شيئًا..
لكن كانت هذه هي بداية الرّحلة، ثم إني ترددت على مكتبة المدرسة لما انتقلنا إلى الرياض في السنة الرابعة الابتدائية وما بعدها، وأسعدني الحظّ فوقفت على أعمال للأديب الكبير كامل كيلاني موجَّهة إلى الأطفال مشكولة الكلمات، فوسّعت قراءتها الخيال لديّ، ونمّت السليقة اللغوية، لكنها كانت أرفع من مستوى الطفل (قرأت فيما بعد أن هذا مما أخذ على مؤلفات كامل كيلاني) إلا أن كثيرًا من ناشئة العرب في أيام سالفة قد تخرجت بتراث هذا الأديب الكبير الذي جهل قدره اليوم.. ما زال عندي –بعد ثلاثين سنة- بعض هذه الكتيبات التي استعرتها من مكتبة المدرسة، ولن أعيدها إلى وزارة التربية والتعليم إلا بحكم قضائي!
وهكذا في مكتبة المتوسطة وأوائل الثانوية، ثم انقطعت عن القراءة في المراهقة عدة سنوات بائسات، فلما كنت في الحادية والعشرين من العمر فتحت باب المكتبة وأغلقت باب الدنيا ورائي..
 هل لك طريقة أو مذهب معيَّن في القراءة؟. (ما هي الطريقة التي تقرأ بها)؟.
أظن أن طرق القراءة تتشابه بين القراء، وأما الاختلاف الكبير فهو في طرق الكتابة. 
ليس لدي شيء غير عادي فيما يسمى "بطقوس القراءة". 
 أيهما تفضِّل عادةً،  قراءة الكتاب بشكل كامل أم أجزاء منه؟.
إذا كان الكتاب مترابط الأجزاء؛ فإن قراءة أجزاء منه دون جميعه تكون مخلّة بمادته، وأما قراءة الكتاب إذا لم يكن كذلك كبعض المقالات المجموعة التي ليس بينها رابطة وما شابهها، فلا بأس، لا بأس بقراءة أجود ما فيها. 
 يشدِّد البعض على أنَّ القراءة الناجحة هي التي تكون بصحبة القلم، وتدوين تلخيصات لما يقرأ.. ما رأيك في هذا القول، وما المنهجية التي تلتزم بها في القراءة؟.
إذا كانت القراءة للمتعة فلا معنى لصحبة القلم، هل تأخذ القلم بين يديك وقت القراءة لتضع خطوطًا حمراء تحت هلوسات أنيس زكي في "ثرثرة فوق النيل"؟ أو ما تحدّث به علاء الأسواني عن شخصية شيماء محمدي في روايته "شيكاغو"؟
وإما إن كانت القراءة للفائدة مع المتعة –وهذا قليل بين القراء- فيستحسن صحبة القلم لتعليق فائدة من الكتاب أو تقييد شاردة. وأما أنا فلا أقرأ بصحبة القلم أبدًا، وقد كنت لا أنسى موضع الكلام من الصفحة مهما تباعدت الأيام وكثرت المجلدات.. وأما اليوم الحاضر، ومع أني ما زلت صغيرًا نسبيًّا، إلا أن ذاكرتي قد تغيرت عليّ كثيرًا فما هي بالتي كنت أعهد، أصبحت الحافظة لافظة..
لكن الحقيقة أني لم أندم على عدم التقييد، وليس لديّ نية لصحبة القلم أثناء القراءة، لأني غير مستعد نفسيًّا لمثل هذا (ما لي خلق) كما تقول العامة. 
وعلى ذكر التعليقات على الكتب، فإني لم أقرأ أجمل ولا أحفل من تعليقات أحمد خيري على كتبه على الرغم من شطحه المعروف، وكنت صورت شيئًا من تعليقاته العالية لنشرها ثم لم أنشط لذلك. 
 غير اكتساب الثقافة.. ماذا يمكن أن تضيف القراءة بالنسبة للشخص؟ 
ستضيف له اغترابًا روحيًّا ولاسيما في المجتمعات الجاهلة.. (حدثني أحد فضلاء المشايخ: أنه أقيم في العراق في تلك السنوات معرض للكتاب، افتتح المعرض في الساعة الثامنة صباحًا، فلما وافى الظهر لم يكن في المعرض كتاب واحد! كان الشعب العراقي الكبير من أكثر الشعوب العربية قراءة وعناية بالكتاب، وقد ذكر الكتبي العراقي المشهور قاسم الرجب في "مذكراته" أنه وُزِّع من كتاب لعلي الوردي ستة آلاف نسخة في أسبوعين). 
نعم، ستضيف القراءة للمرء حسدًا كثيرًا من أقرانه لازدياد كمية الإنسان فيه، وتجاوزهم بنموّه العقلي، وستفقده القدرة على إقامة العلائق الاجتماعية والتكيف مع الناس، ومعرفةً جيدةً بشركات نقل الأثاث، لكثرة تنقله بمكتبته من بيت قديم إلى بيت أقدم منه، ليتحيّف فارق الإيجار حتى يشتري به كتبًا تتراكم فوق خيباته.. هذا بالإضافة إلى قدر لا بأس به من زيادة حجم العدسات.. في كثير كثير من المزايا والفضائل التي لا يجمل بي ذكرها في مثل هذا المقام يا أستاذ..
 من هم – في رأيك- من يمكن وصفهم بأنهم من كبار (القراء) والشغوفين بهذه الهواية من الأسماء المعاصرة في السعودية حاليًّا؟.
هم الذين يرتادون المكتبات بلا ذكر أسماء، ولا شك أنه لن يكون فيهم –مع الأسف- كثير من كبار الأكاديميين وأساتذة الجامعات، على كثرة ما ترددت على المكتبات العامة والتجارية إلا أني قلّ أن رأيت واحدًا من أبناء هذه النخبة العاجيّة..
كنت في مجلس من مجالس شيخنا العلامة حمد الجاسر -رحمه الله-، فانفعل الشيخ إثر نقاش مع بعض الحضور، فقال له في لهجته الفصيحة المحبّبة: يا مولانا، لا تحدثني عن عامية من لا يقرأ ولا يكتب، حدثني عن عامية أساتذة الجامعات؟
 كيف يمكن للمرء أن يعوِّد نفسه على القراءة والاطلاع؟.
أول خطوة لتحقيق الحلم؛ الاستيقاظ منه .. يمكن للمرء أن يعوِّد نفسه على القراءة والاطلاع بأن يقرأ ويطّلع، أعني بأن يمارس ما يريد أن يكتسب عادته، فإن كان عنده قابلية لمثل هذا فإنه سيلزمه وينتفع به.
اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ كما كان يقول مارون عبّود. 
كان رشاد عبد المطلب –وهو واحد من كبار القراء- يدور على المطابع في القاهرة، يقرأ ما طبعوه من ملازم الكتب، لأنه لم يكن يستطيع الصبر وانتظار الكتاب حتى يتم طبعه وتجليده. 
أخبرني أحد أساتذتي ممن كان يحضر مجالس العقاد؛ أنَّ العقاد قصّ عليهم بأنه كان في طفولته يقرأ أوراق الجرائد التي تلف بها السندوتشات. 
كان العقاد من كبار القراء في عصره، قرأ أكثر من خمس وستين سنة قراءة عالية جادة، وفي الليلة التي توفي فيها كان يقرأ كتابًا عن "جيولوجية إفريقيا". 
كان العظيم ابن تيمية إذا مرض استشفى بمطالعة كتب أهل العلم، كما أخبر عنه تلميذه المولع بالكتب الحافظ ابن القيم، وكذا روي مثل هذا عن الشيخ زكريا الأنصاري، أولئك هم الناس.. 
 يقسم البعض القراءة إلى أنواع .. القراءة السريعة، والقراءة المتفحصة وغيرهما.. عمليًّا هل هذه التقسيمات صحيحة؟.
اسمع يا أستاذ، لا أحب مثل هذه التقسيمات ولا أحفل بها. هذا كله من عبثِ دورات تطوير الذات بعقول الناس.. وارتزاقِ دور النشر على وهن إرادتهم وأحلامهم الساذجة. 
القارئ يكتسب مهارات القراءة مع الممارسة وتراكم الخبرة ومطاولة الأيام.. هذه تكتسب تلقائيًا بجهد فطري ولا تحتاج إلى هذا كله، ثم هناك الاستفادة من تجارب من سبق في هذا المجال، وهي تحصّل بيسر من خلال قراءة الحوارات واللقاءات وما كتب في هذا من صفحات قلائل، لا يحتاج الأمر إلى مبانٍ ودورات وشهادات، وشهادات في التعريف بهذه الشهادات.. وتكثّر جاهل، وضحك على البسطاء من القراء بهذه الأنواع والتقسيمات والجداول والأسهم..
أتمنى على من يسعى لتثقيف عقله أن يراجع بعينٍ فاحصة كثيرًا من القيم التي تحتفي بها الجماعة، أتمنى ألا ينساق وراءها دون نظر واعتبار..
هل القراءة السريعة قيمة يحتاج القارئ العادي إلى تحصيلها؟ كيف تروج دورات لسرعة القراءة في مجتمع لا يقرأ أصلاً؟ 
اطلعتُ على كتاب ضخم من هذه الكتب التي تعلِّم الإنسان مهارات القراءة وهو بالسعر الفلاني.. وأنا أجزم أن القارئ لو قرأ كتابًا بهذه الضخامة في "فن الطبخ" فإنه سيكتسب تلقائيًا كثيرًا مما يقرّرونه في هذا الكتاب، وسيزيد عليه بمعرفة تحضير بعض الأطباق الشهية!
هذه الشركات الرأسمالية هي التي تدير مثل هذا العبث الثقافي، هي تتعامل مع الإنسان بوصفه "مستهلكًا ثقافيًّا" بالطرق نفسها التي تتعامل بها معه في ترويج الشامبو ومزيل البقع والكوكاكولا..
  في رأيك، كيف يمكن أن يستفيد المجتمع من إقبال شريحة الشباب على عادات القراءة والاطلاع؟. بمعنى هل هناك فوائد معيَّنة يستفيد منها المجتمع الذي تكثر بين شبابه عادات القراءة؟.
وعدتك في البداية أن أجيبك بالبهجة والسذاجة، لذا لن أتحدث عن ثنائية المثقف والمجتمع، والمثقف والسلطة، لأنها تحتاج إلى مزيد من القراءة والدرس (في مكتبتي خمسة كتب اشتريتها قريبًا تدور على هذا الموضوع، لم أفرغ من مطالعتها بعد). 
هذه الثنائية باتت تشغل بال كثير من مثقفي اليوم. 
أظن أن استفادة المجتمع من إقبال شريحة من الشباب على القراءة مرتهنة بحال هذا المجتمع وقابليته الثقافية، ثم يتداخل هذا كله في علاقة جدلية معقّدة مع نوع السلطة التي تحكم المثقف والمجتمع، ها أنت ترى أن الإجابة على هذه السؤال أعمق بكثير مما يبدو على ظاهره، بل إنها ربما أوردت المهالك..
 هل ثمة استفادة يجنيها المرء من التعرف على عادات كبار المثقفين وطرقهم في القراءة والتثقيف الذاتي؟.
أختم هنا -ما دام أنه تردّد كثيرًا لفظ المثقف في هذا الحوار- بذكر معلومة استغربت منها، وهي أني قرأت في كتاب "مقالات ممنوعة" (ممنوعة وليس منوّعة) لسلامة موسى قوله: أنا أول من استخدم لفظة الثقافة بمعناها المعاصر من وحي كلامٍ لابن خلدون..
لا أدري عن صحة ما قاله لكنه كلام غريب.. لأن هذا المصطلح بمعناه المعاصر أصبح من أكثر المصطلحات دورانًا على أقلام (ماذا أقول: على أقلام المثقفين؟). 
عودًا على السؤال: لاشك أنَّ كلَّ صاحب خبرة وتقدم في أي مجال من مجالات الحياة يقف على ما لا يقف عليه المبتدئ، والقراءة ليست استثناء من هذا، لكن هذه العادات منها ما هو شخصي خاص فلا أدري هل يستفيد المرء من التعرف إليها أم لا؟ 
وأما العادات التي ثبتت مع الأيام بعد تكرار تجربة الصواب والخطأ ونفي الخطأ؛ فالتعرف إليها نافع لاشك. 
إلا  أنَّ أعظم استفادة يجنيها المرء وتتجاوز أهميتها كل خبرة يستفيدها ممن سبقه هي ما كان من حصيلة ممارسته هو، أذكر هنا كلمة لهيجل تختصر هذا كله وهي قوله: "الخطأ مرحلة من مراحل الصواب". 
أشكر لكم احتفاءكم بأمر الكتاب وشأن القراءة، في هذا العالم العربي المملوء بالقبح والفجاجة، وعسى ألا أكون قد أشبهتُ في هذا الحوار عالم الاقتصاد اليهودي ريكاردو الذي قال عنه برناردشو في خاتمة كتابه "دليل المرأة الذكية"- اسمح لي بأن أعود إلى الكتاب ما دمت قد تحررت من الإجابة-: "كان يتميز بسمة عجيبة: أن يقول عكس ما يقصده، في الوقت الذي يحاول فيه على نحو ما، أن يجعل قصده واضحًا".